فضل أهل الذكر

 

والذاكرون: هم أهل السبق كما روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: سيروا هذا جمدان سبق المفردون. قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" والمفردون إما الموحدون وإما الآحاد الفرادى، وفي المسند مرفوعا من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والفضة وأن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: ذكر الله عز وجل".

وروى شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت الأغر قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول الله قال: "لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده" وهو في صحيح مسلم.

ويكفي في شرف الذكر: أن الله يباهي ملائكته بأهله كما في صحيح مسلم عن معاوية رضي الله عنه: "أن رسول الله: خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا. قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: آلله ما أجلسنا إلا ذلك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكن أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة".

وسأل أعرابي رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله"، وقال له رجل: إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فمرني بأمر أتشبث به. فقال: "لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله".

وفي المسند وغيره من حديث جابر قال: "خرج علينا رسول الله فقال: أيها الناس ارتعوا في رياض الجنة. قلنا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ فقال: مجالس الذكر".

وقال: "اغدوا وروحوا واذكروا، من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإن الله ينزل العبد منه حيث أنزله من نفسه" وروى النبي عن أبيه إبراهيم ليلة الإسراء أنه قال له: "أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان وأن غراسها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" رواه الترمذي وأحمد وغيرهما.

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه عن النبي: "مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره: مثل الحي والميت" ولفظ مسلم: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه: مثل الحي والميت" فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي، وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت وهو القبر.

وفي اللفظ الأول: جعل الذاكر بمنزلة الحي والغافل بمنزلة الميت، فتضمن اللفظان: أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء، والغافل كالميت في بيوت الأموات. ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم وقلوبهم فيها كالأموات في القبور، كما قيل:

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وليس لهم حتى النشور نشور

وكما قيل:

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم ... وأجسامهم فهي القبور الدوارس

وأرواحهم في وحشة من حبيبهم ... ولكنها عند الخبيث أوانس

وفي أثر إلهي: "يقول الله تعالى: إذا كان الغالب على عبدي ذكري: أحبني وأحببته".

وفي آخر: "فبي فافرحوا وبذكري فتنعموا".

وفي آخر: "ابن آدم ما أنصفتني! أذكرك وتنساني وأدعوك وتهرب إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت معتكف على الخطايا. يا ابن آدم ما تقول غدا إذا جئتني؟".

وفي آخر: "ابن آدم اذكرني حين تغضب: أذكرك حين أغضب، وارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك".

وفي الصحيح في الأثر الذي يرويه رسول الله عن ربه تبارك وتعالى: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".

وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا: "الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب"، وذكرنا هناك أسرار الذكر وعظم نفعه وطيب ثمرته وذكرنا فيه: أن الذكر ثلاثة أنواع:

ذكر الأسماء والصفات ومعانيها، والثناء على الله بها، وتوحيد الله بها.

وذكر الأمر والنهي والحلال والحرام.

وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي.

وأنه ثلاثة أنواع أيضا: ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان، وهو أعلاها، وذكر بالقلب وحده وهو في الدرجة الثانية، وذكر باللسان المجرد، وهو في الدرجة الثالثة.


مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 403)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله