الفائدة الرابعة: من فقه المفتي ونصحه إذا سأله المستفتي عن شيء فمنَعه منه، وكانت حاجته تدعوه إليه= أن يدلَّه على ما هو عوض له منه، فيسُدَّ عليه بابَ المحظور، ويفتح له بابَ المباح.
وهذا لا يتأتَّى إلا من عالم ناصح مشفق، قد تاجر اللهَ وعاملَه بعلمه. فمثاله في العلماء مثال الطبيب العالم الناصح في الأطباء، يحمي العليلَ عما يضرُّه، ويصِفُ له ما ينفعه؛ فهذا شأن أطباء الأديان والأبدان.
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما بعث الله من نبيٍّ إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم».
وهذا شأن خلفاء الرسل وورثتهم من بعدهم. ورأيت شيخنا قدَّس الله روحَه يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمَّل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها.
وقد منع النبيُّ صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يشتري صاعًا من التمر الجيِّد بصاعين من الرديء، ثم دلَّه على الطريق المباح، فقال: «بِعِ الجَمْعَ بالدراهم، ثم اشترِ بالدراهم جَنيبًا»، فمنعه من الطريق المحرَّم، وأرشده إلى الطريق المباح.
ولما سأله [عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث والفضل بن عباس] أن يستعملهما في الزكاة، ليصيبا ما يتزوَّجان به= منَعَهما من ذلك، وأمرَ مَحْمِية بن جَزْء ــ وكان على الخُمْس ــ أن يعطيهما ما ينكحان به؛ فمنَعهما من الطريق المحرَّم، وفتح لهم الطريقَ المباح. وهذا اقتداء منه بربِّه تبارك وتعالى، فإنه يسأله عبدُه الحاجةَ، فيمنعه إياها، ويعطيه ما هو أصلح له وأنفع منها. وهذا غاية الكرم والحكمة.
إعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 6 - 8ط عطاءات العلم)