خطأ من زعم أن الرجاء وقوف مع حظ النفس

 

وأما كون الرجاء وقوفا مع الحظ، فأصحاب هذه الطريق قد خرجوا عن نفوسهم فكيف حظوظهم؟ فيا لله العجب! أي رُعونة فيمن يجعل رجاء العبد ربه، وطمعه في بِرّه وإحسانه وفضله، وسؤاله ذلك بقلبه ولسانه؟! فإن الرجاء هو استشراف القلب لنيل ما يرجوه، فإذا كان العبد دائما مستشرفا بقلبه، سائلا بلسانه، طالبا لفضل ربه، فأي رعونة هاهنا؟ وهل الرعونة كل الرعونة إلا خلاف ذلك؟

ومن العجب دعواهم خروجهم عن نفوسهم، وهم أعظم الناس عبادة لنفوسهم! وليس الخارج عن نفسه إلا من جعلها حبسا على مراد الله الديني الأمري النبوي، وبذلها لله في إقامة دينه وتنفيذه بين أهل العناد والمعارضة والبغي، فانغمس فيهم يمزقون أديمه ويرمونه بالعظائم ويخيفونه بأنواع المخاوف ويتطلبون دمه بجهدهم، لا يأخذه في جهادهم في الله لومة لائم، يصدع بالحق عند من يخافه ويرجوه، قد زهد في مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وتشييخهم له وتقبيل يده وقضاء حوائجه، يصيح فيهم بالنصائح جهارا، ويعلن لهم بها ويسر لهم إسرارا. وقد تجرد عن الأوضاع والقيود والرسوم، وتعلق بمراضي الحي القيوم؛ مقامه ساعة في جهاد أعداء الله، ورباطه ليلة على ثغر الإيمان آثر عنده وأحب إليه من فناءٍ ومشاهداتٍ وأحوالٍ هي أعظم عيش النفس وأعلى قوتها وأوفر حظها، ويزعم أنه قد خرج عن نفسه فكيف حظها! ولعله قد خرج عن مراد ربّه من عبوديته إلى عين مراده هو وحظه، ولو فتش نفسه لرأى ذلك فيها عيانا.

وهل الرعونة كل الرعونة إلا دعواه أنه يحب ربه لعذابه لا لثوابه، وأنه إذا أحبه وأطاعه للثواب كان ذلك حظا وإيثارا لمراد النفس، بخلاف ما إذا أحبه وأطاعه ليعذبه فإنه لا حظ للنفس في ذلك. فوالله ليس في أنواع الرعونة والحماقة أقبح من هذا ولا أسمج! وماذا يلعب الشيطان بالنفوس؟! وإن نفسا وصل بها تلبيس الشيطان إلى هذه الحالة لمحتاجة إلى سؤال المعافاة.

فنزل أحوال الأنبياء والرسل والصديقين وسؤالهم ربهم على أحوال هؤلاء الغالطين، ثم قايس بينهما وانظر التفاوت. فأين هذا من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك"، وقوله لعمه: "يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية"، وقوله للصديق الأكبر وقد سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم"، وقوله لصديقة النساء وقد سألته دعاء تدعو به إن وافقت ليلة القدر فقال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"، وقوله في دعائه الذي كان لا يدعه، وإن دعا بدعاء أردفه به: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".

وقد أثنى تعالى على خاصته أولي الألباب بأنهم سألوه أن يقيهم عذاب النار، فقال: (وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 191].

وقال لأم حبيبة رضي الله عنها: "لو سألت الله أن يجيرك من عذاب النار لكان خيرا لك" وكان يستعيذ كثيرا من عذاب النار وعذاب القبر، وأمر المسلمين أن يستعيذوا في تشهدهم من عذاب النار، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال؛ حتى قيل إن هذا الدعاء واجب في الصلاة، لا تصح إلا به.

وهذا أعظم من أن نستقصيه. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مريض يعوده فرآه مثل الفرخ، فقال: "ما كنت تدعو به؟" فقال: كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعاقبني به في الدنيا، فقال: "سبحان الله! إنك لا تطيق ذلك، ألا سألت الله العفو والعافية"، وفي المسند عنه: "ما سئل الله شيئا أحب إليه من سؤال العفو والعافية".

وقال لبعض أصحابه: "ما تقول إذا صليت؟" فقال: أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حولها ندندن".

فأين هذا من حال من قال: لا أحبك لثوابك لأنه عين حظي، وإنما أحبك لعقابك لأنه لا حظ لي فيه، والرجاء عين الحظ، ونحن قد خرجنا عن نفوسنا فما لنا وللرجاء؟

فهذا وأمثاله أحسن ما يقال فيه: إنه شطح قد يعذر فيه صاحبه إذا كان مغلوبا على عقله كالسكران ونحوه، ولا تهدر محاسنه ومعاملاته وأحواله وزهده. ولكن الذي ننكر كون هذا من الأحوال الصحيحة والمقامات العلية التي يتعاطاها العبد ويشمر إليها، فهذا الذي لا تلبس عليه الثياب ولا تصبر عليه نفوس العلماء، وحاشا سادات القوم وأئمتهم من هذه الرعونات، بل هم أبعد الناس منها.

نعم، قد يعرض لأحدهم حال يحدث نفسه بأنه لو عذبه لكان راضيا بعذابه كرضا صاحب الثواب بثوابه، ويعزم على ذلك بقلبه، ولكن هذا عزم وأمنية، وعند الحقيقة لا يكون لذلك أثر البتة، ولو امتحنه بأدنى محنة لصاح واستغاث وسأل العافية، كما جرى للقائل:

وليس لي من هواك بدٌّ ... فكيفما شئتَ فامتحنِّي

فامتحنه بعسر البول، فطاحت هذه الدعوى عنه واضمحل خيالها، وجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول: ادعوا لعمكم الكذاب!

فالعزم على الرضا لون، وحقيقته لون آخر.


مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 274 - 280)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله