أصول اتفقت عليها جميع النبوات

 

جميع النبوات مِنْ أولها إلى آخرها متَّفِقةٌ على أصول:

أحدها: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- قديمٌ واحدٌ لا شريك له في ملكه، ولا نِدَّ ولا ضدَّ، ولا وزير ولا مُشِير، ولا ظهير، ولا شافع إلا من بعد إذنه.

الثاني: أئَه لا والِدَ له ولا وَلَد، ولا كُفُؤَ ولا نسيب -بوجهٍ من الوجوه- ولا زوجةَ.

الثالث: أنه غنيٌّ بذاته؛ فلا يأكل ولا يشرب، ولا يحتاج إلى شيء مما يحتاج إليه خَلْقُه بوجهٍ من الوجوه.

الرابع: أنه لا يتغيَّر ولا تعرض له الآفات؛ من الهَرَم والمرض والسِّنَةِ والنَّوم والنِّسيان والنَّدمِ والخوفِ والهمِّ والحَزَنِ، ونحو ذلك.

الخامس: أنه لا يُمَاثِل شيئًا من مخلوقاته، بل ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

السادس: أنه لا يَحُلُّ في شيء من مخلوقاته ولا يَحُلُّ في ذاته شيء منها، بل هو بَائِنٌ عن خلقه بذاته، والخلق بَائِنُونَ عنه.

السابع: أنه أعظم من كلِّ شيءٍ، وأكبرُ من كلِّ شيءٍ، وفوقَ كلِّ شيء، وعَالٍ على كلِّ شيء، وليس فوقه شيء البتَّةَ.

الثامن: أنه قادر على كلِّ شيء؛ فلا يعجزه شيء يريده، بل هو الفعَّال لما يريد.

التاسع: أنه عالمٌ بكل شيء؛ يعلم السِّرَّ وأخفى، ويعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون: {وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ} [الأنعام: 59] ولا مُتَحرِّكَ إلا وهو يعلمه على حقيقته.

العاشر: أنه سميعٌ بصير، يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنُّنِ الحاجات، ويرى دبيب النَّمْلة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، فقد أحاط سَمْعُه بجميع المسموعات، وبَصَرُهُ بجميع المُبْصَرَات، وعلمُه بجميع المعلومات، وقدرتُه بجميع المقدورات، ونفذت مشيئتُه في جميع البَرِيَّات، وعمت رحمتُه جميعَ المخلوقاتِ، ووسع كرسيُّه الأرضَ والسمواتِ.

الحادي عشر: أنه الشَّاهد الذي لا يغيب، ولا يستخلف أحدًا على تدبير ملكه، ولا يحتاج إلى من يرفع إليه حوائج عباده أو يعاونه عليها أو يستعطفه عليهم ويسترحمه لهم.

الثاني عشر: أنه الأبديُّ الباقي الذي لا يضمحلُّ ولا يتلاشى ولا يعدم ولا يموت.

الثالث عشر: أنه المتكلِّم المكلِّم الآمر الناهي، قائلُ الحقِّ، وهادي السبيل، ومرسل الرسل، ومنزلُ الكتب، والقائمُ على كلِّ نفس بما كسبت من الخير والشر، ومجازي المحسنِ بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه.

الرابع عشر: أنه الصادق في وعده وخبره، فلا أصْدَقَ منه قيلًا ، ولا أصدق منه حديثًا، وهو لا يُخْلِف الميعادَ.

الخامس عشر: أنَّه -تعالى- صَمَدٌ بجميع معاني الصَّمَدِيَّة، فيَسْتَحِيْلُ عليه ما يناقض صَمَدِيَّتَهُ.

السادس عشر: أنَّه قُدُّوس سلام، فهو المُبَرَّأُ من كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونَقْص.

السابع عشر: أنَّه الكامل الذي له الكمالُ المُطْلَق من جميع الوجوه.

الثامن عشر: أنه العَدْلُ الذي لا يجور ولا يَظْلِم، ولا يخاف عبادُه منه ظلمًا.

فهذا ممَّا اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المُحْكَمِ الذي لا يجوز أن تأتيَ شريعةٌ بخلافه، ولا يخبرَ نبيٌّ بخلافه أصلًا، فَتَرَك المُثلِّثة عُبَّادُ الصليب هذا كلَّه، وتمسَّكوا بالمتشابهِ من المعانى، والمُجْمَلِ من الألفاظ، وأقوالِ من ضلُّوا من قَبْلُ، وأضَلُّوا كثيرًا وضلُّوا عن سواء السبيل.

وأصولُ المثلِّثة ومقالتُهم في ربِّ العالمين تخالِفُ هذا كلَّه أشدَّ المخالفة وتبايِنُه أعْظَمَ المبايَنَةِ.


هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى - ط عطاءات العلم 1/ 368 - 371

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله