منهج الإمام ابن القيم في كتاب: "تهذيب سنن أبي داود وإيضاح عِلَله ومشكلاته".

*من موقع الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها


اسم الكتاب الذي طبع به: "تهذيب السنن".

لم ينصّ ابن القيم رحمه الله في مقدمة الكتاب على تسميته كما هو الحال في بعض كتبه, ولكنه سمّاه في كتابه "زاد المعاد" فقال عند كلامه على نوم الجنب دون أن يمسّ ماءً: وقد أشبعنا الكلام عليه في كتاب "تهذيب سنن أبي داود ".

وقد وافق ابن القيم على هذه التسمية من مترجميه: الصفدي رحمه الله, فذكر هذا الاسم بحروفه.

أم ابن رجب رحمه الله فقد سمّاه: "تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته والكلام على ما فيه من الأحاديث المعلولة". وتبعه على ذلك الداودي وابن العماد.

وهذه التسمية وإن اختلفت عن تسمية المؤلف إلا أنها لا تبعد عنها كثيراً, وقد راعى ابن رجب في إطلاقها موضوع الكتاب, كما نصّ عليه ابن القيم في خطبته.

وقد سمّاه ابن القيم في مناسبة أخرى تسمية مختصرة فقال: "تهذيب السنن", وبهذه التسمية عرف الكتاب واشتهر.

 

توطئة:

عمد الإمام ابن القيم إلى مختصر الإمام المنذري لسنن أبي داود, فهذّبه واختصره وزاد فيه لقيمته العلمية ولأهميته.

فرغب بعض طلبة العلم في استخلاص حواشي ابن القيم وزياداته للاستفادة منها, وجعلها في مكان واحد, فقام على "تهذيب ابن القيم" وجرّد ما استطاع تجريده من حواشي الشيخ وزياداته, وهو بهذا العمل -جزاه الله خيراً- قد حفظ لنا تراثاً عظيماً من تراث ذلك الإمام.

أما المجرِّد فهو: محمد بن أحمد السعودي, كما جاء في بداية المخطوط ونهايته, وقد قدّم لتجريده هذه الزيادات بمقدّمة بيّن فيها سبب تجريده لها.

 

مقدّمة الإمام ابن القيم لهذا التهذيب:

قدّم رحمه الله بمقدّمة بيّن فيها الحامل له على تأليف هذا الكتاب, وشيئاً من منهجه الذي سار عليه فيه, فكان مما قال: "ولما كان كتاب السنن لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني رحمه الله من الإسلام بالموضع الذي خصّه الله به, بحيث صار حكماً بين أهل الإسلام وفصلاً في موارد النّزاع والخصام, فإليه يتحاكم المنصفون, وبحكمه يرضى المحقّون, فإنه جمع شمل أحاديث الأحكام ورتّبها أحسن ترتيب, ونظمها أحسن نظام, مع انتقائها أحسن الانتقاء, واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء.

وكان الإمام العلامة الحافظ زكي الدين أبو محمد عبد العظيم المنذري رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه وغزو أحاديثه وإيضاح علله وتقريبه, فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعاً, وسبق حتى جاء من خلفه له تبعاً, جعلتُ كتابه من أفضل الزاد واتخذته ذخيرة ليوم المعاد:

- فهذّبته نحو ما هذّب هو به الأصل.

- وزدت عليه من الكلام على علل سكت عنها, أو لم يكملها.

- والتعرّض إلى تصحيح أحاديث لم يصحّحها.

- والكلام على متون مشكلة لم يفتح مقفلها.

- وزيادة صالحة في الباب لم يُشر إليها.

- وبسط الكلام على مواضع جليلة لعلّ الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه.

فهي جديرة بأن تُثنى عليها الخناصر, ويعضّ عليها بالنواجذ.

وإلى الله الرغبة أن يجعله خالصاً لوجهه, موجباً لمغفرته, وأن ينفع به من كتبه, أو قرأه, أو نظر فيه, أو استفاد منه.

فأنا أبرأ إلى الله من التعصّب والحميّة, وجعل سنة رسول الله r رافعة لآراء الؤجال, منزلة عليها, مسوقة إليها.

كما أبرأ إليه من الخطأ والزّور والسّهو, والله سبحانه عند لسان كل قائل وقلبه, وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت وإليه أنيب ".

 

منهج ابن القيم في الكتاب:

أولاً: بيان علل الأحاديث التي سكت المنذري عن بيان علتها, مثاله: سكت المنذري حديث ابن عباس t : أن السّجل كاتب للنبي r". فقال ابن القيم: سمعت شيخنا أبا العباس ابن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع..".

وتارة يورد علّة الحديث الذي سكت عنه المنذري للردّ على إعلاله وبيان صحّته, وهذا كثير في كتابه. فقد سكت المنذري عن حديث أنس t في تخليل اللحية, فنقل ابن القيم إعلال ابن حزم, وابن القطّان له, ثم ردّ عليهما بقوله: وفي هذا التعليل نظر ". ثم أخذ في الجواب عن ذلك.

وذكر إعلال ابن حزم لحديث عائشة رضي الله عنها في اعتزال النبي ﷺ لهنّ وهنّ حيَّض - وقد سكت عنه المنذري - ثم قال: وما ذكره ضعيف.. فالحديث غير ساقط".

وذكر إعلال ابن القطّان حديث زينب بنت أبي سلمة في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر, وقول النبي ﷺ : إنما هو عرق". ثم قال: وهذا تعليل فاسد...".

والأمثلة على هذا كثيرة.

وأما ما ذكر المنذري بعض علله ولم يكمل باقيه, فمثاله: ذكر المنذري بعض ما أعلّ به حديث ميراث ابن الملاعنة, وترك بعضها, فقال ابن القيم: وأعلّ أيضاً: بعبد الواحد بن عبد الله بن بسر النّصري, راويه عن واثلة, قال ابن أبي حاتم:... لا يحتج به".

ثانياً: الكلام على المتون المشكلة:

كثيراً ما كان ابن القيم رحمه الله يعمد إلى بعض الأحاديث المشكلة, فيحاول دفع إشكالاتها, وإزالة غموضها وإبهامها.

فمن ذلك: ما جاء في حديث علي t في صفة وضوء النبي ﷺ , وأنه رشّ رجليه بالماء وهما في النّعلين. قال ابن القيم: هذا من الأحاديث المشكلة جداً, وقد اختلفت مسالك الناس في دفع إشكاله..". ثم ذكر سبعة من هذه المسالك, وبيّن رأيه هو.

ثالثاً: زيادة أحاديث في الباب لم يُشر المنذري إليها.

وقد فعل ابن القيم هذا كثيراً, فتراه يقول: وفي الباب حديث فلان, وقد يتوسّع في ذلك فيذكر كل من روى أحاديث الباب, مع قيامه في بعض الأحيان بتخريجها, والمكلام على طرقها.

رابعاً: زيادة بعض الأبواب مما لم يرد في "سنن أبي داود":

لم يكتف ابن القيم رحمه الله بزيادة أحاديث في بعض الأبواب' بل قام بزيادة بعض الأبواب التي لم ترد في "سنن أبي داود" , مما رأى أن الأمر يستدعي إثباتها, مع إدخالها في المكان الملائم لها, وإيراد جملة من الأحاديث تحتها, فمن ذلك:

أنه زاد في كتاب "الديات" بعد قول أبي داود: باب فيمن تطبب بغير علم, بابين:

أحدهما: باب لا يقتص من الجرح قبل الاندمال.

والثاني: باب من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم.

ثم قال رحمه الله: ولم يذكر أبو داود هذا الباب ولا الذي قبله, ولا أحاديثهما فذكرنا هما للحاجة, والله أعلم".

خامساً: بسط الكلام على بعض المسائل, والتوسّع في بحثها:

ففي كثير من المواطن نجد ابن القيم يتوسّع في الكلام: إما بشرح حديث وبيان معانيه, كما في حديث تلبية النبي ﷺ. أو مناقشة علله, كما في حديث القلّتين, أو ذكر مذاهب العلماء في مسألة, وأدلة كل فريق, وبيان الراجح من ذلك, وهذا كثير جداً في كتابه, أو ذكر ما تضمنته أحاديث الباب من أحكام, وما اشتملت عليه من فوائد.

سادساً:

وأكثرُ هذه التعقّبات إنما وقعت في القضايا الحديثيّة, وما يتعلّق بها:

- فتارة يردُّ على إعلال المنذري حديثاً, ويُجيب عن ذلك مبيّناً ثبوت الحديث, وعدم ثبوت ما أعلّ به.

- وتارة يُعلّ المنذري حديثاً, فيرى ابن القيم أن له علّة أقوى من التي ذكرها المنذري.

- وتارة يردّ عليه وهمه في تخريج بعض الأحاديث.

- وتارة يتعقّب المنذري في تعقّبه لأبي داود.

- ويشتدّ تعقّبه للمنذري إذا رآه يسكت على ما لا ينبغي السّكوت على مثله, ففي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ اعتمر عمرتين, عمرة في ذي القعدة, وعمرة في شوّال". قال ابن القيم رحمه الله: لم يتكلّم المنذري على هذا الحديث, وهو وهم...".

 

قيمة الكتاب العلمية:

من خلال ما تقدم من عرض لموضوع الكتاب, وبيان لمنهج ابن القيم فيه, يمكن لنا أن نقول: إن هذا الكتاب يعدّ موسوعة حديثيّة جامعة, يجد المطالع فيها:

1- شرح الأحاديث وتوضيح معانيها.

2- استنباد أحكامها واستخراج فقهها.

3- وحلّ مشكلاتها وفتح مقفلاتها.

4- والتوفيق بين ما ظاهره التعارض منها.

5- والكلام عل عللها, وبيان صحيحها وضعيفها.

6- مع جمع أحاديث بعض الأبواب واستيفاء ما ورد فيها.

7- إلى غير ذلك من الفوائد التي يجدها الناظر منثورة في أثناء هذا الكتاب وبين صفحاته. مثل:

- تعقّبه على بعض أئمّة الحديث كالحاكم, فانظر إليه يقول:

" وفي رواية (حتى بلغ سبعاً قال رسول الله :نعم،ما بدا لك)

فقال في كلامه على رواية(حتى بلغ سبعاً)أ خرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا إسناد مصري لم ينسب واحد منهم إلى جرح, وهذا مذهب مالك، ولم يخرجاه.

والعجب من الحاكم! كيف يكون هذا مستدركا على الصحيحين ورواته لا يعرفون بجرح ولا بتعديل! ".

وتعقّبه على ابن الجوزي في تضعيفه حديثاً وهم في راويه, فقال:

: « هذا إسنادٌ صحيحٌ !!! ، وقد ظن أبو الفرج ابن الجوزي أن هذا هو : ابن وهب النسوي ، الذي قال فيه ابن حبان : يضع الحديث ، فضعف الحديث به ، وهذا من غلطاته بل هو : ابن وهب الإمام العَلَمُ ، والدليل عليه : أن الحديث من رواية أصبغ بن الفرج ومحمد بن عبد الله بن الحكم وغيرهما من أصحاب ابن وهب عنه ، والنسوي متأخر ، من طبقة يحيى بن صاعد ، والعجب من أبي الفرج كيف خفي عليه هذا ، وقد ساقها من طريق أصبغ وابن أبي الحكم عن ابن وهب ؟ !!! » .

والحديث هو : " من كان عنده علمٌ فكتمه ، ألجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نارٍ ".

 

- وفوائد حديثيّة مهمّة في التصحيح والتضعيف, كقوله:

" فهذه طريقة أئمة الحديث العالمين بعلله : يصحِّحون حديث الرجل ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات ، ومن تأمّل هذا وتتبعه رأى منه الكثير ، فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له ، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره . وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:

طائفة تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح وقد احتج به فيه فحيث وجدوه في حديث قالوا : هذا على شرط الصحيح ! وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه ، ورووا له ما تابعه فيه الثقات ولم يكن معلولاً ، ويتركون من حديثه المعلول وما شذّ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات ، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه ، ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به ، فإن لهم في هذه نظرًا واعتبارًا اختصّوا به عمن لم يشاركهم فيه ، فلا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا أن يكون صحيحًا ، ولهذا كثيرًا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديث الثقة بأنه لا يتابع عليه.

والطائفة الثانية : يرون الرجل قد تكلِّم فيه بسبب حديث رواه وضعف من أجله ، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه ! فيضعِّفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته. وهذا باب قد اشتبه كثيرًا على غير النقاد " اهـ .

وقوله: ثقة الراوي شرط للصحيح وليس موجبه".

 

- وكذلك نراه يصحّح ويضعّف, كقوله في حديث:

« لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل »

قال:« إسناده حسن وإسناده مما يُصححه الترمذي ».

 

تنبيهات:

الأول: لم يكن كتاب ابن القيم منفصلاً بالشكل الذي هو عليه الآن, وإنما كان على شكل تعليقات على كلام المنذري مختلطة معه, ولا يمكن تمييزها عنها وفصلها منها إلا بالمقابلة الدقيقة بين كتاب ابن القيم ومختصر المنذري لتمييز الزيادات.

وقد قام بتجريد كلام ابن القيم: محمد بن أحمد السّعودي, وترك بعضاً من كلام ابن القيم, حيث يقول: ولستُ أدّعي الإحاطة بجميع ما كتبه, بل الغالب والأكثر, وقد سقط منه القليل جداً لتعذّر كتابته, فعساه زاد لفظة أو لفظات في أثناء الكلام, فلم يمكنني إفرادها لا تصالها بكلام المنذري".

 

الثاني: قال محقق الكتاب: الدكتور إسماعيل مرحبا:

" قد تمّ حذف شرح ابن القيم لحديث: لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها كأنما ينظر إليها". في كتاب النكاح, باب ما يؤمر به من غضّ البصر.

وقد تمّ حذفه عمداً ادّعاءً بأنّ كلام ابن القيم هو كلام الخطابي بالنصّ, وبما أن الكتاب المطبوع سابقاً يحتوي على مختصر المنذري, ثم معالم السنن للخطابي, ثم تهذيب ابن القيم, فلا داعي لإبقاء كلام ابن القيم الذي هو نصّ كلام الخطابي, تفادياً للتكرار.. والناظر في كلام ابن القيم يجد أنه يفارق كلام الخطابي, وليس هو نصّ كلامه...".

 

الثالث: قال محقق الكتاب: الدكتور إسماعيل مرحبا:

" نسبة بعض أقوال المنذري لابن القيم:

ولعلِّي قبل أن أختم كلامي عن أخطاء الطبعة السابقة أذكر خطأً تكرر عدّة مرّات, وهو ليس بالخطأ السّهل, ألا وهو نسبة بعض أقوال المنذري لابن القيم. وسيجد القارئ للكتاب تلك الموضع منوّهاً عليها في أماكنها بإذن الله تعالى ".

 

مراجع الفقرة: كتاب "تهذيب السنن" طبعة المعارف, مع مقدّمة التحقيق.

 

طبعات الكتاب:

* - طبع في مطبعة أنصار السنة المحمدية في (8) مجلدات, بتحقيق الشيخ: محمد حامد الفقي, ومشاركة العلامة أحمد محمد شاكر له في تحقيق الأجزاء الثلاثة الأولى, سنة: 1369هـ
* - ثم صدرت طبعة ثانية بهامش عون المعبود, عن دار , لكنها جمعت إلى أخطاء الطبعة السابقة أخطاء أخرى كثيرة.
* - ثم صدرت طبعة أخيرة عن دار المعارف بالرياض بتحقيق الدكتور: إسماعيل مرحبا. في (5) مجلدات, اعتمد فيها على نسخة خطية, واستدرك الأخطاء في الطبعتين السابقتين, وخرّج أحاديث الكتاب, وعلّق على بعض المواطن.
* - وبلغنا أن الشيخ: مشهور حسن سلمان يعمل على تحقيق الكتاب على أكثر من نسخة خطية.

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله