المعترضين على الربِّ سبحانه قسمان:
قسمٌ اعترضوا عليه في أمره ونهيه
وقسمٌ اعترضوا عليه في قضائه وقدره
وربما اجتمع النوعان في حقِّ المعترض، وقد ينفرد أحدهما.
وإبليس ممَّن جمع النوعين، فاعترض أولًا عليه في أمره له بالسجود لآدم، وزعم أنه مخالفٌ للحكمة، وأن الحكمة إنما تقتضي خضوع المفضول للفاضل لا ضد ذلك، وزعم أنه أفضل وخير من آدم، ثم اعترض بعد ذلك على القضاء والقدر بهذه الأسولة، فجمع بين الاعتراض على أمره وقدره. وبثَّ هذين النوعين في أصحابه وتلامذته، وأخرجها لهم في كل قالبٍ وصورة يقبلونهما فيها، وآخر ذلك أوحى إليهم أن يعترضوا على خبره عن نفسه وخبر رسله عنه بالعقل.
فعارض عدو الله أمره بأنه خلاف الحكمة، وقدره بأنه خلاف العدل، وخبره بأنه خلاف العقل. وسرت هذه المعارضات الثلاث في أتباعه، فهم خلفاؤه ونوابه، وهم على قدر أنصبائهم منها.
ومعلومٌ أن هذه الأنواع الثلاثة مضادَّة له ومجاهرةٌ بالعداوة، ومن التلبيس إخراج المعترض لها في صورة العلم والحب والمعرفة بألفاظ مزخرفة تغرُّ السامع، وتصغى إليها أفئدة أشباه الأنعام، وتنفعل عنها قلوبهم بالرضا بها، وألسنتهم بالتكلم بها، وجوارحهم بالعمل بمقتضاها.
الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٢/ ١١٣١ - ١١٣٢)