صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم

 

وأما المسألة الحادية عشرة، وهي: مقدار صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهي من أجلِّ المسائل وأهمِّها، وحاجة النَّاس إلى معرفتها أعظم من حاجتهم إلى الطَّعام والشَّراب. وقد ضيَّعَها النَّاس من عهد أنس بن مالك رضي الله عنه.

ففي «صحيح البخاري»، من حديث الزهري قال: دخلتُ على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلتُ له: ما يبكيك؟ فقال: «لا أعرف شيئًا ممَّا أدركت إلَّا هذه الصَّلاة، وهذه الصَّلاة قد ضُيِّعت».

وقال موسى بن إسماعيل: حدثنا مهديٌّ عن غيلان عن أنسٍ قال: ما أعرف شيئًا ممَّا كان على عهد النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -! قيل: فالصَّلاة؟ قال: «أليس قد صنعتم ما صنعتم فيها!». أخرجه البخاريُّ عن موسى.

وأنسٌ رضي الله عنه تأخَّر حتى شاهَدَ من إضاعة أركان الصَّلاة، وأوقاتها، وتسبيحها في الركوع والسجود، وإتمام تكبيرات الانتقال فيها= ما أنكره، وأخبر أنَّ هَدْي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان بخلافه، كما ستقف عليه مفصَّلًا إنْ شاء الله.

ففي «الصَّحِيْحَين»، من حديث أنس رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُوْجِزُ الصَّلاة ويكملها».

وفي «الصَّحِيْحَين»، عنه أيضًا قال: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخف صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -». زاد البخاريُّ: «وإنْ كان ليسمع بكاء الصَّبيِّ فيخفِّف مخافة أنْ تُفْتَن أُمُّه». فوَصَف صلاته - صلى الله عليه وسلم - بالإيجاز والتَّمام.

والإيجاز هو الذي كان يفعله، لا الإيجاز الذي يظنُّه من لم يقف على مِقْدار صلاته؛ فإنَّ الإيجاز أمرٌ نسبيٌّ إضافيٌّ، راجِعٌ إلى السُّنَّة، لا إلى شهوة الإمام ومَنْ خلفه.

فلمَّا كان يقرأ في الفجر بالسِّتين إلى المائة كان هذا إيجازًا بالنِّسبة إلى ستمائة آيةٍ إلى ألفٍ. ولمَّا قرأ في المغرب بالأعراف كان هذا الإيجاز بالنِّسبة إلى البقرة.

ويدلُّ على هذا أنَّ أنسًا نفسه قال في الحديث الذي رواه أبوداود، والنَّسائي، من حديث عبدالله بن إبراهيم بن كيسان حدثني أبي عن وهب بن مانوس سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت أنس بن مالك يقول: «ما صلَّيْتُ وراء أحدٍ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشبه صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ هذا الفتى». يعني: عمر بن عبدالعزيز. فحَزَرْنَا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحاتٍ.

وأنسٌ أيضًا هو القائل في الحديث المتَّفق عليه: «إنِّي لا آلو أن أصلِّي بكم كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بنا». قال ثابت: «كان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي، وإذا رفع رأسه من السَّجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسي».

وأنسٌ هو القائل هذا، وهو القائل: «ما صَلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً ولا أتمَّ من صلاة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -». وحديثُه لا يُكَذِّب بعضُه بعضًا.

وممَّا يبيِّن ما ذكرناه ما رواه أبوداود في «سُنَنه»، من حديث حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وحميد عن أنس بن مالك قال: «ما صلَّيْتُ خلف رجلٍ أوجز صلاةً من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تمام، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قال: «سمِعَ الله لمن حمده» قام حتى نقول: قد أوْهَم، ثم يكبِّر، ثم يسجد، وكان يقعد بين السَّجدتين حتى نقول: قد أوْهَم». هذا سياق حديثه.

فجمع أنس رضي الله عنه في هذا الحديث الصَّحيح بين الإخبار بإيجاز النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الصلاة وإتمامها، وبيَّن فيه أنَّ من إتمامها الذي أخبر به إطالة الاعتدالين، حتى يظنَّ الظَّانُّ أنَّه قد أوْهَم أونسي من شدَّة الطُّول، فجمع بين الأمرين في الحديث. وهو القائل: إنَّه ما رأى أوْجَزَ من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أتمَّ. فيشبه أنْ يكون الإيجاز عاد إلى القيام، والإتمامُ إلى الركوع والسجود والاعتدالين بينهما؛ لأنَّ القيام لا يكاد يُفْعَل إلَّا تامًّا، فلا يحتاج إلى الوصف بالإتمام، بخلاف الركوع والسُّجود والاعتدالين.

وسرُّ ذلك: أنَّه بإيجاز القيام وإطالة الركوع والسجود والاعتدالين تصير الصَّلاة تامَّة؛ لاعتدالها وتقاربها، فيَصْدُق قوله: «ما رأيتُ أوجز ولا أتمَّ من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وهذا هو الذي كان يعتمده صلوات الله وسلامه عليه في صلاته؛ فإنَّه كان يعدلها، حيث يعتدل قيامها، وركوعها، وسجودها، واعتدالها.

ففي «الصَّحيحين» عن البراء بن عازب قال: «رَمَقْتُ الصلاة مع محمد - صلى الله عليه وسلم -، فوجدتُ قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسَجْدَته، فجلسته بين السَّجدتين، فسَجْدَته، فجلسته ما بين التَّسليم والانصراف= قريبًا من السواء». وفي لفظٍ لهما: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قيامه، وركوعه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السَّجدتين= قريبًا من السَّواء».

ولا يناقض هذا ما رواه البخاريُّ في هذا الحديث: «كان ركوع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وسجوده، وبين السَّجدتين، وإذا رفع رأسه، ما خلا القيام والقعود قريبًا من السَّواء»؛ فإنَّ البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنَّه في السِّياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهُّد.

وليس مراده أنَّهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلَّا ناقض السِّياقَ الثَّاني؛ وإنَّما المراد أنَّ طولهما كان مناسبًا لطول الرُّكوع والسُّجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التَّفاوت الشَّديد في طول هذا وقِصَر هذا؛ كما يفعله كثيرٌ ممَّن لا علم عنده بالسُّنَّة، يُطيل القيام جدًّا، ويخفِّف الركوع والسُّجود، وكثيرًا ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنسٌ بقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»؛ فإنَّ كثيرًا من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جدًّا، فيثقل على المأمومين، ويخفِّف الركوع والسُّجود والاعتدالين، فلا يكمل الصَّلاة.

فالأمران اللَّذان وصف بهما أنسٌ صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هما اللَّذان كان الأمراء يخالفونهما، وصار ذلك ـ أعني: تقصير الاعتدالين ـ شعارًا، حتى استحبَّه بعض الفقهاء، وكرِهَ إطالتهما؛ ولهذا قال ثابتٌ: «وكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا، حتى يقول القائل: قد نسي». فهذا الذي فعله أنسٌ هو الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وإنْ كرِهَهُ مَنْ كَرِهَه، فسُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى وأحقُّ بالاتباع.

وقول البراء في السِّياق الآخر: «ما خلا القيام والقعود» بيان أنَّ ركن القراءة والتشهُّد أطول من غيرهما.

وقد ظنَّ طائفةٌ أنَّ مراده بذلك قيام الاعتدال من الركوع، وقعود الفصل بين السَّجدتين، وجعلوا الاستثناء عائدًا إلى تقصيرهما، وبنوا على ذلك أنَّ السُّنَّة تقصيرهما، وأبطل من غلا منهم الصلاةَ بتطويلهما. وهذا غلطٌ؛ فإنَّ لفظ الحديث وسياقه يُبْطِل ذلك، وفِعْلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهَدْيُه الثابت عنه يبطل ظنَّ هؤلاء؛ فإنَّ لفظ البراء: «كان ركوعه، وسجوده، وبين السَّجدتين، وإذا رفع رأسه ما خلا القيام والقعود قريبًا من السواء». فكيف يقول: وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا رفع رأسه من الركوع؟! هذا باطلٌ قطعًا.

وأمَّا فِعْل النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقد تقدَّم حديث أنسٍ: «أنَّه صلَّى بهم صلاة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فكان يقوم بعد الركوع حتى يقول القائل: قد نسي، ويمكث بين السَّجدتين حتى يقول القائل: قد نسي، وكان يقول بعد رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، اللَّهُم ربَّنا لك الحمد، ملءَ السموات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكُلُّنا لك عبدٌ، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولامُعْطِي لما مَنَعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجدُّ». رواه مسلم، من حديث أبي سعيد.

ورواه من حديث ابن أبي أوفى، وزاد فيه بعد قوله: «من شيءٍ بعد»: «اللَّهُمَّ طهِّرْني بالثَّلج والبَرَد والماء البارد، اللَّهُمَّ طهِّرْني من الذُّنوب والخطايا كما يُنقَّى الثَّوبُ الأبيضُ من الدَّنَس».

وكذلك كان هَدْيُه في صلاة اللَّيل؛ يركع قريبًا من قيامه، ويرفع رأسه بقدر ركوعه، ويسجد بقدر ذلك، ويمكث بين السَّجدتين بقدر ذلك. وكذلك فعل في صلاة الكسوف، أطال ركن الاعتدال قريبًا من القراءة. فهذا هديه الذي كأنَّك تشاهده وهو يفعله.

وهكذا فعل خلفاؤه الرَّاشدون من بعده. قال زيد بن أسلم: «كان عمرُ يخفِّفُ القيام والقعود، ويتمُّ الركوع والسجود».

فأحاديث أنسٍ رضي الله عنه كلُّها تدلُّ على أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يطيل الركوع والسُّجود والاعتدالين، زيادةً على ما يفعله أكثر الأئمَّة ـ بل كلُّهم ـ إلَّا النَّادر. فأنسٌ أنكر تطويل القيام على ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وأنكر تقصير الركوع والسُّجود والاعتدالين عمَّا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله، وقال: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متقاربةً»، أي: يقرب بعضها من بعض.

وهذا موافقٌ لرواية البراء بن عازب: «أنَّها كانت قريبًا من السواء». فأحاديث الصَّحابة في هذا الباب يصدِّق بعضها بعضًا.

 

فصْلٌ

وأمَّا قدْر قيامِه للقراءة فقال أبو بَرْزَة الأسْلميُّ: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي الصُّبح، فينصرف الرجل فيعرف جليسه، وكان يقرأ في الركعتين أوإحداهما ما بين السِّتِّين إلى المائة». متَّفقٌ على صِحَّته.

وفي «صحيح مسلمٍ»، عن عبدالله بن السَّائب قال: «صلَّى لنا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الصُّبح بمكَّة، فاستفتح سورة المؤمنين، حتى جاء ذِكر موسى وهارون ـ أوذِكر عيسى ـ أخَذَت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَعْلةٌ فرَكَع».

وفي «صحيح مسلمٍ»، عن قطبة بن مالك: أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر: {وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ} [ق/10]، وربَّما قال: {ق}.

وفي «صحيح مسلمٍ» أيضًا عن جابر بن سمرة: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق/1]، وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا». فقوله: «وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا» أي: بعد صلاة الصُّبح أخفَّ من قراءتها، ولم يُرِدْ أنَّه كان بعد ذلك يخفِّف قراءة الفجر

عن {ق}.

ويدلُّ عليه ما رواه مسلمٌ في «صحيحه»، من حديث شعبة عن سماك عن جابر بن سمرة قال: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظُّهر بـ {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطول من ذلك».

وفي «صحيح مسلمٍ»، عن زهير عن سماك بن حرب قال: سألت جابر بن سمرة عن صلاة النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كان يخفِّف الصَّلاة، ولا يصلِّي صلاة هؤلاء». قال: وأنبأني أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق/1] ونحوها.

فأخبر أنَّ هذا كان تخفيفه. وهذا ممَّا يبيِّن أنَّ قوله: «وكانت صلاته بعدُ تخفيفًا» أي: بعد الفجر؛ فإنَّه جمع بين وصف صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتَّخفيف، وبين قراءته فيها بـ {ق}، ونحوها.

وقد ثبت في «الصَّحِيح»، عن أمِّ سلمة: أنَّها سمعت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر بالطُّور، في حجَّة الوداع، وهي تطوف من [وراء] النَّاس، تسمع قراءته. وما عاش بعد حجَّة الوداع إلَّا قليلًا. والطُّور قريبٌ من {ق}.

وفي «الصَّحِيح»، عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أمَّ الفضل سمِعَتْهُ وهو يقرأ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات/1]، فقالت: «يا بُنيَّ لقد ذكَّرْتَنِي بقراءَتِك هذه السُّورة، فإنَّها لآخر ما سمعتُ من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب».

فقد أخْبَرَت أمُّ الفضل أنَّ ذلك آخر ما سمِعَتْهُ يقرأ بها في المغرب، وأمُّ الفضل لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباسٍ: «كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين الذين عذر الله». فهذا السَّماع كان متأخِّرًا بعد فتح مكة قطعًا يقرأ في الفجر بالطُّور، في حجَّة الوداع، وهي تطوف من [وراء] النَّاس، تسمع قراءته. وما عاش بعد حجَّة الوداع إلَّا قليلًا. والطُّور قريبٌ من {ق}.

وفي «الصَّحِيح»، عن ابن عباس أنَّه قال: إنَّ أمَّ الفضل سمِعَتْهُ وهو يقرأ {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا} [المرسلات/1]، فقالت: «يا بُنيَّ لقد ذكَّرْتَنِي بقراءَتِك هذه السُّورة، فإنَّها لآخر ما سمعتُ من النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب».

فقد أخْبَرَت أمُّ الفضل أنَّ ذلك آخر ما سمِعَتْهُ يقرأ بها في المغرب، وأمُّ الفضل لم تكن من المهاجرات، بل هي من المستضعفين، كما قال ابن عباسٍ: «كنتُ أنا وأمِّي من المستضعفين الذين عذر الله». فهذا السَّماع كان متأخِّرًا بعد فتح مكة قطعًا.

وفي «صحيح البخاري» عن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابتٍ: «مالَكَ تقرأ في المغرب بقِصَار المفصَّل، وقد سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فيها بطُولَى الطُّولَيَين». وسُئِل ابنُ أبي مليكة ـ أحد رواته ـ ما طُولَى الطُّولَيَين؟ فقال مِنْ قِبَل نفسه: «المائدة والأعراف».

ويدلُّ على صِحَّة تفسيره حديث عائشة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين». رواه النَّسائي.

وروى النَّسائي أيضًا من حديث ابن مسعودٍ: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ في المغرب بالدُّخان».

وفي «الصَّحِيحَين» عن جُبَير بن مطعمٍ قال: «سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بالطُّور في المغرب».

فأمَّا العِشاء: فقال البراء بن عازب: «سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العشاء {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين/1]، وما سمعتُ أحدًا أحسن صوتًا منه». متَّفقٌ عليه.

وفي «الصَّحِيحَين» أيضًا عن أبي رافعٍ قال: «صلَّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق/1]، فسَجَد، فقلتُ له، فقال: سجدْتُ بها خلف أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم -، فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه».

وفي «المسند»، والتِّرمذي، من حديث بريدة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العشاء الآخرة بـ {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، ونحوها من السُّور». قال الترمذي: «حديثٌ حسنٌ».

وقال لمعاذٍ في صلاة العشاء الآخرة: «اقرأ بـ {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، و {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، و {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق/1]، و {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1]». متَّفقٌ عليه.

وأمَّا الظُّهر والعصر ففي «صحيح مسلمٍ»، من حديث أبي سعيدٍ الخدري قال: «كانت صلاة الظهر تُقام فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثمَّ يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرَّكعة الأولى».

وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الرَّكعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا، وكان يطوِّل الرَّكعة الأولى من الظُّهر، ويقصِّر الثَّانية، ويقرأ في الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب». متَّفقٌ عليه، ولفظه لمسلمٍ.

وفي روايةٍ للبخاري: «وكان يطوِّل الأولى من صلاة الصُّبح، ويقصِّر في الثَّانية». وفي روايةٍ لأبي داود قال: «فظنَّنا أنَّه يريد أنْ يُدْرِك النَّاسُ الرَّكعة الأولى».

وفي «مسند الإمام أحمد»،

عن عبدالله بن أبي أوفى: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم في الرَّكعة الأولى من صلاة الظُّهر حتى لا يُسْمَع وقع قدمٍ».

وقال سعد بن أبي وقاصٍ لعمر: «أمَّا أنا فأمدُّ في الأُولَيَيْن، وأحذفُ في الأُخْرَيَيْن، وما آلو ما اقتديتُ به من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، فقال له عمر: «ذاك ظنِّي فيك». رواه البخاري ومسلم.

وقال أبو سعيد الخدري: «كُنَّا نَحْزِرُ قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الظُّهر والعصر، فحزرنا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَيْن من الظُّهر قدر {الم تَنْزِيلُ} السجدة، وحَزَرْنا قيامه في الأُخرَيَيْن قدر النِّصف من ذلك. وحَزَرْنا قيامه في الرَّكعتين الأُولَيَين من العصر على قدر قراءته في الأُخْرَيَيْن من الظُّهر، وفي الأُخرَيَيْن من العصر على النِّصف من ذلك».

وفي روايةٍ بدل قوله: «{تَنْزِيلُ} السَّجدة»: «قدر ثلاثين آية، وفي الأُخْرَيَيْن قدر خمس عشرة آية. وفي العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعةٍ قدر خمس عشرة، وفي الأُخْرَيَيْن قدر نِصْف ذلك». هذه الألفاظ كلُّها في «صحيح مسلمٍ».

وقد احتجَّ به من استحبَّ قراءة السُّورة بعد الفاتحة في الأُخْرَيَيْن، وهو ظاهر الدلالة لو لم يجئ حديث أبي قتادة المتَّفق على صِحَّته، أنَّه كان يقرأ في الأُوْلَيَيْن بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب. فذِكْرُه السُّورتين في الرَّكعتين الأُولَيين، واقتصاره على الفاتحة في الأُخرَيَيْن يدلُّ على اختصاص كُلِّ ركعتين بما ذكر من قراءتهما.

وحديث سعدٍ يحتمل لما قال أبوقتادة، ولما قال أبوسعيد. وحديث أبي سعيدٍ ليس صريحًا في قراءة السُّورة في الأُخْرَيَيْن، فإنَّما هو حَزْرٌ و تخمينٌ.

وقال جابر بن سمرة: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظُّهر بـ {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطول من ذلك». رواه مسلمٌ.

وعنه: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظُّهر بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، وفي الصُّبح بأطول من ذلك». رواه مسلمٌ أيضًا.

وعنه: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج/1]، {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق/1]، ونحوهما من السُّور». أخرجه أحمد، وأهل «السُّنَن». وفي «سنن النَّسائي».

عن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلِّي بنا الظُّهر، فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذَّاريات».

وفي «السُّنَن»، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد في صلاة الظُّهر، ثم قام فركع، فرأينا أنَّه قرأ {تَنْزِيلُ} السجدة».

وفيه دليلٌ على أنَّه لا يُكْرَه قراءة السَّجدة في صلاة السِّرِّ، وأنَّ الإمام إذا قرأها سجد، ولا يخيَّر المأمومون بين اتِّباعه وتركِه، بل يجب عليهم متابعته.

وقال أنسٌ: «صلَّيتُ مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الظُّهر، فقرأ لنا بهاتين السُّورتين في الرَّكعتين: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}». رواه النَّسائي.

والصَّحابة رضي الله عنهم أنكروا على من كان يبالغ في تطويل القيام، وعلى من كان يخفِّف الأركان، ولا سيَّما رُكْنَي الاعتدال، وعلى من كان لا يتمُّ التَّكبير، وعلى من كان يؤخِّر الصَّلاة إلى آخر وقتها، وعلى من كان يتخلَّف عن جماعتها.

وأخبروا عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، التي ما زال يصلِّيها حتى مات، ولم يذكر أحدٌ منهم أصلًا أنَّه نَقَصَ من صلاته في آخر حياته - صلى الله عليه وسلم -، ولا أنَّ تلك الصَّلاة التي كان يصلِّيها منسوخةٌ.

بل استمرَّ خلفاؤُه الرَّاشدون على منهاجه في الصَّلاة، كما استمرُّوا على منهاجه في غيرها. فصلَّى الصِّدِّيق صلاة الصَّبح، فقرأ فيها بالبقرة كلِّها، فلمَّا انصرف منها قالوا: يا خليفة رسول الله، كادت الشَّمس تطلع! قال: «لو طَلَعَت لم تجدنا غافلين».

وكان عمر يصلِّي الصُّبح بالنَّحل، ويونس، وهود، ويوسف، ونحوها من السُّور.

قال المخفِّفُون: إنَّكم وإنْ تمسَّكْتُم بالسُّنَّة في التَّطويل فنحن أسعدُ بها منكم في الإيجاز والتَّخفيف؛ لكثرة الأحاديث بذلك وصحَّتِها، وأَمْرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالإيجاز والتَّخفيف، وشدَّة غضبِه على المطوِّلين، وموعظته لهم، وتسميتهم منفِّرين.

فعن أبي موسى: أنَّ رجلًا قال: والله يا رسول الله إنِّي لأتأخَّر عن صلاة الغداة من أجل فلانٍ؛ ممَّا يطيل بنا! فما رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موعظةٍ أشد غضبًا منه يومئذٍ، ثم قال: «أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين، فأيُّكم ما صلَّى بالنَّاس فليتجوَّز، فإنَّ فيهم الضَّعيف والكبير وذا الحاجة». رواه البخاري، ومسلم.

وفي رواية البُخاريِّ: «فإنَّ فيهم المريض والضَّعيف وذا الحاجة».

وعن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أمَّ أحدُكُم فليُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الصَّغير والكبير والضَّعيف والمريض، وإذا صلَّى وحده فلْيُصلِّ كيف شاء». رواه البخاري ومسلم، واللَّفظ لمسلمٍ.

وعن عثمان بن أبي العاص الثَّقفي: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: «أُمَّ قومَك». قال: قلتُ: يا رسول الله، إنِّي أجد في نفسي شيئًا. قال: «اُدْنُه»، فأجلسني بين يديه، ثم وضع كَفَّه في صدري بين ثديَيَّ، ثمَّ قال: «تحوَّل»، فوضعها في ظهري، بين كتِفَيَّ، ثم قال: «أُمَّ قومك، فمَنْ أَمَّ قومًا فلْيُخَفِّف؛ فإنَّ فيهم الكبير، وإنَّ فيهم المريض، وإنَّ فيهم الضَّعيف، وإنَّ فيهم ذا الحاجة، وإذا صلَّى أحدُكُم وحْدَه فلْيُصَلِّ كيف شاء». رواه مسلم. وفي روايةٍ: «إذا أَمَمْتَ قومًا فأخِفَّ بهم الصَّلاة».

وقال أنس بن مالكٍ: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُوجِزُ الصَّلاة ويكملها». وفي لفظٍ: «يُوجِز ويُتِمُّ». متَّفقٌ عليه.

وقال أنس أيضًا «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أخفَّ صلاةً، ولا أتمَّ من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان ليَسْمَعُ بكاء الصَّبيِّ فيُخَفِّف؛ مخافة أنْ تُفْتَن أُمُّه». متَّفق عليه، وسياقه للبخاري.

وعن عثمان بن أبي العاص أنَّه قال: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي. قال: «أنت إمامهم، فاقتد بأضْعَفِهم، واتَّخذ مؤذِّنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا». رواه الإمام أحمد، وأهل السُّنن.

ورواه أبوداود في «سُنَنه»، من حديث الجُرَيْري عن السَّعدي عن أبيه أوعمِّه قال: «رَمَقْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاته، فكان يتمكَّن في ركوعه وسجوده قدر ما يقول: سبحان الله وبحمده ثلاثًا». ورواه أحمد أيضًا في «مسنده».

وروى أبوداود في «سننه»، من حديث ابن وهبٍ: أخبرني سعيد ابن عبد الرحمن بن أبي العمياء أنَّ سهل بن أبي أمامة حدَّثه: أنَّه دخل هو وأبوه على أنس بن مالكٍ بالمدينة، فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «لا تُشدِّدُوا على أنفسكم فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم، فشدَّد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيارات؛ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد/27]». هذا الذي في رواية اللُّؤْلُؤي عن أبي داود.

وفي رواية ابن داسة عنه: أنَّه دخل وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة، في زمن عمر بن عبدالعزيز ـ وهو أمير المدينة ـ فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً، كأنَّها صلاة مسافر، أوقريبًا منها، فلمَّا سلَّم قال: يرحمك الله، أرأيْتَ هذه الصَّلاة، هي المكتوبة أوشيءٌ تنفَّلْتَ به؟ قال: إنَّها المكتوبة، وإنَّها لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -! كان يقول: «لا تُشَدِّدُوا على أنفسكم، فيُشَدَّد عليكم؛ فإنَّ قومًا شدَّدُوا على أنفسهم فشُدِّد عليهم، فتلك بقاياهم في الصَّوامع والدِّيار؛ {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد/27]». ثم غدا من الغد، فقال: ألا تركب؛ لتنظر وتعتبر؟ قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا بدِيارٍ باد أهلها، وانقضوا وفنوا خاويةً على عروشها. قال: أتعرف هذه الدِّيار؟ قال: ما أعْرَفَني بها وبأهلها، هؤلاء أهل ديارٍ أهلكهم البغي والحسد. إنَّ الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدِّق ذلك أويكذِّبه، والعين تزني، والكفُّ والقَدَم والجَسَد واللِّسان، والفَرْج يصدِّق ذلك أو يكذِّبه».

فأمَّا سهل بن أبي أمامة فقد وثَّقه يحيى بن معين وغيره، وروى له مسلمٌ. وأمَّا ابن أبي العَمْياء فمِن أهل بيت المقدس، وهو وإنْ جُهِلَت حاله فقد رواه أبوداود وسكَتَ عنه؛ وهذا يدلُّ على أنَّه حسنٌ عنده.

قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أنس من تغيير الصَّلاة هو شِدَّة تطويل الأئمَّة لها، وإلَّا تناقضت أحاديث أنس؛ ولهذا جمع بين الإيجاز والإتمام.

وقوله: «ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ أخفَّ صلاة ولا أتمَّ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» ظاهرٌ في إنكاره التَّطويل. وقد جاء هذا مفسَّرًا عن أنس نفسه.

فروى النَّسائي، من حديث العطَّاف بن خالد عن زيد بن أسلم قال: دخلنا على أنس بن مالكٍ، فقال: أصلَّيْتُم؟ فقلنا: نعم. قال: «يا جارية هلمِّي لي وَضُوءًا، ما صلَّيْتُ وراء إمامٍ قطُّ أشبه بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ إمامكم هذا». قال زيدٌ: «وكان عمر بن عبدالعزيز يتمُّ الركوع والسُّجود، ويخفِّف القِيَام والقُعُود». وهو حديثٌ صحيحٌ.

وقد صرَّح بذلك عمران بن الحصين لمَّا صلَّى خلف عليٍّ بالبصرة، قال عمران: «لقد ذكَّرني هذا صلاةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت صلاة النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - معتدلة، كان يخفِّف القيام والقعود، ويطيل الركوع والسُّجود». وهو حديثٌ صحيحٌ.

وفي «الصَّحِيحَين»، عن جابر بن عبدالله: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذٍ ـ لمَّا طوَّل بقومه في عشاء الآخرة ـ: «أفتَّانٌ أنت؟»، أو قال: «أفاتنٌ أنت؟، ثلاث مرات؛ فلولا صلَّيْتَ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1]؛ فإنَّه يُصَلِّي وراءك الكبير والضَّعيف وذو الحاجة».

وعن معاذ بن عبدالله الجهني: أنَّ رجلًا من جُهَينة أخبره: «أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصُّبح {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ} [الزلزلة/1] في الركعتين كلتيهما، فلا أدري نسي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم قَرَأ ذلك عمدًا».رواه أبوداود.

وفي «صحيح مسلمٍ» عن عمرو بن حريث: أنَّه سمع النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1].

وعن عقبة بن عامر قال: «كنتُ أقود برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناقته، فقال لي: أَلَا أعلِّمُك سورتين لم يُقْرَأ بمثلهما؟ قلت: بلى، فعلَّمَنِي {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، فلم يَرَني أُعْجِبْتُ بهما، فلمَّا نزل للصُّبح قرأ بهما، ثم قال: كيف رأيت يا عقبة؟».

وفي لفظٍ: «أَلَا أُعَلِّمُك خير سورتين قُرِئَتَا؟» قلتُ: بلى. قال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}. فلمَّا نَزَل - صلى الله عليه وسلم - صلَّى بهما صلاة الغداة. قال: «كيف ترى يا عقبة؟». رواه الإمام أحمد، وأبو داود.

وفي «مسند الإمام أحمد»، و «سُنن النَّسائي»، من حديث عمار بن ياسر أنَّه صلَّى صلاةً فأوجز فيها، فأنكروا ذلك، فقال: ألم أُتِمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال: «أَمَا إنِّي دعوتُ فيها بدعاءٍ، كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو به: اللَّهُمَّ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحْيِنِي ما علِمْتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرِّضا، والقصد في الفقر والغِنى، ولذَّة النَّظَر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضرَّاء مُضِرَّة، ومن فتنة مُضِلَّة، اللَّهُمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».

قالوا: فأين هذه الأحاديث من أحاديث التَّطويل صِحَّةً وكثرةً وصراحةً. وحينئذٍ فيتعيَّن حملها على أنَّها كانت في أوَّل الإسْلام؛ لمَّا كان في المصلين قِلَّة، فلمَّا كثروا، وانتشرت رفعة الإسلام شُرِعَ التَّخفيف، وأُمِرَ به؛ لأنَّه أدْعَى إلى القبول ومحبَّة العبادة، فيدخل فيها برغبةٍ، ويخرج منها باشتياقٍ، ويبادر بها الوَسْواس؛ فإنَّها متى طالت استولى الوَسْواس فيها على المصلِّي، فلا يفي ثواب إطالته بنقصان أجره.

قالوا: وكيف يُقاس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرُه من الأئمَّة؟ من محبَّة الصَّحابة له، والقيام خلفَه؛ وسماع صوته بالقرآن غَضًّا كما أُنْزِل، وشِدَّة رغبة القوم في الدِّين، وإقبال قلوبهم على الله، وتفريغها له في العبادة، ولهذا قال: «إنَّ منكم منفِّرين»، ولم يكونوا يَنْفِرُون من طول صلاته - صلى الله عليه وسلم -، فالذي كان يحصل للصَّحابة خلفه في الصَّلاة كان يحملهم على أنْ يَرَوا صلاته وإنْ طالت= خفيفةً على قلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ الإمام يحمل المأمومين بقلبه، وخشوعه، وصوته، وحاله. فإذا عَرِيَ من ذلك كلِّه كان كَلًّا على المأمومين، وثِقَلًا عليهم؛ فليخفِّف من ثقله عليهم ما أمكنه؛ لئلَّا يُبَغِّضهم الصِّلاةَ.

وقد ذَمَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخوارج بشدَّة تنطُّعهم في الدِّين، وتشدُّدهم في العبادة، بقوله: «يحقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم». ومَدَح الرِّفق وأهله، وأخبر عن محبَّة الله له، وأنَّه يعطي عليه ما لا يعطي على العُنْف، وقال: «لن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبَه»، وقال: «إنَّ هذا الدِّين متينٌ، فأوغلوا فيه برفقٍ».

فالدِّين كلُّه في الاقتصاد في السَّبيل والسُّنَّة، والله تعالى يحبُّ ما داوم عليه العبد من الأعمال، والصَّلاةُ القصْدُ هي التي يمكن المداومة عليها، دون المتجاوزة في الطُّول.

 

فصْلٌ

قال المكمِّلُون للصَّلاة: أهلًا وسهلًا بكُلِّ ما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعلى الرأس والعينين، وهل نُدَنْدِنُ إلَّا حول الاقتداء به، ومتابعة هدْيِهِ وسُنَّته، ولا نضرب سُنَّته بعضها ببعضٍ، ولا نأخذ منها ما سهل، ونترك منها ما شقَّ علينا؛ لكسلٍ وضعف عزيمةٍ واشتغالٍ بدنيا قد ملأت القلوب، ومَلَكَت الجوارح، وقرَّت بها العيون، بدل قُرَّتِها بالصَّلاة.

فصارت أحاديث الرُّخصة في حقِّها شُبْهةً صادَفَت شهوةً، وفتورًا في العزم، وقِلَّة رغبةٍ في بذل الجهد في النَّصيحة في الخدمة، واستسهلت حقَّ الله تعالى.

وجعلت كرمه وغناه من أعظم شبهاتها في التَّفريط فيه، وإضاعته، وفعله بالهوينا تحلَّة القَسَم، ولهجت بقولها: ما استقصى كريمٌ حقَّه قطُّ، وبقولها: حقُّ الله مبنيٌّ على المسامحة والمساهلة والعفو، وحقُّ العباد مبنيٌّ على الشُّحِّ والضِّيق والاستقصاء.

فقامت في خدمة المخلوقين؛ كأنَّها على الفرش الوثيرة، والمراكب الهنيَّة، وقامت في حقِّ خدمة ربِّها وفاطرها كأنَّها على الجمر المُحْرِق، تعطيه الفضلة من قواها وزمانها، وتستوفي لأنفسها كمال الحظِّ.

ولم تحفظ من السُّنَّة إلَّا «أفتَّان أنت يا معاذ؟»، و «أيُّها النَّاس إنَّ منكم منفِّرين»! ووَضَعَت الحديث على غير موضعه، ولم تتأمَّل ما قبله وما بعده.

ومن لم تكن قُرَّةُ عيْنِهِ في الصَّلاة، ونعيمُه وسرورُه ولذَّتُه فيها، وحياةُ قلبه، وانشراحُ صدره= فإنَّه لا يناسبه إلَّا هذا الحديث وأمثاله، بل لا يناسبه إلَّا صلاة السُّرَّاق والنَّقَّارين، فنقر الغراب أولى به من استفراغ وسْعِهِ في خدمة ربِّ الأرباب.

وحديث: «أفتَّانٌ أنت يامعاذ»، الذي لم يفهمه، أولى به من حديث: «كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدُنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضَّأ، ثم يُدْرِك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعة الأولى»!

وحديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - الصُّبح بالمعوِّذَتَيْن، وكان هذا في السَّفر، أولى به من حديث صلاته في الحضر بمائة آية إلى ستِّين!

وحديث صلاته - صلى الله عليه وسلم - المغرب بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، الذي انفرد ابن ماجه بروايته، أولى به من الحديث الذي رواه البخاري في «صحيحه»: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ فيها بطُولَى الطُّولَيَيْن»، وهي الأعراف.

فهو يميل من السُّنَّة إلى ما يناسبه، ويأخذ منها بما يوافقه، ويتلطَّف إنْ أحسن في تأويل ما يخالفه، ودفعه بالتي هي أحسن!

ونحن نبرأُ إلى الله من سلوك هذه الطَّريقة، ونسأله أنْ يعافينا ممَّا ابتلى به أربابها، بل ندين الله بكُلِّ ما صحَّ عن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولا نجعل بعضه لنا وبعضه علينا، فنُقِرُّ مالنا على ظاهره، ونتأوَّل ما علينا على خلاف ظاهره، بل الكُلُّ لنا، لا نفرِّق بين شيءٍ من سُنَنِه، بل نتلقَّاها كُلَّها بالقبول، ونقابلها بالسَّمع والطَّاعة، ونتبعها أين توجَّهت ركائبها، وننزل معها أين نزلت مضاربها. فليس الشأن في الأخذ ببعض سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وترك بعضها؛ بل الشأن في الأخذ بجميعها، وتنزيل كُلِّ شيءٍ منها منزلته، ونضعه بموضعه.

فنقول وبالله التَّوفيق: الإيجاز والتَّخفيف المأمور به، والتَّطويل المنهي عنه لا يمكن أنْ يُرْجَع فيه إلى عادة طائفةٍ، وأهل بلدٍ، وأهل مذهبٍ، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمَّة الذين يصلُّون بالناس، ورأيهم في ذلك؛ فإنَّ ذلك لا ينضبط، وتضطرب فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب، ويفسد وضع الصَّلاة، ويصير مقدارها تبعًا لشهوة النَّاس.

ومثل هذا لا تأتي به شريعةٌ؛ بل المرجع في ذلك والتَّحاكم إلى ما كان يفعله من شَرَع الصَّلاة للأمَّة، وجاءهم بها من عند الله، وعلَّمهم حقوقها، وحدودها، وهيئاتها، وأركانها. وكان يصلِّي وراءَه الصغير، والكبير، والضعيف، وذو الحاجة، ولم يكن بالمدينة إمامٌ غيره، صلوات الله وسلامه عليه.

فالذي كان يفعله صلوات الله وسلامه عليه هو الذي كان يأمر به؛ فإنَّه كان إذا أمر بأمرٍ كان أوَّل الناس وأولاهم أخذًا به، وإذا نهى عن شيءٍ كان أحقَّ الناس وأولاهم بتركه؛ ولهذا قال شعيبٌ صلوات الله وسلامه عليه: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود/88].

وقد سُئِل بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد موته عن صلاته؛ فأجابوا من سألهم بصلاته التي كان يصلِّيها حتى قَبَضَه الله.

كما روى قَزَعة قال: رأيتُ أبا سعيدٍ الخدري وهو مكثورٌ عليه، فلمَّا تفرَّق الناس عنه قلتُ: إنِّي لا أسألك عمَّا يسألك هؤلاء عنه؟ أسألك عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: مالَكَ في ذلك من خيرٍ؟ فأعادها عليه، فقال: «كانت صلاة الظهر تُقَام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثُمَّ يأتي أهلَه، فيتوضَّأ، ثم يرجع إلى المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرَّكعة الأولى؛ ممَّا يطوِّلها». رواه مسلم في «الصَّحيح».

وهذا يدلُّ على أنَّ الذي أنكره أبوسعيد، وأنس، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب= إنَّما هو حذف الصَّلاة، والاختصار فيها، والاقتصار على بعض ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله.

ولهذا لمَّا صلَّى بهم أنسٌ قال: «إنِّي لا آلو أنْ أصلِّي بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». قال ثابتٌ: «فكان أنسٌ يصنع شيئًا لا أراكم تصنعونه، كان إذا انتصب قائمًا يقوم حتى يقول القائل: قد أوْهَمَ، وإذا جلس بين السَّجدتين مَكَث حتى يقول القائل: قد أوْهَمَ».

فهذا ممَّا أنكره أنسٌ على الأئمَّة؛ حيث كانوا يقصرون هذين الرَّكنين، كما أنكر عليهم تقصير الركوع والسُّجود، وأخبر أنَّ أشبههم صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن عبدالعزيز، فحَزَرُوا تسبيحه في الركوع والسُّجُود عشرًا عشرًا. ومن المعلوم أنَّه لم يكن يسبِّحها هذًّا مسرعًا من غير تدبُّرٍ! فحالهم أجلُّ من ذلك.

وقد بُلِيَ أنسٌ بِمَنْ وهَّمَه في ذلك، كما بُلِي بمن وهَّمَه في روايته ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته الجهر بـ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، وقالوا: كان صغيرًا يصلِّي وراء الصُّفوف، فلم يكن يسمع جهرهم بها.

وكما بُلِيَ بِمَن وهَّمَه في إحرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ والعمرة معًا، وقالوا: كان بعيدًا منه، لا يسمع إحرامه، حتى قال لهم: «ما تعدُّونَنا إلَّا صبيانًا! كنت تحت بطن ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمِعْتُه يُهِلُّ بهما جميعًا».

وقَدِم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولأنسٍ عشر سنين، فخَدَمَه واختصَّ به، وكان يُعَدُّ من أهل بيته، وكان غلامًا كيِّسًا فَطِنًا، وتوفِّي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رجلٌ كاملٌ، له عشرون سنةً، ومع هذا كلِّه فيغلط على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قراءته، وقدر صلاته، وكيفية إحرامه! ويستمرُّ غلَطُه على خلفائه الراشدين من بعده، ويستمرُّ على صلاته في مؤخر المسجد، حيث لا يسمع قراءة أحدٍ منهم؟

وقد اتَّفق الصَّحابة رضي الله عنهم على أنَّ صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت معتدلةً، فكان ركوعه، ورفعه منه، وسجوده، ورفعه منه= مناسبًا لقيامه، فإذا كان يقرأ في الفجر بمائة آية إلى ستِّين آيةً فلا بُدَّ أنْ يكون ركوعُه وسجودُه مناسبًا لذلك؛ ولهذا قال البراء بن عازبٍ: «إنَّ ذلك كلَّه كان قريبًا من السَّواء».

وقال عمران بن حصين: «كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتدلة».

وكذلك كان قيامه باللَّيل وصلاة الكسوف.

وقال عبدالله بن عمر: «إنْ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليأمُرُنا بالتَّخفيف، وإنْ كان ليَؤُمُّنا بالصَّافات». رواه الإمام أحمد، والنَّسائي.

فهذا أمرُهُ، وهذا فعلُه المفسِّر له، لا ما يظنُّ الغالط المخطئُ، أنَّه كان يأمرهم بالتَّخفيف، ويفعل هو خلاف ما أَمَر به. وقد أمر ـ صلاة الله وسلامه عليه ـ الأئمَّة أنْ يصلُّوا بالنَّاس كما كان يصلِّي بهم.

ففي «الصَّحِيحَين» عن مالك بن الحويرث قال: أتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شَبَبَةٌ متقاربون، فأَقَمْنَا عنده عشرين ليلةً، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا رفيقًا، فظنَّ أنَّا قد اشتقنا أهلنا، فسَأَلَنا عمَّن تركنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: «ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلِّمُوهم، ومُرُوهم، فلْيُصلُّوا صلاةَ كذا في حين كذا، وصلاةَ كذا في حين كذا، وإذا حَضَرَت الصَّلاة فليؤذِّن لكم أحدكم، وليؤمَّكم أكبرُكم، وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». والسِّياق للبُخاري.

فهذا خطابٌ للأئمَّة قطعًا، وإنْ لم يختصَّ بهم. فإذا أَمَرَهم أنْ يُصَلُّوا بصلاته، وأَمَرَهم بالتَّخفيف عُلِمَ بالضَّرورة أنَّ الذي كان يفعله هو الذي أَمَرَ به.

يوضِّحُ ذلك أنَّه ما من فعلٍ في الغالب إلَّا وقد يُسمَّى خفيفًا بالنِّسبة إلى ما هو أطول منه، ويُسمَّى طويلًا بالنِّسبة إلى ما هو أخفُّ منه، فلا حدَّ له في اللُّغة يُرْجَع فيه إليه. وليس من الأفعال العُرْفِيَّة التي يُرْجَع فيها إلى العُرْف؛ كالحِرْزِ، والقبض، وإحياء الموات.

والعبادات يُرْجَع إلى الشَّارع، في مقاديرها، وصفاتها، وهيئاتها، كما يُرْجَع إليه في أصلها. فلو جاز الرُّجوع في ذلك إلى عُرف النَّاس وعوائدهم في مسمَّى التَّخفيف والإيجاز لاختلفت أوضاع الصَّلاة ومقاديرها اختلافًا متباينًا لا ينضبط.

ولهذا لمَّا فهم بعض من نكس الله قلبه أنَّ التَّخفيف المأمور به هو ما يمكن من التَّخفيف اعتقد أنَّ الصَّلاة كلَّما خُفِّفت وأُوجِزَت كانت أفضل! فصار كثيرٌ منهم يمرُّ فيها مرَّ السَّهم، ولا يزيد على «الله أكبر» في الركوع والسُّجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربَّما ظنَّ أنَّ الاقتصار على تسبيحةٍ واحدةٍ أفضل من ثلاثٍ!

ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنَّه رأى غلامًا له يطمئنُّ في صلاته فضَرَبه، وقال: لو بَعَثك السُّلطان في شغلٍ أكنت تبطئُ في شغله مثل هذا الإبطاء!

وهذا كلُّه تلاعبٌ بالصَّلاة، وتعطيلٌ لها، وخداعٌ من الشيطان، وخلافٌ لأمر الله ورسوله، حيث قال تعالى: {وَأَقِيمُو الصَّلَاةَ} [البقرة/43]. فأَمَرَنا بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمةً، تامَّة القيام والركوع والسجود والأذكار.

وقد علَّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصَّلاة لم يكن من أهل الفلاح. ويستحيل حصول الخشوع مع العَجَلة والنَّقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلَّا مع الطُّمأنينة، وكُلَّما زاد طمأنينةً ازداد خشوعًا، وكُلَّما قَلَّ خشوعُه اشتدَّت عَجَلَتُه حتى تصير حركة بدنه بمنزلة العَبَث، الذي لا يصحبُهُ خشوعٌ ولا إقبالٌ على العبوديَّة، ولا معرفة حقيقة العبوديَّة. والله سبحانه قد قال: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة/43]، وقال: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [المائدة/55]، وقال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} [هود/114]، وقال: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [النِّساء/103]، وقال: {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} [النِّساء/162]. وقال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} [إبراهيم/40]، وقال لموسى: {فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه/14]. فلن تكاد تجد ذكر الصلاة في موضعٍ من التَّنزيل إلَّا مقرونًا بإقامتها.

فالمصلُّون في الناس قليلٌ، ومقيمو الصَّلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر رضي الله عنه: «الحاجُّ قليلٌ، والرَّكب كثير».

فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على التَّرويح تحلَّة القَسَم، ويقولون: يكفينا أدْنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به! ولو علم هؤلاء أنَّ الملائكة تصعد بصلاتهم؛ فتعرضها على الرَّبِّ جل جلاله، بمنزلة الهدايا التي يتقرَّب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم.

فليس مَنْ عَمَدَ إلى أفضل ما يقدر عليه، فيزيِّنُه ويحسِّنُه ما استطاع، ثم يتقرَّب به إلى من يرجوه ويخافه= كَمَنْ يعمد إلى أسْقَط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى مَنْ لا يقع عنده بموقع.

وليس من كانت الصَّلاة ربيعًا لقلبه، وحياةً له وراحةً، وقرَّةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهابًا لهمِّه وغمِّه، ومَفْزَعًا له يلجأ إليه في نوائبه ونوازله= كمن هي سَحْتٌ لقلبه، وقيدٌ لجوارحه، وتكليفٌ له، وثقلٌ عليه. فهي كبيرةٌ على هذا، وقرَّة عينٍ وراحةٌ لذلك. قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة/45 - 46].

فإنَّما كبرت على غير هؤلاء لخلوِّ قلوبهم من محبَّة الله تعالى وتكبيره وتعظيمه والخشوعِ له، وقِلَّة رغبتهم فيه؛ فإنَّ حضور العبد في الصَّلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وُسْعَه في إقامتها، وإتمامها= على قدر رغبته في الله.

قال الإمام أحمد في رواية مهنَّا بن يحيى: «إنَّما حظُّهُم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قَدْر رغبتهم في الصَّلاة. فاعْرف نفسك يا عبدالله، واحْذَر أنْ تلقى الله - عز وجل - ولا قدر للإسلام عندك؛ فإنَّ قدْرَ الإسلام في قلبك كقدر الصَّلاة في قلبك».

وليس حظُّ القلب العامر بمحبَّة الله وخشيته والرَّغبة فيه وإجلاله وتعظيمه من الصَّلاة كحظِّ القلب الخالي الخراب من ذلك.

فإذا وقف الاثنان بين يدي الله في الصَّلاة، وقف هذا بقلبٍ مُخْبتٍ له، خاشعٍ له، قريبٍ منه، سليمٍ من معارضات السُّوء، قد امتلأت أرجاؤه بالهيبة، وسَطَع فيه نور الإيمان، وكشف عنه حجاب النَّفس، ودخان الشَّهوات؛ فيرتع في رياض معاني القرآن، وخالط قلبَه بشاشةُ الإيمان بحقائق الأسماء والصِّفات، وعلوِّها، وجلالها، وكمالها الأعظم، وتفرُّد الرَّب سبحانه بنعوت جلاله وصفات كماله، فاجتمع همُّه على الله، وقَرَّت عينه به، وأحسَّ بقُرْبِه من الله قربًا لا نظير له، ففرَّغ قلبه له، وأقبل عليه بكلِّيَّتِه.

وهذا الإقبال منه بين إقبالين من ربِّه؛ فإنَّه سبحانه أقبل عليه أوَّلًا، فانجذب قلبه إليه بإقباله، فلمَّا أقبل على ربِّه حظي منه بإقبالٍ آخر أتمَّ من الإقبال الأوَّل.

وههنا أمرٌ عجيبٌ، يحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني الأسماء والصِّفات، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه، بحيث يرى لكُلِّ اسمٍ وصفةٍ موضعًا من صلاته، ومحلًّا منها.

فإنَّه إذا انتصب قائمًا بين يَدَي الرَّب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيُّومِيَّته.

وإذا قال: «الله أكبر» شاهد كبرياءه.

فإذا قال: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» شاهد بقلبه ربًّا منزَّهًا عن كُلِّ عيبٍ، سالمًا من كُلِّ نقصٍ، محمودًا بكُلِّ حمدٍ. فحَمْدُه يتضمَّنُ وصْفه بكُلِّ كمالٍ، وذلك يستلزم براءَتَه من كُلِّ نقصٍ، تبارك اسمه. فلا يُذْكَر على قليلٍ إلَّا كثَّره، ولا على خيرٍ إلَّا أنْمَاه وبارك فيه، ولا على آفةٍ إلَّا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلَّا ردَّه خاسئًا داحِرًا.

وكمال الاسم من كمال مسمَّاه، فإذا كان هذا شأن اسمه الذي لا يضرُّ معه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء، فشأن المسمَّى أعْلى وأجلُّ.

و «تعالى جدُّه» أي: ارتفعت عظمتُه، وجلَّت فوق كُلِّ عظمةٍ، وعلا شأنُه على كُلِّ شأنٍ، وقَهَر سلطانُه على كُلِّ سلطانٍ. فتعالى جدُّه أن يكون معه شريكٌ في ملكه وربوبيته، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمنو الجنِّ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} [الجن/3]. فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصِّفات على قلب العارف بها، غير المعطِّل لحقائقها.

فإذا قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقد آوى إلى ركنه الشَّديد، واعتصم بحولِه وقوَّتِه من عدوِّه، الذي يريد أنْ يقطعه عن ربِّه، ويباعده عن قُرْبِه، ليكون أسوأ حالًا.

فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة/2] وقف هنيئةً يسيرةً، ينتظر جواب ربِّه له، بقوله: «حمدني عبدي». فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة/3] انتظر الجواب بقوله: «أثْنى علَيَّ عبدي». فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة/4] انتظر جوابه: «يمجِّدُني عبدي».

فيا لذَّة قلبه، وقُرَّة عينه، وسرور نفسه بقول ربِّه: «عَبْدِي» ثلاث مرَّاتٍ. فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشَّهوات، وغيم النُّفُوس لاسْتُطِيرت فرحًا وسرورًا بقول ربِّها وفاطرها ومعبودها: «حمدني عَبْدي»، و «أثنى عليَّ عَبْدي»، و «مجَّدَني عَبْدي». ثم يكون لقلبه مجالٌ في شهود هذه الأسماء الثَّلاثة، التي هي أصول الأسماء الحُسْنى، وهي: «الله»، و «الرَّب»، و «الرَّحمن».

فشاهَدَ قلبُه من ذكر اسم «الله» تبارك وتعالى إلهًا معبودًا موحَّدًا مخوفًا، لا يستحقُّ العبادة غيره، ولا تنبغي إلَّا له، قد عَنَت له الوجوه، وخضعت له الموجودات، وخشعت له الأصوات، {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء/ 44]، {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم/26].

وكذلك خَلَق السَّموات والأرض وما بينهما، وخلق الجنَّ والإنس، والطَّير والوحش، والجنَّة والنَّار، وكذلك أرْسَل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الشَّرائع، وألزم العباد الأمر والنَّهي.

وشاهد من ذكر اسمه «ربِّ العالمين» قيُّومًا قام بنفسه، وقام به كل شيءٍ، فهو قائمٌ على كلِّ نفسٍ بخيرها وشرِّها، قد استوى على عرشه، وتفرَّد بتدبير ملكه. فالتَّدبير كلُّه بيَدَيْه، ومصير الأمور كلِّها إليه، فمراسيم التَّدبير نازلة من عنده، على أيدي ملائكته بالعطاء والمنع، والخفض والرفع، والإحياء والإماتة، والتَّولية والعزل، والقبض والبسط، وكشف الكروب، وإغاثة الملهوفين، وإجابة المضطرِّين، {يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن/29]، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا معقِّب لحكمه، ولا رادَّ لأمره، ولا مبدِّل لكلماته، تعرج الملائكة والرُّوح إليه، وتُعْرَض الأعمال أول النَّهار وآخره عليه؛ فيقدِّر المقادير، ويوقِّت لها المواقيت، ثم يسوق المقادير إلى مواقيتها، قائمًا بتدبير ذلك كلِّه وحفظه ومصالحه.

ثم يشهد عند ذكر اسم «الرَّحمن» جل جلاله ربًّا محسنًا إلى خلقه بأنواع الإحسان، متحبِّبًا إليهم بصُنُوف النِّعم، وسع كلَّ شيءٍ رحمة وعلمًا، وأوسع كلَّ مخلوقٍ نعمةً وفضلًا. فوَسِعَت رحمتُه كلَّ شيءٍ، وسَعَت نعمتُه إلى كلِّ حيٍّ.

فبَلَغَت رحمتُهُ حيث بلغ علمُه؛ فاستوى على عرشه برحمته، وخلق خلقه برحمته، وأنزل كتبه برحمته، وأرسل رسله برحمته، وشرع شرائعه برحمته، وخلق الجنَّة برحمته، والنَّار أيضًا برحمته؛ فإنَّها سوطه الذي يسوق به عباده المؤمنين إلى جنَّته، ويطهِّر بها أدران الموحِّدين من أهل معصيته، وسجنه الذي يسجن فيه أعداءه من خليقته.

فتأمَّل ما في أمره ونهيه، ووصاياه ومواعظه؛ من الرَّحمة البالغة، والنِّعمة السَّابغة، وما في حشو مخلوقاته من الرَّحمة والنِّعمة. فالرحمة هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة.

ومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته به.

فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة/4] فهنا شهد المجد الذي لا يليق بسوى الملك الحقِّ المبين؛ فيشهد ملكًا قاهرًا، قد دانت له الخليقة، وعَنَت له الوجوه، وذلَّت لعظمته الجبابرة، وخضع لعِزَّته كلُّ عزيزٍ، فيشهد بقلبه:

مَلِيكًا على عَرشِ السَّماء مُهَيْمِنًا … لِعِزَّتِه تَعْنُو الوُجُوهُ وتسْجُدُ

وإذا لم يُعَطِّل حقيقة صفة المُلْكِ أطْلَعَتْهُ على شهود حقائق الأسماء والصِّفات، التي تعطيلها تعطيلٌ لمُلْكِه وجحدٌ له؛ فإنَّ الملِكَ الحقَّ، التَّامَّ المُلْكِ لا يكون إلَّا حيًّا، قيُّومًا، سميعًا، بصيرًا، مُريدًا، قادِرًا، متكلِّمًا، آمِرًا، ناهيًا، مستويًا على سرير مملكته، يرسل رسله إلى أقاصي مملكته بأوامره، فيرضى على من يستحقُّ الرِّضا، ويثيبُه ويكْرِمُه ويُدْنِيه، ويغضب على من يستحقُّ الغضب، ويعاقبه ويهينُه ويقْصِيه؛ فيعذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ويقرِّب من يشاء، ويُقْصِي من يشاء، له دار عذابٍ وهي النَّار، وله دار سعادة وهي الجنَّة.

فمَنْ أبطل شيئًا من ذلك، أوجحده، أوأنكر حقيقته= فقد قدح في ملكه سبحانه وتعالى، ونفى عنه كماله وتمامه. وكذلك من أنكر عموم قضائه وقدره، فقد أنكر عموم ملكه وكماله، فيشهد المصلِّي مجد الرَّبِّ تعالى في قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة/4].

فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة /4] ففيهما سِرُّ الخلق والأمر، والدُّنيا والآخرة، وهي متضمِّنة لأَجَلِّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديَّتُه، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحقُّ العبادة إلَّا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل.

وقد أنزل الله سبحانه وتعالى مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ، جمع معانيها في أربعة كتبٍ، وهي التَّوراة والإنجيل والقرآن والزَّبور، وجمع معانيها في القرآن، وجمع معانيه في المفصَّل، وجمع معانيه في الفاتحة، وجمع معانيها في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة /4].

وقد اشتملت هذه الكلمة على نَوْعَي التَّوحيد، وهما توحيد الرُّبُوبية، وتوحيد الإلهية، وتضمَّنَت التعبُّد باسم «الرَّبِّ» واسم «الله»، فهو يُعْبَد بألوهيَّته، ويُستَعان بربوبيَّته، ويهدي إلى الصِّراط المستقيم برحمته.

فكان أول السُّورة ذكر اسمه «الله» و «الرَّبِّ» و «الرَّحمن» مطابقًا لأَجَلِّ المطالبِ؛ من عبادته وإعانته وهدايته. وهو المتفرِّد بإعطاء ذلك كلِّه، لا يعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه.

ثم يشهد الدَّاعي بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة/6] شدَّة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة، التي ليس هو إلى شيءٍ أشدّ فاقةً وحاجةً منه إليها ألبتَّة؛ فإنَّه محتاجٌ إليه في كُلِّ نَفَسٍ وطرفة عينٍ. وهذا المطلوب من هذا الدُّعاء لا يتمُّ إلَّا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التَّفصيل، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته وتكوينه وتوفيقه لإيقاعه له على الوجه المرضيِّ المحبوب للرَّبِّ سبحانه وتعالى، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله.

ولمَّا كان العبد مفتقرًا في كُلِّ حالٍ إلى هذه الهداية، في جميع ما يأتيه ويذَرُهُ، من أمورٍ قد أتاها على غير الهداية، فهو يحتاج إلى التَّوبة منها. وأمورٍ هُدِي إلى أصلها دون تفصيلها، أو هُدِي إليها من وجهٍ دون وجهٍ، فهو يحتاج إلى تمام الهداية فيها؛ ليزداد هُدًى. وأمورٍ هو يحتاج إلى أن يَحْصُل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي. وأمورٍ هو خالٍ عن اعتقادٍ فيها، فهو يحتاج إلى الهداية فيها. وأمورٍ لم يفعلها، فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية. وأمورٍ قد هُدِي إلى الاعتقاد الحقِّ والعمل الصَّواب فيها، فهو محتاجٌ إلى الثَّبات عليها. إلى غير ذلك من أنواع الهدايات= فَرَضَ الله - سبحانه وتعالى - عليه أنْ يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله، مرَّاتٍ متعدَّدةً في اليوم واللَّيلة.

ثم بيَّن أنَّ أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته، دون {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتَّبعُوه، ودون {الضَّالِّينَ}، وهم الذين عبدوا الله بغير علمٍ.

فالطَّائفتان اشتركتا في القول على الله في خلقه، وأمره، وأسمائه وصفاته بغير علمٍ. فسبيل المُنْعَمِ عليه مغايرةٌ لسبيل أهل الباطل كُلِّها علمًا وعملًا.

فلمَّا فرغ من هذا الثَّناء والدُّعاء والتَّوحيد شرع له أنْ يطبع على ذلك بطابعٍ من التَّأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السَّماء. وهذا التَّأمين من زِينة الصَّلاة، كرفع اليَدَيْن الذي هو زِينة الصَّلاة، واتباع للسُّنَّة، وتعظيم أمر الله، وعبوديَّة لليَدَيْن، وشعار الانتقال من ركنٍ إلى ركنٍ.

ثم يأخذ في مناجاة ربِّه بكلامه، واستماعه من الإمام بالإنصات، وحضور القلب وشهوده.

وأفضل أذكار الصَّلاة ذكر القيام، وأحسن هيئات المصلِّي هيئات القيام؛ فخُصَّت بالحمد والثَّناء والمجد، وتلاوة كلام الربِّ جل جلاله؛ ولهذا نُهِي عن قراءة القرآن في الركوع والسُّجود؛ لأنَّهما حالتا ذُلٍّ وخضوعٍ وتطامنٍ وانخفاضٍ؛ ولهذا شُرِع فيهما من الذِّكر ما يناسب هيئتهما، فشُرِع للرَّاكع أنْ يذكر عظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنَّه سبحانه يُوْصَف بوصف عظمته عمَّا يضادُّ كبرياءه وجلاله وعظمته.

فأفضل ما يقول الرَّاكع على الإطلاق «سبحان ربي العظيم»؛ فإنَّ الله سبحانه أمر العِبَاد بذلك، وعيَّن المبلِّغَ عنه، السَّفِير بينه وبين عباده هذا المحلَّ لهذا الذِّكر، لمَّا نزلت: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة/74]، قال: «اجعلوها في ركوعكم».

وأبطل كثيرٌ من أهل العِلْم صلاة من تركها عمدًا، وأوْجَبَ سجود السَّهو على من سَهَا عنها. وهذا مذهب الإمام أحمد، ومن وافقه من أئمَّة الحديث والسُّنة.

والأمر بذلك لا يقصر عن الأمر بالصَّلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في التشهُّد الأخير، ووجوبه لا يقصُر عن وجوب مباشرة المصلَّى بالجبهة واليَدَين.

وبالجملة: فسِرُّ الرُّكُوع تعظيم الرَّبِّ جل جلاله بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أمَّا الرُّكوع فعظِّمُوا فيه الرَّب».

 

فصْلٌ

ثم يرفع رأسه عائدًا إلى أكمل هيئاته، وجعل شعار هذا الركن حمد الله والثَّناء عليه وتمجيده. فافتتح هذا الشِّعار بقول المصلِّي: «سمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَه»، أي: سَمِعَ سَمْعَ قبولٍ وإجابةٍ.

ثم شفَع بقوله: «ربَّنا ولك الحمد، مِلءَ السَّموات والأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شِئتَ من شيءٍ بعد».

ولا يهمل أمر هذه الواو في قوله: «ربَّنا ولك الحمد»؛ فإنَّه قد نُدِب الأمر بها في «الصَّحيحَين».

وهي تجعل الكلام في تقدير جملتين قائمتين بأنفسهما؛ فإنَّ قوله: «ربَّنا» متضمِّنٌ في المعنى: أنت الرَّبُّ والملك القيُّوم، الذي بيديه أَزِمَّة الأمور، وإليه مرجعها، فعطف على هذا المعنى المفهوم من قوله: «ربَّنا» قولَه: «ولك الحمد»، فتضمَّن ذلك معنى قول الموحِّد: «له الملك وله الحمد».

ثمَّ أخبر عن شأن هذا الحمد، وعظمته قدرًا وصفةً، فقال: «مِلءَ السَّموات ومِلءَ الأرض، ومِلءَ ما بينهما، ومِلءَ ما شئتَ من شيءٍ بعد». أي: قدر ملءِ العالِم العلوي والسُّفلي، والفضاء الذي بينهما.

فهذا الحمد قد ملأ الخلق الموجود، وهو يملأ ما يخلقه الرَّبُّ تبارك وتعالى بعد ذلك ممَّا يشاؤه، فحمده قد ملأ كلَّ موجودٍ، وملأ ما سيوجد. فهذا أحسن التَّقديرَيْن.

وقيل: «ما شئتَ من شيءٍ» وراء العالم؛ فيكون قوله: «بعد» للزَّمان على الأول، وللمكان على الثَّاني. ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله: «أهلَ الثَّناء والمجْد»، فعاد الأمر بعد الرَّكعة إلى ما افتتح به الصَّلاة قبل الرَّكعة، من الحمد والثَّناء والمجد.

ثمَّ أتْبَعَ ذلك بقوله: «أحق ما قال العبد» تقريرًا لحمده وتمجيده والثَّناء عليه، وأنَّ ذلك أحق ما نَطَق به العبد، ثمَّ أتْبَع ذلك بالاعتراف بالعبوديَّة، وأنَّ ذلك حُكمٌ عامٌّ لجميع العبيد.

ثمَّ عقَّب ذلك بقوله: «لا مانع لما أعطيت، ولامعطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَد». وكان يقول ذلك بعد انقضاء الصَّلاة أيضًا. فيقوله في هذين الموضِعَين اعترافًا بتوحيده، وأنَّ النِّعم كلَّها منه. وهذا يتضمَّن أمورًا:

أحدها: أنَّه المتفرِّد بالعطاء والمنع.

الثَّاني: أنَّه إذا أعطى لم يُطِق أحدٌ منع مَنْ أعطاه، وإذا مَنَع لم يُطِق أحدٌ إعطاء من مَنَعَه.

الثَّالث: أنَّه لاينفع عنده، ولا يخلص من عذابه، ولا يُدْني من كرامته جُدُودُ بني آدم وحظوظُهم؛ من المُلْك، والرِّئاسة، والغنى، وطيب العَيش، وغير ذلك؛ إنَّما ينفعهم عنده التَّقرُّب إليه بطاعته، وإيثار مرضاته.

ثمَّ ختم ذلك بقوله: «اللَّهُمَّ اغسلني من خطايَاي بالماء والثَّلج والبَرَد»؛ كما افتتح به الرَّكعة في أول الاستفتاح، كما كان يختم الصَّلاة بالاستغفار. وكان الاستغفار في أوَّل الصَّلاة، ووسطها، وآخرها.

فاشتمل هذا الرَّكن على أفضل الأذكار وأنفع الدُّعاء؛ من حمده، وتمجيده، والثَّناء عليه، والاعتراف له بالعبوديَّة والتَّوحيد، والتنصُّل إليه من الذُّنوب والخطايا. فهو ذِكْرٌ مقصودٌ في ركنٍ مقصودٍ، ليس بدون الركوع والسُّجود.

 

فصْلٌ

ثمَّ يكبِّر ويخرُّ لله ساجدًا، غير رافعٍ يديه؛ لأنَّ اليدين تنحطَّان للسُّجود كما ينحطُّ الوجه، فهما تنحطَّان لعبوديتهما، فأغْنَى ذلك عن رفعهما؛ ولذلك لم يُشْرَع رفعُهُما عند رفع الرَّأس من السُّجود؛ لأنَّهما يرفعان معه كما يوضعان معه. وشُرِع السُّجود على أكمل الهيئات وأبلغِها في العبوديَّة، وأعمِّها لسائر الأعضاء؛ بحيث يأخذ كلُّ جزءٍ من البَدَن بحظِّه من العبوديَّة.

والسُّجُود سِرُّ الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة. وما قبله من الأركان كالمقدِّمات له، فهو شِبْهُ طواف الزِّيارة في الحجِّ؛ فإنَّه مقصود الحجِّ، ومحلُّ الدُّخول على الله وزيارته، وما قبله كالمقدِّمات له؛ ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ. وأفضل أحواله حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدُّعاء في هذا المحلِّ أقرب إلى الإجابة.

ولمَّا خلق الله سبحانه العبد من الأرض كان جديرًا بأنْ لا يخرج عن أصله؛ بل يرجع إليه إذا تقاضاه الطَّبْع والنَّفس بالخروج عنه؛ فإنَّ العبد لو تُرِكَ وطبعه ودواعي نفسه لتَكَبَّرَ، وأَشِرَ، وخرج عن أصْله الذي خُلِق منه، ولوَثَب على حقِّ ربِّه، من الكبرياء والعَظَمة، فنازعه إيَّاهما؛ فأُمِر بالسُّجود خضوعًا لعظمة ربِّه وفاطره، وخشوعًا له، وتذلُّلًا بين يديه، وانكسارًا له.

فيكون هذا الخشوع، والخضوع، والتذلُّل رادًّا له إلى حكم العبوديَّة، ويتدارك به ما حصل له من الهفوة والغفلة، والإعراض الذي خرج به عن أصله، فَيتَمَثَّل له حقيقة التراب الذي خلق منه.

وهو يضع أشرف شيءٍ منه وأعلاه ـ وهو الوجه ـ فيه، وقد صار أعلاه أسفله؛ خضوعًا بين يَدَي ربِّه الأعلى، وخشوعًا له، وتذلُّلًا لعظمته، واستكانةً لعِزَّته. وهذا غاية خشوع الظَّاهر.

فإنَّ الله سبحانه خَلَقَه من الأرض التي هي مذلَّلةٌ للوطء بالأقدام، واستعمره فيها، وردَّه إليها، ووعده بالإخراج منها، فهي أُمُّه وأبوه وأصْلُه وفصْلُه، فضمَّته حيًّا على ظهرها، وميِّتًا في بطنها، وجُعِلَت له طُهْرًا ومسجدًا، فأُمِر بالسُّجود؛ إذ هو غاية خشوع الظَّاهر، وأجمع العبوديَّة لسائر الأعضاء، فيُعَفِّر وجهه في التُّراب؛ استكانةً وتواضعًا وخضوعًا وإلقاءً باليدين. وقال مسروقٌ لسعيد بن جبير: «يا سعيد، ما بقي شيءٌ يُرْغَب فيه إلَّا أن نعفِّر وجوهنا في هذا التَّراب له».

وكان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لا يتَّقي الأرض بوجهه قصدًا؛ بل إذا اتَّفَق له ذلك فَعَله؛ ولذلك سَجَد في الماء والطِّين. ولهذا كان من كمال السُّجود الواجب أنْ يسجد على الأعضاء السَّبعة: الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين؛ فهذا فرضٌ أمر الله به رسولَه - صلى الله عليه وسلم -، وبلَّغَه الرسول لأُمَّته.

ومن كماله الواجب أوالمستحبِّ: مباشرةُ مصلَّاه بأديم وجْهِه، واعتماده على الأرض؛ بحيث ينالها ثِقْل رأسه، وارتفاع أسافله على أعاليه، فهذا من تمام السُّجود.

ومن كماله: أنْ يكون على هيئاتٍ، يأخذ كلُّ عضوٍ من البَدَن بحظِّه من الخضوع؛ فيقل بطنه عن فخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقَيه، ويجافي عضدَيه عن جنْبَيه، ولا يفرشهما على الأرض؛ ليستقلَّ كلُّ عضوٍ منه بالعبوديَّة. ولذلك إذا رأى الشَّيطان ابن آدم ساجدًا لله اعتزل ناحيةً يبكي، ويقول: «يا ويلَهُ، أُمِر ابن آدم بالسُّجود فسَجَد فله الجنَّة، وأُمِرتُ بالسُّجود فعَصَيتُ فلي النَّار».

ولذلك أثنى الله سبحانه على الذين يخرُّون سُجَّدًا عند سماع كلامه، وذمَّ من لا يقع ساجدًا عنده. ولذلك كان قول من أوْجَبَه قويًّا في الدَّليل.

ولمَّا علِمَت السَّحَرة صِدْق موسى وكذب فرعون خَرُّوا سُجَّدًا لربِّهم، فكانت تلك السَّجدة أول سعادتهم، وغفران ما أفنوا فيه أعمارهم من السِّحر.

ولذلك أخبر سبحانه عن سُجُود جميع المخلوقات له؛ فقال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النَّحل/49 - 50]. فأخبر عن إيمانهم بعلوِّه وفوقيَّته، وخضوعهم له بالسُّجود تعظيمًا وإجلالًا.

وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج/18]. فالذي حقَّ عليه العذاب هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له.

وقال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد/15].

ولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب نصيبه من عبوديَّته، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط

منه، وكان السُّجود أفضل أركانها الفِعليَّة، وسرَّها الذي شُرِعَت لأجله، وكان تكرُّره في الصَّلاة أكثر من تكرُّر سائر الأركان، وجعله خاتمة الركعة وغايتها، وشُرِع فعله بعد الرُّكوع؛ فإنَّ الركوع توطئةٌ له، ومقدِّمةٌ بين يَدَيه، وشُرِعَ فيه من الثَّناء على الله ما يناسبه، وهو قول العبد: «سبحان ربِّي الأعلى»، فهذا أفضل ما يُقَال فيه. ولم يَرِد عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أمره في السُّجود بغيره؛ حيث قال: «اجعلوها في سجودكم».

ومَن تَرَكَه عمدًا فصلاتُه باطلةٌ عند كثيرٍ من العُلماء، منهم الإمام أحمد وغيره؛ لأنَّه لم يفعل ما أُمِر به.

وكان وصْفُ الرَّبِّ بالعُلُوِّ في هذه الحال في غاية المناسبة؛ لحال السَّاجد الذي قد انحطَّ إلى السُّفُل على وجهه، فذكر علو ربِّه في حال سُفُولِه، وهو كما ذكر عظمته في حال خضوعه في ركوعه، ونزَّه ربَّه عمَّا لايليق به ممَّا يضادُّ عظمَتَه وعلوَّه.

ثم لمَّا شُرِعَ السُّجود بوصف التِّكرار لم يكن بُدٌّ من الفصل بين السَّجدتين، ففَصَل بينهما بركنٍ مقصودٍ، وشَرَع فيه من الدُّعاء ما يليق به ويناسبه، وهو سؤال العبد المغفرة والرَّحمة والهداية والعافية والرزق؛ فإنَّ هذه تتضمَّن جلب خير الدُّنيا والآخرة، ودفعَ شَرِّ الدُّنيا والآخرة. فالرَّحمة تحصِّل الخير، والمغفرة تقي الشَّرَّ، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق إعطاء ما به قِوَام البَدَن من الطَّعام والشَّراب، وما به قوام الرُّوح والقلب من العلم والإيمان.

وجُعِل جلوس الفصْل محلًّا لهذا الدُّعاء لما تقدَّمه من حمد الله والثَّناء عليه والخضوع له، فكان هذا وسيلة للدَّاعي، ومقدِّمة بين يَدَي حاجته.

فهذا الرُّكن مقصودٌ، والدُّعاء فيه مقصودٌ، فهو ركنٌ وُضِع للرَّغبة، وطلب العفو والمغفرة والرَّحمة؛ فإنَّ العبد لمَّا أتى بالقيام والحمد والثَّناء والمجد، ثم أتى بالخضوع وتنزيه الرَّبِّ وتعظيمه، ثم عاد إلى الحمد والثَّناء، ثم كمَّل ذلك بغاية التذلُّل والخضوع والاستكانة= بقي سؤال حاجته واعتذاره وتنصُّلُه؛ فشَرَع له أنْ يتمثَّل في الخدمة، فيقصد فعل العبد الذَّليل جاثيًا على ركبَتَيه، كهيئة الملقي نفسه بين يَدَي سيِّده، راغبًا، راهبًا، معتذرًا إليه، مستعديًا إليه على نفسه الأمَّارة بالسُّوء.

ثمَّ شَرَع له تكرار هذه العبوديَّة مرَّةً بعد مرَّةٍ إلى إتمام الأربع، كما شَرَع له تكرير الذِّكر مرَّةً بعد مرَّةٍ؛ لأنَّه أبلغ في حصول المقصود، وأدْعى إلى الاستكانة والخضوع.

فلمَّا أكمل ركوع الصَّلاة، وسجودها، وقراءتها، وتسبيحها، وتكبيرها شُرِعَ له أنْ يجلس في آخر صلاته جلسة المتخشِّع المتذلِّل المستكين، جاثيًا على ركبتيه.

ويأتي في هذه الجلسة بأكمل التَّحيَّات وأفضلها، عوضًا عن تحيَّة المخلوق للمخلوق إذا واجَهَه أو دخل عليه. فإنَّ النَّاس يحيُّون ملوكهم وأكابرهم بأنواع التحيَّات التي يتَحبَّبُون بها إلى قلوبهم. فبعضهم يقول: أنعم صباحًا، وبعضهم يقول: لك البقاء والنِّعمة، وبعضهم يقول: أطال الله بقاءك، وبعضهم يقول: تعيش ألف عام، وبعضهم يسجد للملوك، وبعضهم يسلِّم. فتحيَّاتهم بينهم تتضمَّن ما يحبُّه المُحَيَّا من الأقوال والأفعال.

والمشركون يحيُّون أصنامهم. قال الحسن: «كان أهل الجاهليَّة يتمسَّحُون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدَّائمة؛ فلمَّا جاء الإسلام أُمِرُوا أن يجعلوا لله أطيب تلك التَّحيَّات، وأزكاها، وأفضلها».

فـ «التحيَّات» هي تحيَّةٌ من العبد للحيِّ الذي لا يموت، وهو سبحانه أولى بتلك التحيَّات من كُلِّ ما سواه؛ فإنَّها تتضمَّن الحياة والبقاء والدَّوام، ولا يستحقُّ أحدٌ هذه التحيَّات إلَّا الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يزول ملكُه.

وكذلك قوله: «والصَّلوات»؛ فإنَّه لا يستحق أحدٌ الصَّلاة إلَّا الله - عز وجل -، والصَّلاة لغيره من أعظم الكفر والشِّرك به.

وكذلك قوله: «والطَّيِّبات»، هي صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ؛ أي: الطَّيِّبات من الكلمات والأفعال والصِّفات والأسماء لله وحده.

