لوازم قول النفاة والمعطلة معلومة البطلان بالضرورة ‌‌في دين الإسلام

 

الوجه‌‌ الحادي عشر بعد المائة: أن لوازم هذا القول معلومة البطلان بالضرورة من دين الإسلام، وهي من أعظم الكفر والإلحاد، وبطلان اللازم يستلزم بطلان ملزومه، فإن من لوازمه ألَّا يُستفاد من خبر الرسول عن الله في هذا الباب علمٌ ولا هُدًى ولا بيان للحق في نفسه.

ومن لوازمه أن يكون كلامه متضمنًا لضدِّ ذلك، ظاهرُه وحقيقته.

ومن لوازمه القدح في علمه ومعرفته، أو في فصاحته وبيانه، أو في نصحه وإرادته، كما تقدم تقريره مرارًا.

ومن لوازمه أن يكون المعطلة النُّفاة أعلم بالله منه أو أفصح أو أنصح.

ومن لوازمه أن يكون أشرف الكتب وأشرف الرُّسل قد قصَّر في هذا الباب غاية التقصير، بل أَفرَطَ في التجسيم والتشبيه غاية الإفراط، وتنوَّع فيه غاية التنوع:

فمرةً يقول: أين الله؟ ومرةً يُقرُّ عليها لمن سأله ولا ينكرها.

ومرةً يشير بإصبعه، ومرةً يضع يده على عينه وأذنه حين يُخبر عن سمع الربِّ وبصره.

ومرةً يصفه بالنزول والمجيء والإتيان والانطلاق والمشي والهرولة.

ومرةً يُثبت له الوجه والعين واليد والإصبع والقدم والرِّجل، والضَّحك والفرح والرِّضا والغضب، والكلام والتكليم، والنِّداء بالصوت والمناجاة، ورؤية أهل الجنة له مواجهة عيانًا بالأبصار من فوقهم، ومحاضرته لهم محاضرةً، ورفع الحُجُب بينه وبينهم، وتجليه لهم، واستدعاءهم لزيارته، وسلامه عليهم سلامًا حقيقيًّا قولًا من ربٍّ رحيمٍ، واستماعه وأَذَنه لِحَسَنِ الصوت إذا تلا كلامه، وخلقه ما شاء بيده، وكتابته كلامَه بيده، ويصفه بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة والحياة والحياء، وقبض السماوات وطيها بيده، والأرض بيده الأخرى، ووضعه السماوات على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع.

وإلى أضعاف ذلك ممَّا إذا سمعه المعطلة سبَّحوا الله ونزهوه جحودًا وإنكارًا، لا إيمانًا وتصديقًا.

فما ضحك منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعجبًا وتصديقًا لقائله يعبس منه هؤلاء إنكارًا وتكذيبًا. وما شهد لقائله بالإيمان، شهد هؤلاء له بالكفر والضلال.

وما أوصى بتبليغه إلى الأُمة وإظهاره يُوصي هؤلاء بكتمانه وإخفائه. وما أطلقه على ربِّه لئلا يُطْلَق عليه ضدُّه ونقيضُه، يُطْلِق هؤلاء عليه ضدَّه ونقيضَه؛ لئلا يُطْلَق هو عليه. وما نزَّه ربَّه عنه من العيوب والنقائص، يمسكون عن

تنزيهه عنه، وإن اعتقدوا أنه منزَّه عنه، ويبالغون في تنزيهه عمَّا وصف به نفسه.

فتراهم يبالغون أعظم المبالغة في تنزيهه عن علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وتكلُّمه بالقرآن حقيقة، وإثبات الوجه واليد والعين له = ما لا يبالغون مثله ولا قريبًا منه في تنزيهه عن الظلم والعبث والفعل لا لحكمة، والتكلم بما ظاهره ضلالٌ ومحالٌ.

وتراهم إذا أثبتوا أثبتوا مجملًا لا تعرفه القلوب، ولا تُميِّز بينه وبين العدم. وإذا نفوا نفوا نفيًا مفصَّلًا يتضمن تعطيل ما أثبته الرسول حقيقة.

فهذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من لوازم قول المعطلة.

ومن لوازمه: أن القلوب لا تحبه، ولا تريده، ولا تبتهج به، ولا تشتاق إليه، ولا تلتذ بالنظر إلى وجهه الكريم في دار النعيم، كما صرَّحوا بذلك وقالوا: هذا كله إنما يصح تعلُّقه بالمحدث لا بالقديم. قالوا: وإرادته ومحبته محال، لأن الإرادة إنما تتعلق بالمعدوم لا بالموجود، والمحبة إنما تكون لمناسبة بين المحب والمحبوب، ولا مناسبة بين القديم والمُحْدَث.

ومن لوازمه: أعظم العقوق لأبيهم آدم، فإن من خصائصه أن الله خلقه بيده، فقالوا: إنما خلقه بقدرته، فلم يجعلوا له مزية على إبليس في خلقه.

ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: جحدهم حقيقة خُلَّة إبراهيم، وقالوا: هي حاجته وفاقته وفقره إلى الله. فلم يثبتوا له بذلك مزيةً على أحدٍ من الخلق، إذ كل أحدٍ فقيرٌ إليه في كل نَفَسٍ وطرفة عينٍ.

ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، وإنما خلق كلامًا في الهواء أسمعه إياه فكلمه في الريح، لا أنه أسمعه كلامه الذي هو صفة من صفاته قائم بذاته، لا يُصدِّق الجهمي بهذا أبدًا.

ومن لوازمه، بل صرَّحوا به: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يعرج به إلى الله حقيقةً، ولم يَدْنُ من ربه حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، ولم يرفع من عند موسى إلى عند ربه مرارًا يسأل التخفيف لأمته؛ فإن «من» و «إلى» عندهم في حق الله محال فإنها تستلزم المكان ابتداءً وانتهاءً.

ومن لوازمه: أن الله سبحانه لم يفعل شيئًا، ولا يفعل شيئًا البتةَ، فإن الفعل عندهم عين المفعول، وهو غير قائم بالرب تعالى، فلم يقم به عندهم فعل أصلًا، وسَمَّوْه فاعلًا من غير فعلٍ يقوم به، كما سَمَّوْه مريدًا من غير إرادة تقوم به، وسَمَّوْه متكلمًا من غير كلامٍ يقوم به، وسمَّاه زعيمهم ـ المستأخر عند الله وعند عباده ـ عالمًا من غير علمٍ يقوم به؛ حيث قال: العلم هو المعلوم، كما قالوا: الفعل هو المفعول.

ومن لوازمه أنه لا يسمع ولا يبصر، ولا يرضى ولا يغضب، ولا يحب ولا يبغض؛ فإن ذلك من مقولة «أن ينفعل»، وهذه المقولة لا تتعلق به، وهي في حقِّه محال؛ كما نفوا علوه على خلقه واستواءه على عرشه بكون ذلك من «مقولة الأين» وهي عليه محال، ونفوا كلامه وحياته وقدرته ومشيئته وإرادته وسائر صفاته لأنها من «مقولة العرض» وهي ممتنعة عليه؛ كما نفوا استواءه على عرشه لأنه من «مقولة الوضع» المستحيل ثبوتها له.

ولوازم قولهم أضعاف أضعاف ما ذكرناه، وإنما أشرنا إلى بعضها إشارةً يتفطن بها اللبيب لما وراءها، وبالله التوفيق.


الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم (2/ 764 - 767)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله