الرد على من زعم أنه لا يقبل في المحبة إلا كلام أصحاب الحال والذوق

 

وكأني بك تقول: لا يقبل في هذا إلا كلام من قطع هذه المفاوز حالا وذوقا، وأما الكلام فيها بلسان العلم المجرد فغير مقبول، والمحبون أصحاب الحال والذوق في المحبة، لهم شأن وراء الأدلة والحجج!

فاعلم أولا أن كل حال وذوق ووجد وشهود لا يشرق عليه نور العلم المؤيد بالدليل، فهو من عيش النفس وحظوظها. فلو قدر أن المتكلم إنما تكلم بلسان العلم المجرد، فلا ريب أن ما كشفه العلم الصحيح المؤيد بالحجة أنفع من حال يخالف العلم و [العلم] يخالفه. وليس من الإنصاف رد العلم الصحيح بمجرد الذوق والحال، وهذا أصل الضلالة، ومنه دخل الداخل على كثير من السالكين في تحكيم أذواقهم ومواجيدهم على العلم، فكانت فتنة في الأرض وفساد كبير. وكم قد ضل وأضل محكم الحال على العلم! بل الواجب تحكيم العلم على الحال، ورد الحال إليه، فما زكاه شاهد العلم فهو المقبول، وما جرحه شاهد العلم فهو المردود. وهذه وصية أرباب الاستقامة من مشايخ الطريق رضي الله عنهم، كلهم يوصون بذلك، ويخبرون أن كل ذوق ووجد لا يقوم عليه شاهدان اثنان من العلم فهو باطل.

ويقال ثانيا: ليس من شرط قبول العلم بالشيء من العالم به أن يكون ذائقا له. أفتراك لا تقبل معرفة الآلام والأوجاع وأدويتها إلا ممن قد مرض وتداوى بها؟ أفيقول هذا عاقل؟

ويقال ثالثا: أتريد بالذوق أن يكون القائل قد بلغ الغاية القصوى في هذه المرتبة، فلا تقبل إلا ممن هذا شأنه، أو تريد به أنه لا بد أن يكون له أذواق أهله من حيث الجملة؟ فإن أردت الأول لزمك أن لا تقبل من أحد، إذ ما من ذوق إلا وفوقه أكمل منه. وإن أردت الثاني، فمن أين لك نفيه عن صاحب العلم؟ ولكن لإعراضك عن العلم وأهله صرت تظن أن أهل العلم لهم العلم والكلام والوصف، وللمعرضين عنه الذوق والحال والاتصاف.

والظن يخطئ تارة ويصيب. والله أعلم.


طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (2/ 705 - 707)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله