تلاميذ الإمام ابن القيم

إن أهم الثِّمَار التي تُجْنَى من جهد أولئك العلماء الجهابذة: تخريج التلاميذ والطلاب الذين يحملون راية الخير والهداية لمن بعدهم، امتداداً لجهود شيوخهم ونشاطهم، وحلقةً في سلسلة متصلة متماسكة لا تنقطع.

وكلما تبوَّأ هؤلاء الطلاب مكانتهم بين أهل العلم العاملين، وأئمته البارزين، وجهابذته المشهورين، كان ذلك تعبيراً حقيقياً عن مكانَةِ شيوخهم الذين خَرَّجُوهم، وعلمِهِم، وفَضْلِهِم؛ فالطالب النابغ إنما هو - بعد فضل الله وتوفيقه - ثمرة يانعة من ثمار جهد الأستاذ وعطائه المتواصل، ولعلَّ في قول الحافظ ابن حجر المتقدم في حق ابن القَيِّم وشيخه ابن تَيْمِيَّة، حين قال: "ولو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير: الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية … لكان غايةً في الدلالة على عظم منزلته". لعلَّ في هذه الكلمة من ابن حجر - رحمه الله - ما يؤكد لنا هذه الحقيقة الظاهرة؛ إذ جعل الطالب النابغ، العالم، الفاضل منقبة من مناقب شيخه، وحسنةً من حسناته.

ولقد أَثْمَرَ جُهْدُ ابن القَيِّم - رحمه الله - ونشاطُهُ المتواصل، ودعوتُهُ الصادقة، ومجالسُ درسه وتعليمه، أثمر ذلك كله جملة من خيرة طُلاَّبِ العلم، الذين انتفعوا بابن القَيِّم - كما انتفعوا بغيره - فكانوا مشاعلَ نورٍ، وعلماءَ صدقٍ، وذاع صِيتهُم، وارتفع شأنهم، وبقيت آثارهم بيننا خير دليل على مكانتهم العلمية، وجِدِّهم واجتهادهم، وذلك مثلماً بقيت بيننا آثار شيخهم وأستاذهم ابن القَيِّم رحمه الله.

ويشير الحافظ ابن رجب - رحمه الله - إلى أخذ الكثيرين من الفضلاء العلم عن ابن القَيِّم، وتتلمذهم على يديه، وانتفاعهم به فيقول: "وأخذ عنه العلم خلق كثير من حياة شيخه، وإلى أن مات، وانتفعوا به، وكان الفضلاءُ يعظمونه ويتتلمذون له ... ".

ولم تُحَدِّثْنَا مصادر ترجمة ابن القَيِّم - رحمه الله - عن أحد من هؤلاء التلاميذ، إلا ما جاء من ذلك عرضاً، ولكن أمكن الوقوف على أبرز هؤلاء التلاميذ وأشهرهم، وذلك من خلال تتبع كتب التراجم والتواريخ المتعلقة بتلك الفترة، وأشهر هؤلاء:

1- ولده: إبراهيم بن محمد ... برهان الدين، وقد تَقَدَّمَت ترجمته وذكر أخباره، ومضى هناك قول الذهبي رحمه الله: "قرأ الفقه والنحو على أبيه، وسمع وقرأ وتَنَبَّهَ، وسَمَّعَه أبوه من الحجَّار".

ويتضح لنا مدى تأثر الولد التلميذ بأبيه الشيخ والأستاذ، وذلك من قول الحافظ ابن كثير رحمه الله: "كان بارعاً فاضلاً في النحو، والفقه، وفنون أُخَر، على طريقة والده رحمهما الله".

2- الحافظ ابن كثير: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضَوْء بن كثير، القرشيُّ، البُصْرَويّ، الدمشقيُّ، عماد الدين، أبو الفداء، الإمام، الْمُحَدِّث، المُفَسِّر، الحافظ، البارع. مولده: سنة (701هـ) .

تَفَقَّه بالشيخ برهان الدين الفَزَاري وغيره، وسمع من ابن عساكر وخلق، ثم صَاهَر الحافظ الْمِزِّي، وَلَزِمَه، وتَخَرَّجَ به، وأقبلَ على حفظ المتون، ومعرفةِ الأسانيدِ والعللِ والرجال، والتاريخ، فَبَرَعَ في ذلك كله، وَأَفْتَى وَدَرَّسَ ونَاظَر.

وله التصانيف المشهورة النافعة السائرة، التي منها: (البداية والنهاية) ، و (التفسير) وغير ذلك.

وكانت له خصوصية بابن تَيْمِيَّة ومناضلة عنه، وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، حتى إنه امتحن بسبب ذلك. توفي - رحمه الله - في شعبان سنة (774هـ) .

قال الحافظ ابن كثير في ترجمته لابن القَيِّم: "وكنت من أصحب الناس له، وأحبِّ الناس إليه". ونصَّ الشيخ بكر أبو زيد على أنه من تلاميذ ابن القَيِّم3.

ولم أجد نصاً صريحاً - عن ابن كثير أو غيره - يفيد تلمذته لابن القَيِّم، ولكنه كان دائماً يذكره بـ "الإمام العلامة"، ويعَبِّر عنه بـ "صاحبنا". فلا يبعد انتفاعه به وأخذه عنه، وهو داخل في أولئك الفضلاء الذين كانوا "يعظمونه ويتتلمذون له" كما قال ابن رجب، فهو كثير التعظيم له والثناء عليه في كل مناسبة، كما أن ابن كثير عاش بعد ابن القَيِّم - رحمهما الله - أكثر من عشرين سنة.

3- الصَّفَدِي: خليل بن أَيْبَك بن عبد الله، الصَّفَدِي، صلاح الدين، العلامة، الأديب، البارع. مولده: سنة (696هـ) .

سمع الكثير، وقرأ الحديث، وأخذ عن القاضي بدر الدين بن جماعة، وابن سيد الناس، والمِزِّي وغيرهم. وحصَّل الفقه، والأدب، والنحو. وكان مليح الخطِّ، كتب بخطه الكثير. وَوَلِيَ عدة وظائف، وتصدَّى للإفادة في الجامع الأموي. وصنف المصنفات النافعة، التي منها: (الوافي بالوفيات) .

توفي - رحمه الله - في شوال سنة (764هـ).

وقد ذكر - رحمه الله - في ترجمته لابن القَيِّم ما يفيد سماعه منه، وأخْذِه عنه؛ وذلك أنه قال في آخر الترجمة: "وأنشدني من لفظه لنفسه…". فذكر القصيدة الميمية في التَّضَرُّع، وقد مضى ذكر بعضها.

4- ابن رجب الحنبلي: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن عبد الرحمن، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي، زين الدين، أبو الفرج.

مولده: سنة (736هـ) ببغداد.

سمع من أبي الفتح الميدومي وغيره، وأكثر الاشتغال حتى مَهَر وبرع في الحديث والعلل وغيرهما، ولع التصانيف النافعة، التي منها: (شرح علل الترمذي) ، و (ذيل طبقات الحنابلة) وغيرهما. وكان إماماً، زاهداً، ورعاً، له مجالس التذكير المفيدة.

توفي - رحمه الله - سنة (795هـ).

وقد نصَّ هو - رحمه الله - على تلمذته لابن القَيِّم، وأنه شيخه، فقال في مطلع ترجمته لابن القَيِّم: " ... شمس الدين، أبو عبد الله، ابن قَيِّم الجوزية، شيخنا". وقال - أيضاً - في أثناء هذه الترجمة: "لازَمْتُ مَجَالِسَهُ قبل موته أزيد من سنة، وسمعت عليه (قصيدته النونية) الطويلة في السُّنَّة، وأشياء من تصانيفه، وغيرها".

5- ولده: عبد الله بن محمد بن أبي بكر ... الذي تقدمت ترجمته، والكلام عليه4، ومضى هناك قول الحافظ ابن حجر: "اشتغل على أبيه وغيره".

6- علي بن الحسين بن علي بن عبد الله، الكناني، البغدادي، المقرئ، الحنبلي، زين الدين.

مولده: سنة (693هـ) .

وكان رجلاً صالحاً، كثير الخير والتلاوة والذكر، حجَّ مراراً وجاور بمكة. أفاد ذلك ابن رجب في (مشيخته) .

وقد ترجمه يوسف بن عبد الله في "ذيله على طبقات ابن رجب"، وذكر أن ابن القَيِّم - رحمه الله - أجاز له.

7- السُّبكي: علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، الأنصاري، الخزرجي، تقي الدين، أبوالحسن.

مولده: سنة (683هـ) .

سمع الحديث من الجمِّ الغفير، ورحل كثيراً، واشتغل، وأَفْتَى، وَصَنَّفَ، ودَرَّسَ في أماكن عديدة، وتَفَقَّهَ به جماعة من الأئمة.

توفي - رحمه الله - سنة (756هـ) .

وقد نقل الشيخ بكر أبو زيد أن الحافظ ابن حجر ذكر في "الدرر الكامنة": أن السبكي أخذ عن ابن القَيِّم في رحلته إلى دمشق.

8- ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسي، الحنبلي، شمس الدين، أبو عبد الله.

مولده: سنة (705هـ) .

سمع الكثير، وتفَنَّنَ في الحديث، والنحو، والفقه، والتفسير، والأصلين، وغير ذلك، وحصَّل من العلوم ما لم يحصِّله الشيوخ الكبار.

وكان حافظاً جيداً لأسماء الرجال، وطرق الحديث، عارفاً بالجرح والتعديل، بصيراً بعلل الحديث.

توفي - رحمه الله - في جمادى الأولى سنة (744هـ).

وقد ذكر ابن رجب - رحمه الله - في ترجمته لابن القَيِّم تتلمذ ابن عبد الهادي على ابن القَيِّم، فقال: "وكان الفضلاء يعظمونه، ويتتلمذون له: كابن عبد الهادي وغيره".

9- محمد بن عبد القادر بن محيي الدين بن عثمان بن عبد الرحمن، الجعفري، النابلسي، الحنبلي.

مولده: بنابلس سنة (727هـ) .

كان فاضلاً، وله إلمام بالحديث، وكان خطه حسناً جداً، وله المصنفات المفيدة، منها: (مختصر العزلة) للخطابي.

توفي - رحمه الله - سنة (797هـ).

قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن الْجَزَرِي في مشيخة الْجُنيد البلياني: صحبَ ابن القَيِّم، وتَفَقَّه به، وقرأ عليه أكثر تصانيفه".

10- محمد بن محمد بن محمد بن الخضر بن سمرى، الشمس، الزبيري، الغزي، الشافعي.

مولده: سنة (724هـ) بالقدس.

دخل دمشق "فأخذ بها عن: ابن كثير، والتَّقِىِّ السبكي، وابن القَيِّم وغيرهم".

توفي - رحمه الله - سنة (808هـ) .

11- المقري: محمد بن محمد بن أحمد بن أبي بكر، القرشي، الْمُقْرِي، التلمساني. المتوفى سنة (759هـ) .

ذكره الشيخ بكر أبو زيد في تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن صاحب (نفح الطيب) - وهو حفيد المقري المذكور - أنه حكى عن جده قوله: "ثم أخذتُ على الشام، فلقيت بدمشق: شمس الدين بن قَيِّم الجوزية، صاحب الفقيه ابن تَيْمِيَّة" وأنه سمع منه شيئاً.

12- الفيروزابادي: محمد بن يعقوب بن محمد، أبو الطاهر، الفيروزابادي، الشافعي، مجد الدين.

مولده: سنة (729هـ) بشيراز.

تفقَّهَ ببلاده، وطَلَب الحديث، وسمع من الشيوخ، ومَهَر في اللغة وهو شاب، ورحل كثيراً في سماع الحديث إلى: الشام، ومصر، ومكة. وكان كثيرَ الكتبِ لا يسافر إلا بها. وله التصانيف النافعة السائرة، التي منها: (القاموس المحيط) وغيره.

توفي - رحمه الله - سنة (817هـ).

وقد ذكره الشيخ بكر أبو زيد ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ونقل عن الشوكاني قوله: "ارتحل إلى دمشق سنة 755هـ، فسمع من: التقي السبكي وجماعة، زيادة على مائة، كابن القَيِّم وطبقته".

وهذه العبارة لا تخلو من إشكال؛ إذ إن وفاة ابن القَيِّم - رحمه الله - كانت سنة 751هـ، وعلى هذا فإن دخول الفيروزابادي دمشق يكون بعد وفاته!.

ثم نظرت ترجمة الفيروزابادي عند غير الشوكاني، فوجدت عبارة ابن حجر في (إنباء الغمر): "… ودخل الديار الشامية بعد الخمسين…". ثم قال بعد ذلك: "سمع الشيخ مجد الدين من ابن الخَبَّاز، وابن القَيِّم، وابن الحموي… وغيرهم بدمشق في سنة نيف وخمسين". وقال ابن قاضي شُهبة: "وقدم الشام بعد الخمسين - إما سنة خمس، أو في السنة التي بعدها - وسمع بها الحديث". وجزم السخاوي بأن دخوله كان سنة (755هـ) .

وعند النظر إلى هذه الأقوال، نلاحظ اتفاقاً على أن دخوله إلى دمشق كان بعد الخمسين، إلا أنه لم يقع الجزم بسنة دخوله تحديداً، يتضح ذلك من قول ابن حجر: "… سنة نيف وخمسين"، وترددِ ابن قاضي شهبة بين (755) و (756هـ) كما مضى، إلا أن الذين نصّوا على سنة الدخول جعلوها سنة 755هـ، وحتى ابن قاضي شُهبة - مع تردده - لم يجعلها دون ذلك. فلم يبق إلا كلمة الحافظ ابن حجر رحمه الله، فلو اعتبرنا أن (النَّيِّف) من واحدة إلا ثلاث على التحقيق، لاحتمل إدراكه لابن القَيِّم سنة وفاته وهي (751هـ) .

بقي أمرٌ آخر يلزم التنبيه عليه، وهو أن الشيخ بكر أبا زيد - حفظه الله - قد ذكر الحافظ الذهبي ضمن تلاميذ ابن القَيِّم، ثم قال: "ترجم لابن القَيِّم في كتابه (المعجم المختص) لشيوخه، ومن هنا حَصَلتْ الاستفادة بأنه من شيوخه، وهو بَلَدِيُّه، والله أعلم".

وأكد الشيخ ذلك في مواضع عديدة من كتابه، واستبعد - بحسب حكمه هذا - أن يكون الذهبي شيخاً لابن القَيِّم، كما مضى مناقشة ذلك.

ولم أر - بعد البحث والنظر - دليلاً صريحاً يفيد تلمذة الذهبي لابن القَيِّم، بل إن الأدلة تؤيد كون ابن القَيِّم تلميذاً للذهبي كما مضى.

أما الذهبي، فلم يرد عنه ما يفيد أخْذه عن ابن القَيِّم أو استفادته منه، وعادته في (المعجم المختص) وغيره: أن يشير في ترجمة الشيخ إلى أنه قد سمع منه أو أخذ شيئاً عنه، حتى ولو كان من تلاميذه، ولكنه في ترجمة ابن القَيِّم، نجده يقول: "سمع معي من جماعة".

وأما اعتماد الشيخ بكر أبي زيد على كون الذهبي قد ترجم ابن القَيِّم في (المعجم المختص) ، وأنه خاص بشيوخه: ففيه نظر؛ إذ إنه لم يقل أحدٌ بذلك، بل قال الذهبي نفسه في مقدمته: "… فهذا معجمٌ مختصٌّ بذكر من جالسته من المُحَدِّثين، أو أجاز لي مروياته من طلبة الحديث". وقال في (التذكرة) : "وقد أَلَّفت معجماً لي، يختص بمن طلب هذا الشأن - يعني الحديث - من شيوخي ورفاقي، فاستوعبت من له أدنى عمل".

ومن هذا يتبين: أن هذا المعجم ليس خاصاً بشيوخ الذهبي وحدهم، بل أدخل فيه كل من عُرِفَ بطلب الحديث والعناية به، وهو الواضح من عنوانه: (المعجم المختص بالمحدثين) .

وأكد هذا المعنى الدكتور بشار عواد في دراسته القيمة للحافظ الذهبي، فقال: "وهذا الكتاب ليس معجماً لشيوخ الذهبي، بل هو معجم مختصٌّ لطلبة العلم في عصره، فقد ذكر الذهبي فيه حتى صغار الطلبة آنذاك".

ثم إن ابن القَيِّم لو كان شيخاً للذهبي، لأدخله في (معجم شيوخه) ، الذي ترجم فيه لما يزيد على ألف شيخ، ومنهم من هو دون ابن القَيِّم.

فالذي أراه - والله أعلم - أنه لا يُحْكَم بتلمذة الذهبي لابن القَيِّم لمجرد إدخاله إياه في (المعجم المختص) ، فإن وُجِدَ دليل أصرح من ذلك، وإلا فالأمر محل توقف.


ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها - جمال بن محمد السيد (1/ 191 - 204)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله