التفصيل في الأخذ بالرّخص

 

وما عَرَض للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، والرُّخصة أيسر من العزيمة. وهكذا كانت حاله في فطره في سفره، وجمعه بين الصلاتين، والاقتصار من الرُّباعية على شطرها، وغير ذلك. فنقول: الرُّخصة نوعان:

أحدهما: الرُّخصة المستقرَّة المعلومة من الشَّرع نصًّا، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمةٌ باعتبار الأمر والوجوب فهي رخصةٌ باعتبار الإذن والتّوسعة. وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاةِ المريض إذا شقَّ عليه القيام قاعدًا، وفطرِ الحامل والمرضع خوفًا على ولديهما، ونكاحِ الأمة خوفًا من العنت، ونحو ذلك. فليس في تعاطي هذه الرُّخص ما يوهن رغبته، ولا يردُّه إلى غثاثةٍ، ولا ينقص طلبه وإرادته البتَّة، فإنَّ منها ما هو واجب كأكل الميتة عند الضرورة، ومنها ما هو راجحُ المصلحةِ كفطر الصائم المريض وقصر المسافر وفطره، ومنها ما مصلحته للمترخِّص وغيره، ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدِّية، كفطر الحامل والمرضع؛ ففعلُ هذه الرُّخص أرجح وأفضل من تركه.

النوع الثاني: رخص التأويلات واختلاف المذاهب، فهذه تتبُّعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخِّص إلى غثاثة الرُّخص؛ فإنَّ من ترخَّص بقول أهل مكَّة في الصَّرْف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحِيَل في المعاملات، وقولِ ابن عبَّاسٍ في المتعة وإباحة لحوم الحمر، وقولِ من جوَّز نكاح البغايا المعروفاتِ بالبغاء وجوَّز أن يكون زوجَ قحبةٍ، وقولِ من أباح آلات اللهو والمعازف من اليَراع والطُّنبور والعود والطبل والمزمار، وقولِ من أباح الغناء، وقولِ من جوَّز استعارة الجواري الحسان للوطء، وقولِ من جوَّز للصّائم أكل البَرَد وقال: ليس بطعامٍ ولا شرابٍ، وقولِ من جوَّز الأكل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس للصائم، وقولِ من صحَّح الصلاة بـ {مُدۡهَآمَّتَانِ} [الرحمن: 64] بالفارسيَّة وركع كلمحة الطَّرْف ثمَّ فَصَل كحدِّ السيف ثم هوى من غير اعتدالٍ وفصل بين السجدتين بارتفاع كحدِّ السّيف ولم يتشهَّد ولم يصلِّ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وخرج من الصلاة بحَبْقة، وقولِ من جوَّز وطء النِّساء في أعجازهنَّ، ونكاحَ بنته المخلوقة من مائه الخارجةِ من صلبه حقيقةً إذا كان ذلك الحمل من زنًى، وأمثالِ ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء المرجوحة= فهذا الذي يَنقص ترخُّصُه رغبتَه، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرُّخص؛ فهذا لون والأوَّل لون.


مدارج السالكين (2/ 294 - 295 ط عطاءات العلم)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله