الرسل عليهم السلام أكمل الناس عقلاً وأشدهم نصحاً

 

من المعلوم عند جميع العقلاء أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم هم أعقل الخلق، وعقولهم أكمل العقول، ولهذا كان ما جاءوا به فوق عقول البشر، ولهذا حصل على أيديهم من الخير مالم يحصل على أيدي سواهم، وصلُح من أحوال النفوس والقلوب وعمارتها بالخير وتزكيتها بالعلم والعمل مالم يحصل لأحد غيرهم.

فعمارة القلوب والدنيا والآخرة على أيديهم، وكل فساد في العالم عاماً وخاصاً فإنما سببه العدول عما جاءوا به ومخالفتهم؛ فإذا استقريت جميع الشرور التي في العالم جزئياتها وكلياتها، وكل فتنة وبليّة ورزيّة رأيت سببها معصيتهم، وكل خير ونعمة في الدنيا والآخرة فسببه طاعتهم، واستقر هذا من زمن نوح إلى ساعتك التي أنت فيها، وما عُذِّبت به الأمم من أنواع العذاب وما جرى على هذه الأمة حتى ما أصيب به المسلمون مع نبيهم يوم أحد كان سببه معصية أمره، وللعاقل البصير عبرة في نفسه وأحواله خاصة؛ فهذا شأن هذه العقول الزاكية الكاملة، وشأن من خلقهم بمعقوله.

وإذا كان هذا التفاوت بين عقولهم وعقول الناس في الأمور المتعلقة بالإرادات والأعمال والحُبّ والبُغض؛ فما الظن بالتفاوت الذي بين عقولهم وعقول الناس في العلوم والمعارف.

فما الظن بما يتعلق بمعرفة الرب تعالى وأسمائه وصفاته وشأنه.

ويالله العجب كيف يُقَدّم قول من يقول قال لي عقلي عن ابن سينا والفارابي وارسطاطاليس وأشباههم أو عن أبي الهذيل العلاّف والشحّام والنظّام وأضرابهم أو عمن تلقى عن هؤلاء على قول من يقول قال لي جبريل عن رب العالمين؛ فالرسول يقول قال لي ربي، وهذا المُعارض يقول قال لي عقلي أو قال أرسطاطاليس ونحوه.


الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (4/ 1350)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله