الزهد في النفس

 

النوع الثاني: الزهد في نفسك، وهو أصعب الأقسام وأشقّها وأكثر الزاهدين إنَّما وصلوا إليه ولم يلِجوه، فإنَّ الزاهد يسهِّل عليه الزهدَ في الحرام سوءُ مغبّته وقبحُ ثمرته، وحمايةً لدينه، وصيانةً لإيمانه، وإيثارًا للّذة والنعيم على العذاب، وأنفةً من مشاركة الفساق والفجرة، وحميّةٌ من أن يستأسرَ لعدوّه. ويسهِّل عليه الزهدَ في المكروهاتِ وفضولِ المباحات علمُه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم. ويسهّل عليه زهدَه في الدنيا معرفتُه بما وراءها وما يطلبه من العوض التامّ والمطلب الأعلى. وأمَّا الزهد في النفس فهو ذبحها بغير سكَين، وهو نوعان:

أحدهما وسيلة وبداية. وهو أن تميتَها، فلا تُبقيَ لها عندك من القدر شيئًا، فلا تغضب لها، ولا ترضى لها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سبَّلتَ عِرضَها ليوم فقرها وفاقتها، فهي أهوَنُ عليك من أن تنتصر لها، أو تنتقم لها، أو تجيبَها إذا دعتك، أو تكرمَها إذا عصتك، أو تغضبَ لها إذا ذُمَّتْ، بل هي عندك أنجسُ ممَّا قيلَ فيها، أو ترفّهها عمَّا فيه حظّك وفلاحك وإن كان صعبًا عليها.

وهذا وإن كان ذبحًا لها وإماتةً عن طباعها وأخلاقها، فهو عينُ حياتها وصحّتها، ولا حياة لها بدون هذا البتّة. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرِف منها على منازل المقرّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء، ويشرب من عين الحياة، وتخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات، وتتعلَّق بربِّها ومعبودها ومولاها الحق. فيا قرَّةَ عينها به! ويا نعيمها وسرورها بقربه! ويا بهجتها بالخلاص من عدوّها، ومصيرها إلى وليّها ومولاها ومالك أمرها ومتولِّي مصالحها!

وهذا الزهد هو أوَّل نَقْدةٍ من مَهر الحبّ، فيا مفلسُ تأَخَّرْ!

والنوع الثاني: غاية وكمال. وهو أن تبذلها للمحبوب جملةً بحيث لا تستبقي منها شيئًا، بل تزهد فيها زهدَ المحبّ في قدر خسيس من ماله، قد تعلَّقت رغبةُ محبوبه به، فهل يجد من قلبه رغبةً في إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه؟ فهكذا زهد المحبّ الصادق في نفسه، قد خرج عنها، وسلَّمها لربّه، فهو يبذلها له دائمًا يتعرّض منه لقبولها وجميع مراتب الزهد المتقدّمة مبادٍ ووسائل لهذه المرتبة، ولكن لا يصحّ إلا بتلك المراتب. فمن رامَ الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها فمتعنٍّ متمنٍّ، كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلَّم، كما قال بعض السلف: "إنَّما حُرموا الوصول بتضييع الأصول"، فمَن ضيَّع الأصولَ مُنِعَ الوصول.

وإذا عُرِفَ هذا فكيف يُدَّعى أنَّ الزهد من منازل العوامّ وأنَّه نقص في طريق الخاصَّة؟ وهل الكمال إلا في الزهد، وما النقص إلا في نقصانه؟ واللَّه الموفق للصواب.


طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (2/ 551 - 554)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله