‌‌قول أئمة أهل التفسير في إثبات علو الله تعالى

 

وهذا باب لا يمكن استيعابه لكثرة ما يوجد من كلام أهل السنة في التفسير، وهو بحر لا ساحل له، وإنما نذكر طرفًا منه يسيرًا، يكون منبهًا على ما وراءه، ومن أراد الوقوف عليه فهذه تفاسير السلف وأهل السنة موجودة، فمن طلبها وجدها.

قول إمامهم ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:

ذكر البيهقي عنه في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قال: استقر.

وقد تقدم قوله في تفسير قوله تعالى عن إبليس: {ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ} [الأعراف/17] قال: لم يستطع أن يقول: من فوقهم، علم أن الله من فوقهم.

وتقدم حكاية قوله: أن الله كان على عرشه … وكتب ما هو كائن … وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه.

رواه سفيان الثوري عن أبي هاشم عن مجاهد عنه.

وذكر البخاري عنه في «صحيحه»

أن سائلًا سأله فقال: إني أجد أشياء تختلف عليَّ، أسمع الله يقول … {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} إلى قوله: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات/27 ـ 30] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال في آية أخرى: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى أن قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت/9 - 11] فذكر هنا خلق الأرض قبل السماء … ؟ فقال ابن عباس: أما قوله: {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} [النازعات/27]، فإنه خلق الأرض قبل السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم نزل إلى الأرض فدحاها.

وهذه الزيادة وهي قوله: «ثم نزل إلى الأرض» ليست عند البخاري وهي صحيحة قال محمد بن عثمان في رسالته في «العلو»: وصحَّ عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قالت امرأة العزيز ليوسف: إني كثيرة الدُّرِّ والياقوت، فأعطيك ذلك حتى تنفق في مرضاة سيدك الذي في السماء.

وعن ذكوان حاجب عائشة أن ابن عباس دخل على عائشة وهي تموت فقال لها: «كنت أحب نساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحب إلا طيبًا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سماوات، جاء بها جبرائيل فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيه الله إلا وهي تتلى آناء الليل وآناء النهار».

وأصل القصة في «صحيح البخاري».

وقال ابن جرير في «تفسيره»: حدثني محمد بن سعد حدثني أبي حدثني عمي حدثني أبي [عن أبيه] عن ابن عباس في قوله تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} [الشورى/5]، قال: يعني من ثقل الرحمن وعظمته جل جلاله.

وهذا التفسير تلقَّاه عن ابن عباس: الضحاك والسدّي وقتادة.

فقال سعيد عن قتادة: {يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ} قال: من عظمة الله وجلاله.

وقال السدي: تشقق بالله.

وذكر شيخ الإسلام من رواية الضحاك بن مزاحم عنه قال: إن الله خلق العرش أول ما خلق فاستوى عليه.

قلت: وهذا في «تفسير الضحاك» وفي «تفسير السدّي» عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه/5] قال: قعد.

قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:

روى أبو الشيخ في كتاب «العظمة» عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله ما الحاقة؟ قال: «يوم ينزل الرب تبارك وتعالى على عرشه".

وقال البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» قال ابن مسعود في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت/11] وقوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الفرقان/59]، قال: العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه.

وقال ابن مسعود: من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر= تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله، فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بهن وجه الرحمن.

أخرجه العسّال في كتاب «المعرفة» بإسنادٍ كلهم ثقات.

وقال الدارمي: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد ــ هو ابن سلمة ــ عن الزبير أبي عبد السلام عن أيوب بن عبد الله الفهري أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه، وإن مقدار كل يوم من أيامكم عنده اثنتا عشرة ساعة، فتعرض عليه أعمالكم بالأمس أول النهار اليوم فينظر فيها ثلاث ساعات، فيطلع فيها على ما يكره فيغضبه ذلك، فأول من يعلم بغضبه الذين يحملون العرش، يجدونه يثقل عليهم فيسبحه الذين يحملون العرش وسرادقات العرش والملائكة المقربون وسائر الملائكة».

وهو في معجم الطبراني أطول من هذا.

وصحَّ عن السدّي عن مُرَّة عن ابن مسعود، وعن أبي مالك، وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة عن ناسٍ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} [فصلت/11] «إن الله عز وجل كان على عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا قبل الماء … الحديث. وفيه: «فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش».

ولا يناقض هذا حديث: «أول ما خلق الله القلم» لوجهين:

أحدهما: أن الأولية راجعة إلى كتابته لا إلى خلقه، فإن الحديث: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة».

والثاني: أن المراد أول ما خلق الله من هذا العالم بعد خلق العرش، فإن العرش مخلوق قبله في أصح قولي السلف، حكاهما الحافظ عبد القادر الرهاوي.

ويدل على سبق خلق العرش قوله في الحديث الثابت: «قدَّر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء».

وقد أخبر أنه حين خلق القلم قدَّر به المقادير كما في اللفظ الآخر: «قال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر". فهذا هو التقدير الموقَّت قبل خلق العالم بخمسين ألف سنة، فثبت أن العرش سابق على القلم، والعرش كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض، فأقوال الصحابة لا تناقض ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

وذكر سُنيد بن داود بإسناد صحيح عنه رضي الله عنه أنه قال: ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى العرش خمسمائة عام، والعرش على الماء والله تعالى على العرش ويعلم أعمالكم.

وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: «ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء».

وروى أبو القاسم اللالكائي بإسناد صحيح عن خيثمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن العبد ليهم بالأمر من التجارة أو الإمارة حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سماوات فيقول للملائكة: اصرفوه عنه فإنه إن يسرته له أدخلته النار.

وقد سبق نحوه عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا.

وقال حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: «إن الله ملأ العرش حتى إن له أطيطًا كأطيط الرحل».

رواه حرب عن إسحاق عن آدم بن أبي أياس عن حماد.

قول مجاهد وأبي العالية:

روى البيهقي

من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله عز وجل: {وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} [مريم/52] قال: بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب … فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب [واحد]، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم قال: رب أرني أنظر إليك.

وقال البخاري في «صحيحه» قال أبو العالية: «استوى إلى السماء: ارتفع».

وقال مجاهد: «استوى: علا على العرش».

وقال مجاهد في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ … } [مريم/59] قال: «هم في هذه الأمة، يتراكبون كما تتراكب الحمر والأنعام في الطرق، ولا يستحيون الناس في الأرض، ولا يخافون الله في السماء».

رواه الهيثم بن خلف الدوري في كتاب «تحريم اللواط».

قول قتادة:

قد تقدم ما رواه عثمان الدارمي عنه في كتاب «النقض» قال: «قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض؛ فكيف لنا أن نعرف رضاك من غضبك؟ قال: إذا رضيت عليكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم.

وفي «تفسير ابن أبي حاتم» عن قتادة قال: «ثم استوى على العرش في يوم الجمعة».

قول عكرمة:

صحَّ عن إبراهيم بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: بينما رجل في الجنة فقال في نفسه: لو أن الله يأذن لي لزرعت، فلا يعلم إلا والملائكة على أبوابه فيقولون: سلام عليك، يقول لك ربك: تمنَّيْت شيئًا فقد علمته، وقد بعث معنا البذر، فيقول لك: ابذر. فيخرج أمثال الجبال، فيقول له الرب من فوق عرشه: كل يا ابن آدم؛ فإن ابن آدم لا يشبع». وله شاهد مرفوع في «صحيح  البخاري».

قول سعيد بن جبير:

روي عنه من طرق قال: قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل … فقال الملك: ليرسلن الله علينا السماء أو لنؤذينه، فقال جلساؤه: فكيف تقدر وهو في السماء؟ فقال: أقتل أولياءه، فأرسل الله عليهم السماء.

قول الضحاك:

قد تقدم عنه في قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} قال: هو على عرشه، وعلمه معهم.

ذكره ابن بطة وابن عبد البر، والعسال في كتاب «المعرفة»، ولفظه: «قال: هو فوق عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا».

ورواه أحمد: عن نوح بن ميمون عن بُكير بن معروف عن مقاتل عنه ولفظه: «هو على العرش، وعلمه معهم أينما كانوا».

ونقل ابن عبد البر إجماع الصحابة والتابعين على ذلك.

قول محمد بن كعب القُرَظي:

قال عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا عبد الله بن صالح حدثني حرملة بن عمران عن سليمان بن حميد قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار أقبل الله في ظُلَل من الغمام والملائكة، فسلَّم على أهل الجنة في أول درجة، فيردون عليه السلام ــ قال القرظي: وهذا في القرآن: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [يس/58] ــ فيقول: سلوني؟ يفعل ذلك بهم في دَرجِهم حتى يستوي على عرشه، ثم تأتيهم التحف من الله تحملها الملائكة إليهم».

قول الحسن البصري:

ذكر الشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي في كتابه «إثبات صفة العلو» عنه بإسناد صحيح قال: سمع يونس عليه السلام تسبيح الحصا والحيتان فجعل يسبح، وكان يقول في دعائه: سيدي، في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك … إلهي، في الظلمات الثلاث حبستني … فلما كان تمام الأربعين وأصابه الغمّ {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء/87].

وقال الحسن: ليس عند ربك شيء أقرب إليه من إسرافيل.

وذكر ابن منده: أخبرنا أحمد بن محمد بن عمر الوراق حدثنا إسماعيل بن أبي كثير حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن الحسن قال: قال الله عز وجل: «لما خلقت خلقي واستويت على عرشي كتبت: إن رحمتي سبقت غضبي، ولولا ذلك لهلكوا».

قول مسروق:

صح عنه أنه كان إذا حدث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من فوق سبع سماوات.

قول مقاتل:

قد تقدم قوله في تفسير قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ} [الحديد/4] قال: هو على العرش وهو معهم بعلمه.

ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره».

قول عبيد بن عمير:

ذكر عبد الله بن أحمد في كتاب «السنة» من رواية حجاج عن ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير قال: ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل».

قول كعب الأحبار:

روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب «العظمة» عنه بإسناد صحيح: أنه أتاه رجل فقال: يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار جل جلاله. فأعظم القوم ذلك، فقال كعب: دعوا الرجل، فإنه إن كان جاهلًا تعلم، وإن كان عالمًا ازداد علمًا، ثم قال كعب: أخبرك أن الله خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين سماء الدنيا والأرض وجعل كثفها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه، فما في السماوات سماء إلا لها أطيط كأطيط الرحل في أول ما يرتحل من ثقل الجبار فوقهن».

وروى أبو نعيم في كتابه «حلية الأولياء» بإسناده عن كعب الأحبار قال: «للذكْر دويٌّ حول العرش كدوي النحل بذكر صاحبه».

وذكر عثمان بن سعيد الدارمي: حدثنا أبو الربيع ثنا جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال: ما نظر الله إلى الجنة إلا قال: طِيبي لأهلك، فزادت طيبًا على ما كانت، وما من يوم كان عيدًا في الدنيا إلا يخرجون في مقداره إلى رياض الجنة … تسفي عليهم الريح بالطيب والمسك، فلا يسألون ربهم شيئًا إلا أعطاهم، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا عما كانوا عليه من الحسن والجمال سبعين ضعفًا.

وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال: «في التوراة: أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبِّر أمور عبادي، ولا يخفى عليَّ شيء في السماء ولا في الأرض».

رواه أبو الشيخ وابن بطة وغيرهما بإسناد صحيح عنه.

وروى أبو نعيم بإسناد صحيح عن كعب قال: قال الله تعالى: «أنا فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمر عبادي، لا يخفى عليّ شيء من أمر عبادي في سمائي ولا أرضي، وإن حجبوا عني فلا يغيب عنهم علمي، وإليّ مرجع كل خلقي فأثيبهم بما خفي عليهم من علمي، أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي، وأعذب من شئت بعقابي».

قول بشر بن عمر شيخ إسحاق عن جماعة ممن لقيهم من المفسرين:

قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بشر بن عمر قال: سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} أي: ارتفع.

قول نوف البكالي:

روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ذكر لنا أن الله قال للملائكة: ادعوا إليَّ عبادي، فقالوا: يا رب فكيف والسماوات السبع دونهم والعرش فوق ذلك، قال: إنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله، فقد استجابوا»، رواه الدارمي عنه.

قول يحيى بن رافع:

قال أبو الشيخ في «كتاب العظمة»:

حدثنا الوليد بن أبان حدثنا أبو حاتم حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي عيسى: أن ملكًا لما استوى الرب على عرشه سجد فلم يرفع رأسه، ولا يرفعه حتى تقوم الساعة، فيقول: لم أعبدك حق عبادتك … ».

وهذا الإسناد كلهم أئمة ثقات. ورواه أبو أحمد العسال في كتاب «المعرفة».

وأبو عيسى هو يحيى بن رافع من قدماء التابعين، ذكرناه هنا وإن لم يكن مشهورًا بالتفسير.

قول عباس القُمِّي: وإن لم يكن من المشهورين بالتفسير:

روى ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» بإسناد صحيح عنه قال: «بلغني أن داوُد كان يقول في دعائه: [سبحانك] اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السماوات والأرض».

قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي:

قال: بعث الله ملكًا من الملائكة إلى بختنصر قال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض؟ قال: لا. قال: بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وغلظها مثل ذلك» ـ وذكر الحديث إلى أن ذكر حملة العرش قال: «وفوقهم العرش عليه ملك الملوك تبارك وتعالى، أي عدو الله فأنت تطلع إلى ذلك، ثم بعث الله عليه البعوضة فقتلته … ».

رواه أبو الشيخ في كتاب «العظمة» بإسناد جيد إلى ابن إسحاق.

قول الإمام محمد بن جرير الطبري:

قد تقدم من قوله ما فيه كفاية، وقد قال في «تفسيره» في قوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان/59] أي علا وارتفع.

قول الحسين بن مسعود البغوي محيي السنة الذي أجمعت الأُمة على تلقي تفسيره بالقبول، وقراءته على رؤوس الأشهاد من غير نكير:

قد أسلفنا قوله عند ذكر أصحاب الشافعي، وإنكاره على من يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه/5] بمعنى استولى، وأن هذا مذهب الجهمية والمعتزلة.

قول أبي عبد الله القرطبي المالكي صاحب التفسير المشهور:

قال في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه/5]: هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام. وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم .. لما يلزم عن المكان والحيِّز من الحركة والسكون، والتغيير والحدوث، قال: هذا قول المتكلمين، ثم قال: وقد كان السلف الأُول رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله، كما نطق كتابه، وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وإنما  جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال مالك: الاستواء معلوم ـ يعني في اللغة ـ والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة.

هذا لفظه في «تفسيره» وهو من فقهاء المالكية وعلمائهم.


اجتماع الجيوش الإسلامية (ص379 - 407 ط عطاءات العلم)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله