الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فهذه فوائد منتقاة من كتاب "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" لشيخ الإسلام الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله، وهو من أجمع الكتب التي بيّنت شرف العلم وفضله، وكشفت عن بديع أسرار الخلق والحكمة في التشريع، ودعت النفس إلى التفكر الذي هو حياة القلوب ومفتاح السعادة الحقيقية، إضافة إلى تحقيق مسألة التحسين والتقبيح العقليين، واشتماله على فصول في إبطال التنجيم وزجر الطير والعيافة والعدوى والشؤم، بأسلوب يجمع بين محكم النقل وصريح العقل.
وقد آثرتُ أن تكون هذه الفوائد مختصرةً بقدرٍ تحصل معه الفائدة، وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها الجميع.
*نايف بن علي العوفي
- قَالَ تَعَالَى: (وتزودوا فَإِن خير الزَّاد التَّقْوَى)
فَبَاعَ المغبونون مَنَازِلهمْ مِنْهَا بأبخس الْحَظ وأنقص الثّمن، وَبَاعَ الموفقون نُفُوسهم وأموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة، فربحت تِجَارَتهمْ، ونالوا الْفَوْز الْعَظِيم قَالَ الله تَعَالَى (إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة). (1/ 26)
- وَلما كَانَت الرِّيَاح تجول فِيهَا وَتدْخل فِي تجاويفها وتحدث فِيهَا الأبخرة وتخفق الرِّيَاح ويتعذر عَلَيْهَا المنفذ أذن الله سُبْحَانَهُ لَهَا فِي الأحيان بالتنفس، فَتحدث فِيهَا الزلازال الْعِظَام فَيحدث من ذَلِك لِعِبَادِهِ الْخَوْف والخشية والإنابة والإقلاع عَن مَعَاصيه والتضرع إليه والندم، كَمَا قَالَ بعض السّلف وَقد زلزلت الأرض: إن ربكُم يستعتبكم.
وَقَالَ عمر بن الْخطاب وَقد زلزلت الْمَدِينَة فخطبهم ووعظهم، وَقَالَ: لَئِن عَادَتْ لَا أساكنكم فِيهَا. (2/ 630)
- وقد قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، وأحسنُ ما قيل في تفسير الآية: أنه إنما يتقبلُ عملَ من اتَّقاه في ذلك العمل، وتقواه فيه أن يكون لوجهه، على موافقة أمره. وهذا إنما يحصلُ بالعلم.
وإذا كان هذا منزلَ العلم وموقعَه عُلِمَ أنه أشرفُ شيءٍ وأجلُّه وأفضلُه، والله أعلم. (1/ 229)
- الرافضة المجوس وغشهم للأمة ومعاونتهم لأعداء المسلمين:
ولهذا تجدُ الرافضة أبعدَ الناس من الإخلاص، وأغشَّهم للأئمَّة والأمَّة، وأشدَّهم بعدًا عن جماعة المسلمين؛ فهؤلاء أشدُّ الناس غِلًا وغِشًّا بشهادة الرسول والأمَّة عليهم، وشهادتِهم على أنفسهم بذلك، فإنهم لا يكونونَ قطُّ إلا أعوانًا وظَهْرًا على أهل الإسلام، فأيُّ عدوٍّ قام للمسلمين كانوا أعوانَ ذلك العدوِّ وبطانتَه، وهذا أمرٌ قد شاهدَته الأمَّةُ منهم، ومن لم يشاهده فقد سمعَ منه ما يُصِمُّ الآذانَ ويُشْجِي القلوب. (1/ 199)
- أوجه مشابهة الرافضة للخنازير ومسخ بعضهم على صورة خنزير أعزكم الله من الرافضة والخنازير:
واقرأ نسخةَ الخنازير من صور أشباههم، ولا سيَّما أعداءُ خيار خلق الله بعد الرُّسل، وهم أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّ هذه النُّسخة ظاهرةٌ على وجوه الرَّافضة، يقرؤها كلُّ مؤمنٍ كاتبٍ وغير كاتب، وهي تظهرُ وتخفى بحسب خِنزيريَّة القلب وخُبثه؛ فإنَّ الخنزيرَ أخبثُ الحيوانات وأردؤها طباعًا، ومن خاصَّته أنه يدعُ الطيِّبات فلا يأكلُها ويقومُ الإنسانُ عن رجيعه فيبادرُ إليه.
فتأمَّل مطابقةَ هذا الوصف لأعداء الصَّحابة كيف تجدُه منطبقًا عليهم! فإنهم عَمَدوا إلى أطيب خلق الله وأطهرهم فعادوهم وتبرَّؤوا منهم، ثمَّ والَوا كلَّ عدوٍّ لهم من النصارى واليهود والمشركين، فاستعانوا في كلِّ زمانٍ على حرب المؤمنين الموالين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين والكفَّار وصرَّحوا بأنهم خيرٌ منهم. فأيُّ شبهٍ ومناسبةٍ أولى بهذا الضرب من الخنازير؟! فإن لم تقرأ هذه النُّسخة من وجوههم فلستَ من المتوسِّمين.
وأمَّا الأخبارُ التي تكادُ تبلغُ حدَّ التَّواتر بمَسْخ مَنْ مُسِخ منهم عند الموت خنزيرًا فأكثرُ من أن تُذكرَ هاهنا، وقد أفرد لها الحافظُ محمَّد بن عبد الواحد المقدسي كتابًا. (2/ 724 - 725)
- وقال أبو حمزة البزَّاز: «من عَلِمَ طريقَ الحقِّ سَهُل عليه سلوكُه، ولا دليل على الطريق إلا متابعةُ الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله». (1/ 455)
- العلمَ إمامُ العمل وقائدٌ له
العلمَ إمامُ العمل وقائدٌ له، والعملُ تابعٌ له ومؤتمٌّ به، فكلُّ عملٍ لا يكونُ خَلْفَ العلم مقتديًا به فهو غيرُ نافعٍ لصاحبه، بل مضرَّةٌ عليه، كما قال بعضُ السَّلف: «من عبد الله بغير علمٍ كان ما يُفْسِدُ أكثرَ مما يُصْلِح».
والأعمالُ إنما تتفاوتُ في القبول والردِّ بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعملُ الموافقُ للعلم هو المقبول، والمخالفُ له هو المردود؛ فالعلمُ هو الميزانُ وهو المِحَكُّ. (1/ 227 - 228)
- من فقه النفس:
النفسَ ذوَّاقةٌ توَّاقة، فإذا ذاقَت تاقَت، ولهذا إذا ذاق العبدُ طعمَ الإيمان وخالطت بشاشتُه قلبَه رسخَ فيه حبُّه، ولم يُؤْثِر عليه شيئًا أبدًا. (1/ 23)
- يغلطُ الجفاةُ الأجلافُ في مسمَّى الحياة الطيِّبة، حيث يظنُّونها التنعُّمَ بأنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أو لذةَ الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنُّن بأنواع الشهوات؛ ولا ريب أنَّ هذه لذةٌ مشتركةٌ بين البهائم، بل قد يكونُ حظُّ كثير من البهائم منها أكثر من حظِّ الإنسان؛ فمن لم يكن عنده لذةٌ إلا اللذةُ التي تشاركهُ فيها السِّباعُ والدوابُّ والأنعامُ فذلك ممن يُنادى من مكانٍ بعيد.
ولكن أين هذه اللذةُ من اللذة بأمرٍ إذا خالط بشاشتُه القلوبَ سَلا عن الأبناء والنساء، والأوطان والأموال، والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلِّها والخروج منها رأسًا، وعرَّض نفسَه لأنواع المكاره والمشاقِّ، وهو متحملٌ لهذا، منشرحُ الصدر به، يطيبُ له قتلُ ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه، لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائم.
حتى إنَّ أحدَهم ليتلقَّى الرمحَ بصدره وهو يقول: «فزتُ وربِّ الكعبة».
ويستطيلُ الآخرُ حياتَه حتى يلقي قُوتَه من يده، ويقول: «إنها لحياةٌ طويلةٌ إن صبرتُ حتى آكلها»، ثم يتقدَّمُ إلى الموت فَرِحًا مسرورًا. (1/ 95 - 96)
- الله سبحانه أمر أهلَ العلم بالفرح بما آتاهم، وأخبر أنه خيرٌ مما يجمعُ الناس، فقال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58]، وفُسِّرَ فضلُ الله بالإيمان، ورحمتُه بالقرآن، والإيمانُ والقرآنُ هما العلمُ النافعُ والعملُ الصالح، وهما الهدى ودينُ الحقِّ، وهما أفضلُ علمٍ وأفضلُ عمل. (1/ 139 - 140)
- فلا بدَّ لكلِّ من عمل صالحًا وهو مؤمنٌ أن يُحْيِيَه اللهُ حياةً طيبةً بحسب إيمانه وعمله. (1/ 95)
- من عَدِمَ القلبَ الواعي عن الله لم ينتفع بكلِّ آيةٍ تمرُّ عليه ولو مرَّت به كلُّ آية، ومرورُ الآيات عليه كطلوع الشمس والقمر والنجوم ومرورِها على من لا بصر له، فإذا كان له قلبٌ كان بمنزلة البصير إذا مرَّت به المرئيَّات فإنه يراها. (1/ 485)
- ولم يَصِف الله في كتابه بالشفاء إلا القرآن والعسل، فهما الشِّفاءان؛ هذا شفاءُ القلوب من أمراض غيِّها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهذا شفاءٌ للأبدان من كثيرٍ من أسقامها وأخلاطها وآفاتها. (2/ 713)
- تدبّر القرآن:
فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها، فإذا قرأه بتفكُّرٍ حتى مرَّ بآيةٍ هو محتاجٌ إليها في شفاء قلبه كرَّرها ولو مئة مرَّة، ولو ليلة؛ فقراءةُ آيةٍ بتفكُّرٍ وتفهُّمٍ خيرٌ من قراءة ختمةٍ بغير تدبُّرٍ وتفهُّم، وأنفعُ للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذَوْقِ حلاوة القرآن. (1/ 535)
- لله تعالى الحكمة البالغة في قضائه وقدره:
فإياك أن تظنَّ بظنك الفاسد أنَّ شيئًا من أقضيته وأقداره عارٍ عن الحكمة البالغة، بل جميعُ أقضيته تعالى وأقداره واقعةٌ على أتمِّ وجوه الحكمة والصَّواب، ولكنَّ العقول الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن إدراكها، كما أنَّ الأبصار الخفَّاشيَّة محجوبةٌ بضعفها عن ضوء الشمس، وهذه العقولُ الصِّغارُ إذا صادفها الباطلُ جالت فيه وصالت، ونطقت وقالت، كما أنَّ الخفَّاش إذا صادفه ظلامُ الليل طار وسار.
خفافيشُ أعشاها النَّهارُ بضوئه … ولازَمها قِطْعٌ من الليلِ مُظْلِمُ (2/ 722 - 723)
- أفضل الدرجات في الإسلام، ومنزلة العلم:
أفضلَ الدرجات: النبوَّة، وبعدها الصِّدِّيقيَّة، وبعدها الشهادة، وبعدها الصَّلاح، وهذه الدرجاتُ الأربع التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69].
فمن طلبَ العلمَ ليحيي به الإسلامَ فهو من الصِّدِّيقين، ودرجتُه بعد درجة النبوَّة. (1/ 338)
- وكمالُ كلِّ إنسانٍ إنما يتمُّ بهذين النوعين: هِمَّةٌ ترقِّيه، وعلمٌ يبصِّره ويهديه= فإنَّ مراتبَ السعادةِ والفلاح إنما تفوتُ العبدَ من هاتين الجهتين، أو من إحداهما:
* إمَّا أن لا يكون له علمٌ بها، فلا يتحركُ في طلبها.
* أو يكون عالمًا بها ولا تنهضُ همَّتُه إليها. (1/ 125)
- قراءة القرآن بالتّدبر والتفكّر:
فلا شيء أنفعُ للقلب من قراءة القرآن بالتدبُّر والتفكُّر؛ فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين، وأحوال العاملين، ومقامات العارفين، وهو الذي يورثُ المحبةَ والشوقَ والخوفَ والرجاءَ والإنابةَ والتوكُّل والرضا والتفويض والشكرَ والصبرَ وسائر الأحوال التي بها حياةُ القلب وكمالُه، وكذلك يزجرُ عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فسادُ القلب وهلاكُه.
فلو عَلِمَ الناسُ ما في قراءة القرآن بالتدبُّر لاشتغلوا بها عن كلِّ ما سواها. (1/ 535)
- وكان بعض السَّلف يقول: «يا له مِنْ دينٍ، لو أنَّ له رجالًا. (2/ 855)
- فثبت أنه لا شيء أقبحُ بالإنسان من أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهَمَج الرَّعاع الذين يُكدِّرون الماءَ ويُغْلُون الأسعار، إنْ عاشَ عاشَ غيرَ حَمِيد، وإن مات مات غيرَ فَقِيد، ففقدُهم راحةٌ للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحشُ لهم الغبراء. (1/ 304)
- التَّوبة توجبُ للتَّائب آثارًا عجيبةً من المعاملة التي لا تحصُل بدونها، فتوجبُ له من المحبة والرقَّة واللُّطف وشكر الله وحمده والرِّضا عنه عبوديَّاتٍ أُخَر؛ فإنه إذا تابَ إلى الله قَبِل الله توبتَه، فرتَّب له على ذلك القبول أنواعًا من النِّعم لا يهتدي العبدُ لتفاصيلها، بل لا يزالُ يتقلَّبُ في بركتها وآثارها ما لم ينقضها ويفسدها. (2/ 832)
- فعلامةُ السَّعادة أن تكون حسناتُ العبد خلف ظهره، وسيئاتُه نُصْبَ عينيه. وعلامةُ الشقاوة أن يجعل حسناته نُصْبَ عينيه، وسيئاته خلف ظهره. (2/ 843)
- من قدرة الله تعالى في إنزال المطر:
فيرشُّ السَّحابُ الماءَ على الأرض رشًّا، ويرسلُه قَطَراتٍ مفصَّلة، لا تختلطُ قطرةٌ منها بأخرى، ولا يتقدَّم متأخِّرُها، ولا يتأخَّر متقدِّمها، ولا تُدْرِكُ القطرةُ صاحبتَها فتمتزجُ بها، بل تنزلُ كلُّ واحدةٍ في الطَّريق الذي رُسِمَ لها لا تَعْدِلُ عنه، حتى تصيبَ الأرض قطرةً قطرة، قد عُيِّنت كلُّ قطرةٍ منها لجزءٍ من الأرض لا تتعدَّاه إلى غيره، فلو اجتمع الخلقُ كلُّهم على أن يخلقوا منها قطرةً واحدةً أو يحصُوا عدد القَطر في لحظةٍ واحدةٍ لعجزُوا عنه. (2/ 576 - 577)
- الدنيا مزرعة للتزود للآخرة:
فالله سبحانه إنما خلقَ الجنة لآدمَ وذريته، وجعل الملائكةَ فيها خَدَمًا لهم، ولكن اقتضت حكمتُه أنْ خلقَ لهم دارًا يتزوَّدون منها إلى الدار التي خُلِقَت لهم، وأنهم لا ينالونها إلا بالزَّاد، كما قال تعالى في هذه الدار: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) [النحل: 7]، فهذا شأنُ الانتقال في الدنيا من بلدٍ إلى بلد، فكيف الانتقالُ من الدنيا إلى دار القرار؟! وقال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [البقرة: 197].
فباع المغبونون منازلَهم منها بأبخس الحظِّ وأنقص الثمن، وباع الموفَّقون نفوسَهم وأموالهم من الله، وجعلوها ثمنًا للجنة؛ فربحت تجارتُهم، ونالوا الفوز العظيم، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة: 111]. (1/ 26)
- التطيُّر من العُطاس مِن فعل الجاهلية الذي أبطلَه الإسلام، وأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله يحبُّ العطاس، كما في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الله يحبُّ العطاسَ ويكرهُ التثاؤب، فإذا تثاءبَ أحدُكم فليستره ما استطاع، فإنه إذا فتحَ فاهُ فقال: آه آه، ضَحِك منه الشيطان». (3/ 1573 - 1574)
- وأحسنُ ما أُنفِقَت فيه الأنفاسُ التفكُّرُ في آيات الله وعجائب صُنْعِه، والانتقالُ منها إلى تعلُّق القلب والهمَّة به دون شيءٍ من مخلوقاته. (2/ 608)
- قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) [العنكبوت: 43].
وفي القرآن بضعةٌ وأربعون مثلًا.
وكان بعضُ السلف إذا مرَّ بمثلٍ لا يفهمُه يبكي ويقول: لستُ من العالِمين. (1/ 138)
- (يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) [الزخرف: 38].
وكلُّ من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكرُ الله، فلا بدَّ أن يقول هذا يوم القيامة. (1/ 119)
- منزلة أهل الصدق وأهل الكذب:
وهل مُلِئت الجحيمُ إلا بأهل الكذب، الكاذبين على الله وعلى رسوله وعلى دينه وعلى أوليائه، المكذِّبين بالحقِّ حَمِيَّةً وعصبيَّةً جاهليَّة؟! وهل عُمِّرت الجِنانُ إلا بأهل الصِّدق، الصَّادقين المصدِّقين بالحقِّ؟!
قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر: 32 - 34]. (2/ 1046)
- شُهود العبد ذنوبَه وخطاياه توجبُ له أن لا يرى لنفسه على أحدٍ فضلًا، ولا له على أحدٍ حقًّا؛ فإنه يشهدُ عيوبَ نفسه وذنوبَه، فلا يظنُّ أنه خيرٌ من مسلمٍ يؤمنُ بالله ورسولِه، ويحرِّمُ ما حرَّم الله ورسوله.
وإذا شَهِد ذلك مِنْ نفسه لم يَرَ لها على النَّاس حقوقًا من الإكرام يتقاضاهم إياها ويذمُّهم على ترك القيام بها. (2/ 843)
- هل يقع التناقض في كلام الصادق المصدوق ﷺ:
فصلواتُ الله وسلامه على من يصدِّقُ كلامُه بعضُه بعضًا، ويشهدُ بعضُه لبعض، فالاختلافُ والإشكالُ والاشتباهُ إنما هو في الأفهام، لا فيما خرجَ من بين شفتيه من الكلام.
والواجبُ على كلِّ مؤمنٍ أن يَكِلَ ما أشكَل عليه إلى أصدق قائل، ويعلمَ أنَّ فوق كلِّ ذي علمٍ عليم. (3/ 1596)
- فأمراضُ القلوب أصعبُ من أمراض الأبدان؛ لأنَّ غايةَ مرض البدن أن يُفْضِي بصاحبه إلى الموت، وأمَّا مرضُ القلب فيُفْضِي بصاحبه إلى الشقاء الأبديِّ، ولا شفاءَ لهذا المرض إلا بالعلم. (1/ 306)
- الفأل الحسن والطِيرة:
فالفألُ يفضي بصاحبه إلى الطاعة والتوحيد، والطِّيَرة تفضي بصاحبها إلى المعصية والشرك؛ فلهذا استحبَّ صلى الله عليه وسلم الفألَ وأبطلَ الطِّيَرة. (3/ 1523)
وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعضُ السَّلف في قوله: «احذروا فتنةَ العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكلِّ مفتون»؛ فإنَّ الناسَ إنما يقتدون بعلمائهم وعبَّادهم، فإذا كان العلماءُ فَجَرةً والعبَّادُ جَهَلةً عمَّت المصيبةُ بهما وعَظُمَت الفتنةُ على الخاصَّة والعامَّة. (1/ 456)
- قولُه تعالى في حقِّ آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، فهذا في البرزخ، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: 46]، فهذا في القيامة الكبرى. (1/ 117)
- والمرأةُ ينبغي لها إذا خاطبت الأجانبَ أن تُغْلِظَ كلامَها وتقوِّيه ولا تُليِّنه وتكسِّره؛ فإنَّ ذلك أبعدُ من الرِّيبة والطمع فيها. (1/ 305)
- العلمَ صناعةُ القلب وشُغْلُه؛ فما لم يتفرَّغ لصناعته وشغله لم يَنلْها، وله وِجْهَةٌ واحدة؛ فإذا وُجِّهَت وِجْهَته إلى اللذَّات والشهوات انصرفَت عن العلم.
ومن لم تغلِبْ لذَّةُ إدراكه للعلم وشهوتُه على لذَّة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجةَ العلم أبدًا، فإذا صارت شهوتُه في العلم ولذَّتُه في إدراكه رُجِيَ له أن يكون من جملة أهله. (1/ 400)
- العلم يوصلك إلى الشرف مقامات العبد:
وإذا كانت الدعوةُ إلى الله أشرفَ مقامات العبد وأجلَّها وأفضلَها، فهي لا تحصلُ إلا بالعلم الذي يدعو به وإليه، بل لا بد في كمال الدعوة من البلوغ في العلم إلى حدٍّ يصلُ إليه السَّعي.
ويكفي هذا في شرف العلم، أنَّ صاحبه يحوزُ به هذا المقام، والله يؤتي فضله من يشاء. (1/ 434)
- واليقينُ والمحبةُ هما ركنا الإيمان، وعليهما ينبني، وبهما قِوامُه، وهما يُمِدَّان سائرَ الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تَصْدُر، وبضعفهما يكونُ ضعفُ الأعمال، وبقوَّتهما قوتها. وجميعُ منازل السائرين ومقامات العارفين إنما تصحُّ بهما، وهما يُثْمِران كلَّ عملٍ صالحٍ وعلمٍ نافعٍ وهدًى مستقيم. (1/ 436)
- فإذا باشرَ القلبَ اليقينُ امتلأ نورًا، وانتفى عنه كلُّ ريبٍ وشك، وعُوفي من أمراضه القاتلة، وامتلأ شكرًا لله وذكرًا ومحبَّةً وخوفًا، فحَيِيَ عن بيِّنة. (1/ 436)
- فالمخلصُ لله إخلاصُه يمنعُ غِلَّ قلبه، ويخرجُه ويزيلُه جملةً؛ لأنه قد انصرفت دواعي قلبه وإرادته إلى مرضاة ربِّه، فلم يبقَ فيه موضعٌ للغِلِّ والغش؛ كما قال تعالى: (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلِصين) [يوسف: 24]، فلمَّا أخلصَ لربِّه صرفَ عنه دواعي السوء والفحشاء؛ فانصرف عنه السوءُ والفحشاء. (1/ 198)
- تأمَّل هذه الألوانَ والأصباغَ والوَشْيَ التي تراها في كثيرٍ من الطير، كالطاووس والدُّرَّاج وغيرهما، التي لو خُطَّت بدقيق الأقلام ووُشِيَت بالأيدي لم يكن هذا. فمِن أين في الطبيعة المجرَّدة هذا التشكيلُ والتخطيطُ والتلوينُ والصَّبغُ العجيبُ البسيطُ والمركَّب، الذي لو اجتمعت الخليقةُ على أن يحاكوهُ لتعذَّر عليهم؟!. (2/ 698)
- الراسخ في العلم، لو وردَت عليه من الشُّبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينَه، ولا قدحَت فيه شكًّا؛ لأنه قد رسَخَ في العلم فلا تستفزُّه الشبهات، بل إذا وردَت عليه رَدَّها حرسُ العلم وجيشُه مغلولةً مغلوبة. (1/ 394)
- والقلبُ يتواردُه جيشان من الباطل: جيشُ شهوات الغيِّ، وجيشُ شبهات الباطل. فأيما قلبٍ صغا إليها وركنَ إليها تَشَرَّبها وامتلأ بها، فينضحُ لسانُه وجوارحُه بمُوجَبها، فإن أُشْرِبَ شبهات الباطل تفجَّرت على لسانه الشكوكُ والشبهاتُ والإيرادات. (1/ 395)
- خطر الشبهات وأهمية العلم في كشفها وردّها:
والشبهةُ واردٌ يَرِدُ على القلب يحولُ بينه وبين انكشاف الحقِّ له، فمتى باشرَ القلبُ حقيقةَ العلم لم تؤثِّر تلك الشبهةُ فيه، بل يقوى علمُه ويقينُه بردِّها ومعرفة بطلانها، ومتى لم يباشِر حقيقةَ العلم بالحقِّ قلبُه قدحَتْ فيه الشكَّ بأول وهلة، فإن تداركَها وإلا تتابعت على قلبه أمثالُها، حتى يصيرَ شاكًّا مرتابًا. (1/ 394)
- أهل الإيمان والقرآن:
الناسَ أربعةَ أقسام:
الأول: أهلُ الإيمان والقرآن؛ وهم خيارُ الناس. والثاني: أهلُ الإيمان الذين لا يقرؤونَ القرآن؛ وهم دونهم. فهؤلاء هم السعداء.
والأشقياء قسمان: أحدهما: من أوتي قرآنًا بلا إيمان، فهو منافق. والثاني: من لا أوتي قرآنًا ولا إيمانًا. (1/ 149)
- قولُه تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، قال الشافعي رضي الله عنه: «لو فكَّر الناسُ كلُّهم في هذه السورة لكفتهم».
وبيانُ ذلك: أنَّ المراتب أربعة، وباستكمالها يحصلُ للشخص غايةُ كماله:
أحدها: معرفةُ الحقِّ.
الثانية: عملُه به.
الثالثة: تعليمُه من لا يحسنُه.
الرابعة: صبرُه على تعلُّمه، والعمل به، وتعليمه.
فذكر تعالى المراتبَ الأربعة في هذه السورة. (1/ 152 - 153)
- من هدي النبي ﷺ في رمضان:
ونُدِبَ إلى الصَّدقة في شهر رمضان؛ فإذا صام وتصدَّق حصلت له المصلحتان معًا، وهذا أكملُ ما يكونُ من الصَّوم، وهو الذي كان يفعلُه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. (2/ 939)
- التِّلاوةُ الحقيقية، وهي تلاوةُ المعنى واتِّباعُه؛ تصديقًا بخبره، وائتمارًا بأمره، وانتهاءً عن نهيه، وائتمامًا به، حيثُ ما قادك انقَدتَ معه.
فتلاوةُ القرآن تتناولُ تلاوةَ لفظه ومعناه، وتلاوةُ المعنى أشرفُ من مجرَّد تلاوة اللفظ، وأهلُها هم أهلُ القرآن الذين لهم الثناءُ في الدنيا والآخرة، فإنهم أهلُ متابعةٍ وتلاوةٍ حقًّا. (1/ 115)
- ولما عُرِّبت كتبُ الفلاسفة صار كثيرٌ من النَّاس إذا رأى أقوال المتكلِّمين الضعيفة، وقد قالوا: إنَّ هذا هو الذي جاء به الرسول= قَطَع القنطرةَ وعدَّى إلى ذلك البرِّ، وكلُّ هذا من الجهل القبيح والظَّنِّ الفاسد أنَّ الحقَّ لا يخرجُ عن أقوالهم، فما أكثر خروجَ الحقِّ عن أقوالهم! وما أكثر ما يذهبون في المسائل التي هي حقٌّ وصوابٌ إلى خلاف الصَّواب!. (2/ 812)
- والمقصودُ أنَّ المتكلِّمين لو أجمعوا على شيءٍ لم يكن إجماعُهم حجَّةً عند أحدٍ من العلماء، فكيف إذا اختلفوا؟!. (2/ 812)
- تعالى الذي يزكِّي من يشاءُ من النُّفوس، فتزكُو وتأتي بأنواع الخير والبرِّ، ويتركُ تزكية من يشاءُ منها، فتأتي بأنواع الشرِّ والخبث. وكان من دعاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ آتِ نفسي تقواها، وزكِّها أنت خيرُ من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها». (2/ 823)
- فما استعان أحدٌ على تقوى الله وحِفظ حدوده واجتناب محارمه بمثل الصَّوم. (2/ 868)
- التائه عن الطريق يُرجى له العَوْدُ إليها إذا أبصرها، فإذا عرفها وحاد عنها عمدًا فمتى تُرجى هدايته؟! قال تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [آل عمران: 86]. (1/ 319)
- كلَّ صفةٍ مدحَ الله بها العبدَ في القرآن فهي ثمرةُ العلم ونتيجتُه، وكلَّ ذمٍّ ذمَّه فهو ثمرةُ الجهل ونتيجتُه. (1/ 320)
- الله سبحانه وتعالى لما اقتضت حكمتُه ورحمتُه إخراجَ آدم وذريته من الجنة أعاضهم أفضلَ منها، وهو ما أعطاهم من عَهْده الذي جعله سببًا مُوصِلًا لهم إليه، وطريقًا واضحًا بيِّن الدلالة عليه، من تمسَّكَ به فاز واهتدى، ومن أعرض عنه شَقِيَ وغوى. (1/ 124)
- فالعبدُ المؤمنُ في هذه الدار سُبِيَ من الجنة إلى دار التعب والعناء، ثمَّ ضُرِبَ عليه الرِّقُّ فيها، فكيف يلامُ على حنينه إلى داره التي سُبِيَ منها، وفُرِّق بينه وبين من يُحِب، وجُمِعَ بينه وبين عدوِّه؟!
فروحُه دائمًا معلَّقةٌ بذلك الوطن، وبدنُه في الدنيا. (1/ 424)
- فالحسناتُ والسَّيئاتُ آخذٌ بعضُها برقاب بعض، يتلو بعضُها بعضًا، ويُثْمِرُ بعضُها بعضًا؛ قال بعض السَّلف: «إنَّ من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، وإنَّ من عقاب السيئةِ السيئةَ بعدها». وهذا أظهرُ عند النَّاس من أن تُضرب له الأمثالُ وتُطلب له الشَّواهد والله المستعان. (2/ 847)
- وفي «الصحيح» عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه في قوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27]، قال: «نزلت في عذاب القبر».
والأحاديثُ في عذاب القبر تكادُ تبلغُ حدَّ التواتر. (1/ 118)
- ولله سبحانه في كلِّ صُنعٍ من صنائعه وأمرٍ من شرائعه حكمةٌ باهرة، وآيةٌ ظاهرة، تدلُّ على وحدانيَّته وحكمته وعلمه، وغِناهُ وقيُّوميَّته ومُلكِه، لا تنكرُها إلا العقولُ السَّخيفة، ولا تنبُو عنها إلا الفِطرُ المنكوسة.
وللهِ في كلِّ تسكينةٍ … وتحريكةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ … تدلُّ على أنه واحدُ. (2/ 1026)
- وقال أبو سليمان: «الفكرُ في الدنيا حجابٌ عن الآخرة، وعقوبةٌ لأهل الوَلاية، والفكرُ في الآخرة يورثُ الحكمةَ ويحيي القلوب».
وقال ابنُ عباس: «التفكُّرُ في الخير يدعو إلى العمل به».
وقال الحسن: «إنَّ أهلَ العلم لم يزالوا يعودون بالذِّكر على الفكر وبالفكر على الذِّكر، ويُناطِقونَ القلوب، حتى نَطَقَت بالحكمة». (1/ 518)
- فصلاحُ العالم في أن يكون الله وحده هو المعبود، وفسادُه وهلاكُه في أن يُعْبَد معه غيرُه، ومحالٌ أن يشرع لعباده ما فيه فسادُ العالم وهلاكُه، بل هو المنزَّهُ عن ذلك. (2/ 886)
- المؤمنُ لا يخلو عن شيءٍ من خصال الخير قطُّ، بل إن أجْدَبَ منه جانبٌ من الخير أخصَبَ منه جانب، فلا يزالُ خيرُه مأمولًا وشرُّه مأمونًا.
وفي «الترمذي» مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: «خيرُكم من يُرْجى خيرُه ويُؤمَنُ شرُّه، وشرُّكم من لا يُرجَى خيرُه ولا يُؤمَنُ شرُّه». (2/ 661)
- فإنه سبحانه لا شيء أحبَّ إليه من العبد مِنْ تذلُّله بين يديه، وخضوعه وافتقاره، وانكساره وتضرُّعه إليه. (1/ 17)
- وما أوتي أحدٌ أفضل من بصيرةٍ في دين الله، ولو قصَّر في العمل؛ قال تعالى: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ) [ص: 45]، قال ابنُ عبَّاس: «أولي القوَّة في طاعة الله، والأبصار في المعرفة في أمر الله». وقال قتادةُ ومجاهد: «أُعطُوا قوَّةً في العبادة وبصرًا في الدِّين». (2/ 858)
- وهل في العقل أنكرُ وأقبحُ مِن عبادة مَن لو اجتمعوا كلُّهم لم يخلقوا ذبابًا واحدًا وإن يَسْلُبهم الذُّبابُ شيئًا لم يَقْدِروا على الانتصار منه واستنقاذ ما سَلَبَهم إياه، وتَرْك عبادة الخلَّاق العليم، القادر على كلِّ شيء، الذي ليس كمثله شيء؟!. (2/ 880)
- حديثُ أنس: «الطِّيَرة على من تطيَّر»، وقد يجعلُ الله سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به، كما يجعلُ الثِّقةَ به والتوكُّل عليه وإفرادَه بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفعُ بها الشرَّ المتطيَّر به.
وسرُّ هذا: أنَّ الطِّيَرة إنما تتضمَّنُ الشركَ بالله تعالى، والخوفَ من غيره، وعدم التوكُّل عليه والثِّقة به، كان صاحبُها غرضًا لسهام الشرِّ والبلاء، فيسرعُ نفوذُها فيه، لأنه لم يتدرَّع من التوحيد والتوكُّل بجُنَّةٍ واقية، وكلُّ من خاف شيئًا غيرَ الله سُلِّطَ عليه، كما أنَّ من أحبَّ مع الله غيرَه عُذِّبَ به، ومن رجا مع الله غيرَه خُذِلَ من جهته. وهذه أمورٌ تجربتُها تكفي عن أدلَّتها. (3/ 1553 - 1554)
- الشريعةُ فمبناها على تعريف مواقع رضا الله وسَخَطه في حركات العباد الاختياريَّة؛ فمبناها على الوحي المحض، والحاجةُ [إليها أشدُّ من الحاجة] إلى التنفُّس، فضلًا عن الطَّعام والشراب؛ لأنَّ غاية ما يقدَّر في عدم التنفُّس والطَّعام والشراب موتُ البدن وتعطُّل الرُّوح عنه، وأمَّا ما يقدَّر عند عدم الشريعة ففسادُ الرُّوح والقلب جملةً، وهلاكُ الأبد؛ وشتَّان بين هذا وهلاك البدن بالموت. (2/ 864)
- ثم ذكر ﷺ: ضِلَعَ الدَّين وغلبةَ الرجال؛ فإنَّ القهرَ الذي ينالُ العبدَ نوعان: أحدهما: قهرٌ بحقٍّ؛ وهو ضِلَعُ الدَّين. والثاني: قهرٌ بباطل؛ وهو غلبةُ الرجال.
فصلواتُ الله وسلامُه على من أوتيَ جوامعَ الكلم، واقتُبِسَت كنوزُ العلم والحكمة من ألفاظه. (1/ 315)
- تمام العبوديَّة هو بتكميل مقام الذُّلِّ والانقياد، وأكملُ الخلق عبوديَّةً أكملُهم ذلًّا لله وانقيادًا وطاعة. (2/ 820)
- القلبَ يعترضُه مرضان يتواردان عليه، إذا استحكما فيه كان هلاكُه وموتُه، وهما: مرض الشهوات، ومرض الشبهات؛ وهذان أصلُ داء الخلق إلا من عافاه الله. (1/ 304 - 305)
- فالغاية الحميدةُ التي يحصُل بها كمالُ بني آدم وسعادتُهم ونجاتُهم هي معرفةُ الله ومحبتُه وعبادتُه وحده لا شريك له، وهي حقيقةُ قول العبد: لا إله إلا الله، وبها بُعِثَت الرُّسل، ونزَلت جميعُ الكتب، ولا تصلُح النَّفس ولا تَزْكو ولا تكمُل إلا بذلك. (2/ 1160)
- وقد قيل: إنَّ العدوَّ العاقلَ أقلُّ ضررًا من الصديق الجاهل، فإنَّ الصَّديقَ الجاهلَ يضرُّك من حيثُ يقدِّر أنه ينفعك، والشأنُ كلُّ الشأن أن تجعلَ العاقل صديقَك، ولا تجعلَه عدوَّك. (3/ 1419)
- ولزكاء العلم ونموِّه طريقان:
أحدُهما: تعليمُه. والثاني: العملُ به؛ فإنَّ العملَ به أيضًا ينمِّيه ويكثِّره، ويفتحُ لصاحبه أبوابَه وخباياه، وهذا لأنَّ تعليمَه والعملَ به هو التجارة فيه، فكما ينمو المالُ بالتجارة فيه كذلك العلم. (1/ 364)
- ومِنْ أعجب النِّعم عليه نعمةُ النِّسيان؛ فإنه لولا النِّسيانُ لما سَلَا شيئًا، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزَّى عن مصيبة، ولا مات له حُزن، ولا بَطَل له حِقْد، ولا استمتع بشيءٍ من متاع الدُّنيا مع تذكُّر الآفات، ولا رجا غفلةً من عدوِّه ولا فترةً من حاسده. (2/ 788)
- ولولا الكتابةُ لانقطعت أخبارُ بعض الأزمنة عن بعض، ودَرَسَت السُّنن، وتخبَّطت الأحكام، ولم يَعْرِف الخلَفُ مذاهبَ السَّلف، وكان يعظُم الخللُ الدَّاخلُ على النَّاس في دينهم ودنياهم؛ لِمَا يعتريهم من النِّسيان الذي يمحو صُوَر العلم من قلوبهم، فجَعَل لهم الكتابَ وعاءً حافظًا للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظُ الأمتعة من الذَّهاب والبطلان. (2/ 792)
- فالقلبُ الغافلُ مأوى الشيطان؛ فإنه وسواسٌ خنَّاس، قد التقمَ قلبَ الغافل يقرأ عليه أنواعَ الوساوس والخيالات الباطلة، فإذا تذكَّر وذكر اللهَ انجَمَع وانضمَّ وخَنَسَ وتضاءلَ لذكر الله، فهو دائمًا بين الوسوسة والخَنْس. (1/ 311)
- قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97]، فهذا خبرُ أصدق الصادقين، ومَخْبَرُه عند أهله عينُ اليقين، بل حقُّ اليقين؛ فلا بدَّ لكلِّ من عمل صالحًا وهو مؤمنٌ أن يُحْيِيَه اللهُ حياةً طيبةً بحسب إيمانه وعمله. (1/ 95)
- فإذا طلبَ العبدُ العلمَ فقد سعى في أعظم ما ينصحُ به عبادَ الله؛ فلذلك تحبُّه الملائكة وتعظِّمُه، حتى تضعَ أجنحتَها له رضًا ومحبةً وتعظيمًا. (1/ 172)
- فالخيرُ بمجموعه ثمارٌ تُجْتَنى من شجرة العلم، والشرُّ بمجموعه شوكٌ يُجْتَنى من شجرة الجهل، فلو ظهرت صورةُ العلم للأبصار لزاد حُسْنُها على صورة الشمس والقمر، ولو ظهرت صورةُ الجهل للأبصار لكان منظرُها أقبحَ منظر. (1/ 322)
- قالت أمُّ المؤمنين خديجة رضي الله عنها له صلى الله عليه وسلم: «أبشِر، فوالله لن يخزيكَ الله أبدًا؛ إنك لتَصِلُ الرحِم، وتصدُق الحديث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْري الضيف، وتُعِينُ على نوائب الحقِّ».
فاستدلَّت بمعرفتها بالله وحكمته ورحمته على أنَّ من كان كذلك فإنَّ الله لا يخزيه ولا يفضحه، بل هو جديرٌ بكرامة الله واصطفائه ومحبته ونبوَّته. (2/ 889 - 890)
- فالمكارمُ مَنُوطةٌ بالمكاره، والسعادةُ لا يُعْبَرُ إليها إلا على جسر المشقَّة، ولا تُقْطَعُ مسافتُها إلا في سفينة الجدِّ والاجتهاد.
قال مسلمٌ في «صحيحه»: «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العلمُ براحة الجسم».
وقد قيل: «من طلبَ الراحةَ تركَ الراحة».
فيا وَصْلَ الحبيب أمَا إليه … بغيرِ مشقَّةٍ أبدًا طريقُ. (1/ 300)
- ومن طمَحَت همَّته إلى الأمور العَلِيَّة، فواجبٌ عليه أن يَسُدَّ على همَّته الطُّرقَ الدنيَّة. (1/ 299)
- لمَّا علمَ إبليسُ أنه لا سبيلَ له على أهل الإخلاص استثناهُم من شُرْطتِه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين) [ص: 82، 83]. (1/ 198)
- ولا ريب أنَّ القلبَ إذا طُبِعَ عليه أظلمت صورةُ العلم فيه وانطمست، وربَّما ذهب أثرُها، حتى يصيرَ السببُ الذي يهتدي به المهتدون سببًا لضلال هذا؛ كما قال تعالى: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: 26 - 27]؛ فأخبر تعالى أنَّ القرآنَ سببٌ لضلال هذا الصِّنف من الناس، وهو هُداه الذي هدى به رسولَه وعبادَه المؤمنين. ولهذا أخبر سبحانه أنه إنما يهدي به من اتبعَ رضوانَ الله. (1/ 274)
- قال الحسنُ في قوله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً): «هي العلمُ والعبادة»، (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً): «هي الجنة». وهذا من أحسن التفسير؛ فإنَّ أجلَّ حسنات الدنيا العلمُ النافعُ والعملُ الصالح. (1/ 339)
- عقوبة عدم نشر العلم:
من خَزَنَ علمَه ولم ينشره ولم يعلِّمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه؛ جزاءً من جنس عمله، وهذا أمرٌ يشهدُ به الحسُّ والوجود. (1/ 492)
- فلو أُعطِيَت النُّصوص حقَّها لارتفع أكثر النِّزاع من العالم، ولكن خَفِيَت النُّصوص، وفُهِمَ منها خلافُ مرادها، وانضافَ إلى ذلك تسليطُ الآراء عليها، واتِّباعُ ما تقضي به؛ فتضاعفَ البلاء، وعظُم الجهل، واشتدَّت المحنة، وتفاقَم الخَطب.
وسببُ ذلك كلِّه الجهلُ بما جاء به الرسول، وبالمراد منه؛ فليس للعبد أنفعُ من سَمْع ما جاء به الرسولُ وعَقْل معناه، وأمَّا من لم يسمعه ولم يَعقِله فهو من الذين قال الله فيهم: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 10]. (2/ 946)
- فاليقينُ أفضلُ مواهب الربِّ لعبده، ولا تثبتُ قدمُ الرضا إلا على درجة اليقين.
قال الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11].
قال ابنُ مسعود: «هو العبدُ تصيبُه المصيبة، فيعلمُ أنها من عند الله، فيرضى ويسلِّم».
فلهذا لم تحصل له هدايةُ القلب والرضا والتسليمُ إلا بيقينه. (1/ 438)
- ولا ريب أنَّ أجلَّ معلومٍ وأعظمَه وأكبَره فهو الله الذي لا إله إلا هو، ربُّ العالمين، وقيومُ السموات والأرضين، الملكُ الحقُّ المبين، الموصوفُ بالكمال كلِّه، المنزَّه عن كلِّ عيبٍ ونقص، وعن كلِّ تمثيلٍ وتشبيهٍ في كماله.
ولا ريب أنَّ العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أجلُّ العلوم وأفضلُها، ونسبتُه إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أجلُّ العلوم وأشرفُها فهو أصلُها كلِّها. (1/ 238)
- وتأمَّل حكمتَه تعالى في عذابه الأممَ السَّالفةَ بعذاب الاستئصال لمَّا كانوا أطول أعمارًا، وأعظمَ قُوى، وأعتى على الله وعلى رسله، فلما تقاصرت الأعمارُ وضعُفت القُوى رَفَعَ عذابَ الاستئصال وجَعَل عذابهم بأيدي المؤمنين، فكانت الحكمةُ في كلِّ واحدٍ من الأمرين ما اقتضته في وقته. (2/ 725)
- قولُه تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) [الصافات: 174 - 175]، قيل: المعنى: أبصِرْهم وما يقضى عليهم من الأسر والقتل والعذاب في الآخرة، فسوف يُبْصِرُونك وما يقضى لك من النصر والتأييد وحسن العاقبة. (1/ 256)
- فالتَّوبةُ هي غايةُ كمال كلِّ آدميٍّ، وإنما كان كمالُ أبيهم بها، فكم بين حاله وقد قيل له: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) [طه: 118 - 119] وبين قوله: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [طه: 122]!
- فالحالُ الأوَّلُ حالُ أكلٍ وشربٍ وتمتُّع، والحالُ الأخرى حالُ اجتباءٍ واصطفاءٍ وهداية، فيا بُعْدَ ما بينهما!. (2/ 813)
- قال تعالى: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الأعراف: 69].
فذِكرُ آلائه تبارك وتعالى ونِعَمه على عبده سببُ الفلاح والسَّعادة؛ لأنَّ ذلك لا يزيدُه إلا محبةً لله وحمدًا وشكرًا وطاعةً وشُهودَ تقصيره ــ بل تفريطه ــ في القليل مما يجبُ لله عليه. (2/ 653)
- قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]، وأحسنُ ما قيل في تفسير الآية: أنه إنما يتقبلُ عملَ من اتَّقاه في ذلك العمل، وتقواه فيه أن يكون لوجهه، على موافقة أمره. وهذا إنما يحصلُ بالعلم. (1/ 229)
- إذا شهد ذنوبَه ومعاصيه وتفريطه في حقِّ ربِّه استَكثر القليلَ من نِعَم ربِّه عليه ــ ولا قليلَ منه ــ لعلمه بأنَّ الواصل إليه منها كثيرٌ على مسيءٍ مثله، واستقلَّ الكثير من عمله لعلمه بأنَّ الذي ينبغي أن يغسل به نجاستَه وأوضارَه وأوساخَه أضعافُ ما يأتي به؛ فهو دائمًا مستقلٌّ لعمله كائنًا ما كان، مستكثرٌ لنعمة الله عليه وإن دقَّت. (2/ 833)