فهو طيِّبٌ، وكلامه طيِّبٌ، وأفعاله طيِّبةٌ، وصفاته أطيب شيءٍ، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه «الطَّيِّب»، ولا يصدر عنه إلَّا طيِّبٌ، ولا يصعد إليه إلَّا طيبٌّ، ولا يقرب منه إلَّا طيِّبٌ. فكلُّه طيِّبٌ، و {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر/10]، وفعله طيِّبٌ، والعمل الطيِّب يعرج إليه.

فالطيِّبات كلُّها له، ومضافةٌ إليه، وصادرةٌ عنه، ومنتهيةٌ إليه. قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّبًا». وفي حديث رقية المريض، الذي رواه أبوداود وغيره: «أنت ربُّ الطَّيِّبِين».

ولا يجاوِرُه من عباده إلَّا الطيِّبُون؛ كما يُقال لأهل الجنَّة: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر/73].

وقد حكم سبحانه ـ بشرعه وقدره ـ أنَّ الطَّيبات للطَّيِّبين.

فإذا كان هو ــ سبحانه ـ الطَّيِّب على الإطلاق فالكلمات الطَّيِّبات، والأفعال الطَّيِّبات، والصِّفات الطَّيِّبات، والأسماء الطَّيِّبات= كلُّها له سبحانه، لا يستحِقُّها أحدٌ سواه، بل ما طاب شيءٌ قطُّ إلَّا بطيبه سبحانه، فطِيبُ كل ما سواه من آثار طيبه، ولا تصلح هذه التحيَّةُ الطَّيِّبة إلَّا له.

ولمَّا كان السَّلام من أنواع التحيَّة، وكان المسلِّم داعيًا لمن يحيِّيه، وكان الله سبحانه هو الذي يُطْلَبُ منه السَّلام، لا يُطْلَبُ له السَّلام ـ فإنَّه السَّلام، ومنه السَّلام ـ= شُرِع أنْ يُطْلَب منه السَّلام لعباده الذين اختصَّهم بعبوديَّته، وارتضاهم لنفسه. وشرع أنْ يبدأ بأكرمهم عليه، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه منزلةً في هذه التَّحيَّة.

ثم خُتِمَت هذه التحيَّة بالشَّهادتين اللَّتَيْن هما مفتاح الإسلام، فشرع أنْ يكون خاتمة الصَّلاة. فدخل فيها بالتَّكبير والتَّحميد والثَّناء والتَّمجيد، وتوحيد الرُّبوبيَّة والإلهيَّة، وختمها بشهادة أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله.

وشُرِعَت هذه التَّحيَّة في وسط الصَّلاة إذا زادت على ركعتين، تشبيهًا لها بجلسة الفصل بين السَّجدتين، فهي بين الرَّكعتين الأُوليَيْن والأُخْرَيَيْن كالجلوس بين السَّجدتين. وفيها مع الفصل راحة للمصلِّي؛ لاستقباله الرَّكعتين الأُخْرَيَيْن بنشاطٍ وقوةٍ، بخلاف ما إذا وَالَى بين الركعات. ولهذا كان الأفضل في النَّفل مثنى مثنى، وإنْ تطوَّع بأربع جلس في وسطهنَّ.

 

فصْلٌ

وجُعِلَت كلمات التَّحيَّات في آخر الصَّلاة بمنزلة خطبة الحاجة أمامها؛ فإنَّ المصلِّي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الرَّاغب الرَّاهب، يستعطي من ربِّه ما لا غنى به عنه، فشُرِع له أمام استعطائه كلمات التَّحيَّات، مقدمةً بين يدَيْ سؤاله، ثُمَّ يُتْبِعها بالصَّلاة على من نالت أُمَّته هذه النِّعمة على يده وبسفارته.

فكأنَّ المصلِّي توسَّل إلى الله سبحانه بعبوديَّته، ثم بالثَّناء عليه، والشَّهادة له بالوحدانيَّة، ولرسوله بالرِّسالة، ثم بالصَّلاة على رسوله، ثُمَّ قيل له: تخيَّر من الدُّعاء أحبَّه إليك. فذاك الحقُّ الذي عليك، وهذا الحقُّ الذي لك.

وشُرِعت الصَّلاة على آله مع الصَّلاة عليه تكميلًا لقُرَّة عينه، بإكرام آله والصَّلاة عليهم. وأنْ يصلِّي عليه وعلى آله كما صلَّى على أبيه إبراهيم وآله. والأنبياء كلُّهم بعد إبراهيم من آله؛ ولذلك كان المطلوب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاةً مثل الصَّلاة على إبراهيم، وعلى جميع الأنبياء بعده، وآله المؤمنين؛ فلهذا كانت هذه الصَّلاة أكمل ما يصلَّى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها وأفضل.

فإذا أتى بها المصلِّي أُمِر أنْ يستعيذ بالله من مجامع الشَّرِّ كلِّه؛ فإنَّ الشر إمَّا عذاب الآخرة، وإمَّا سببه. فليس الشرُّ إلَّا العذاب وأسبابه.

والعذاب نوعان: عذابٌ في البَرْزخ، وعذابٌ في الآخرة. وأسبابه الفتنة، وهي نوعان: كُبرى، وصُغرى. فالكُبْرى فتنة الدَّجال وفتنة الممات، والصُّغرى فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتَّوبة، بخلاف فتنة الممات وفتنة الدَّجَّال؛ فإنَّ المفتون بهما لا يَتَدَاركهما.

ثمَّ شُرِع له من الدُّعاء ما يختاره من مصالح دنياه وآخرته. والدُّعاء في هذا المحلِّ قبل السَّلام أفضل من الدُّعاء بعد السَّلام، وأنفع للدَّاعي.

وهكذا كانت عامَّة أدعية النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، كلُّها كانت في الصلاة من أولها إلى آخرها. فكان يدعو في الاستفتاح أنواعًا من الدُّعاء، وفي الركوع، وبعد رفع رأسه منه، وفي السُّجود، وبين السَّجدتين، وفي التشهُّد قبل التَّسليم. وعلَّم الصِّدِّيق دعاءً يدعو به في صلاته. وعلَّم الحسن بن علي دعاء يدعو به في قنوت الوتر. وكان إذا دعا لقومٍ أوعلى قومٍ جعله في الصَّلاة بعد الرُّكوع.

وسِرُّ ذلك: أنَّ المصلِّي قبل سلامه في محلِّ المناجاة والقُرْبة بين يَدَي ربِّه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يدي ربِّه. وقد سُئِل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ الدُّعاء أسمع؟ فقال: «جوف اللَّيل، وأدبار الصَّلاة المكتوبة».

ودُبُر الصَّلاة جزؤها الأخير، كدُبُر الحيوان، ودُبُر الحائط.

وقد يُرَاد بدُبُرِها ما بعد انقضائها، بقرينةٍ تدلُّ عليه؛ كقوله: «تسبِّحُون الله، وتحمدونه، وتكبرونه، دُبُر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين». فهنا دُبُرُها بعد الفراغ منها. وهذا نظير انقضاء الأجل؛ فإنَّه يُرَاد به آخر المدَّة ولمَّا يفرغ، ويُرَاد به فراغها وانتهاؤها.

 

فصْلٌ

ثم خُتِمَت بالتَّسليم وجُعِل تحليلًا لها، يخرج به المصلِّي منها كما يخرج بتحليل الحجِّ منه، وجُعِل هذا التَّحليل دعاء الإمام لمن وراءه بالسَّلامة، التي هي أصل الخير وأساسه. فشُرِع لمن وراءه أنْ يتحلَّل بمثل ما تحلَّل به الإمام. وفي ذلك دعاءٌ له وللمصلِّين معه بالسَّلام، ثم شُرِع ذلك لكلِّ مصلٍّ وإن كان منفردًا.

فلا أحسن من هذا التَّحليل للصَّلاة، كما أنَّه لا أحسن من كون التَّكبير تحريمًا لها. فتحريمها تكبير الرَّبِّ تعالى، الجامع لإثبات كلِّ كمالٍ له، وتنزيهه عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وإفراده وتخصيصه بذلك، وتعظيمه وإجلاله.

فالتَّكبير يتضمَّن تفاصيل أفعال الصَّلاة، وأقوالها، وهيئاتها؛ فالصَّلاة من أوَّلها إلى آخرها تفصيلٌ لمضمون «الله أكبر». فلا أحسن من هذا التَّحريم المتضمِّن للإخلاص والتَّوحيد، ومن هذا التَّحليل المتضمِّن للإحسان إلى إخوانه المؤمنين؛ فافتُتِحَت بالإخلاص، وخُتِمَت بالإحسان.

 

فصْلٌ

قال المكمِّلُون للصَّلاة: فصلاةٌ وُضِعَت على هذا النَّحو وهذا التَّرتيب، لا يمكن أن يحصل ما ذكرناه من مقاصدها ـ التي هي جزءٌ يسيرٌ من قدرها وحقيقتها ـ إلَّا مع الإكمال والإتمام والتمهُّل الذي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله. ومحالٌ حصول ما ذكرناه مع النَّقر

والتَّخفيف، الذي يرجع إلى شهوة الإمام والمأمومين. ومن أراد أنْ يصلِّي هذه الصَّلاة الخاصَّة فلا بُدَّ له من مزيد تطويلٍ، وأمَّا الصَّلاة الحرجيَّة فلا تتوقَّف على ذلك.

وأمَّا استدلالكم بأحاديث الأمر بالإيجاز فقد بيَّنَّا أنَّ الإيجاز هو الذي كان يفعله، وعليه داوم، حتى قبَضَه الله إليه، فلا يجوز غير هذا ألبتَّة.

وأمَّا قراءتُه في الفجر بالمعوِّذَتَين فهذا إنَّما كان في السَّفر؛ كما هو مصرَّحٌ به في الحديث، والمسافر قد أُبِيح له ـ أو أُوجِب عليه ـ قصر الصَّلاة لمشقَّة السَّفر، فأُبِيحَ له تخفيف أركانها، فهلَّا عملتم بقراءَتِه في الحضر بمائة آيةٍ في الفجر!

وأمَّا قراءتُه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ بسورة التَّكوير في الفجر فإنْ كان في السَّفر فلا حُجَّة لكم فيه، وإنْ كان في الحضَر فالذي حَكَى عنه ذلك لم يقل: إنَّه كان يواظب على ذلك؛ بل سمعه يقرأ بها مرَّةً، وهذا لا يخالف رواية من رَوَى عنه أنَّه كان يقرأ فيها بالسِّتين إلى المائة، وبـ «ق» ونحوها؛ فإنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان يدخل في الصَّلاة وهو يريد إطالتها، فيخفِّفُها لعارضٍ؛ من بكاء صبيٍّ وغيره.

وأمَّا حديث تسبيحه في الركوع والسُّجود ثلاثًا فلا يثبت، والأحاديث الصَّحيحة بخلافه. وهذا السَّعدي مجهولٌ، لا يُعْرف عينُه ولا حاله. وقد قال أنسٌ: إنَّ عمر بن عبدالعزيز كان أشبه النَّاس صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان مقدار ركوعه وسجوده عشر تسبيحاتٍ. وأنسٌ أعلم بذلك من السَّعدي عن أبيه أوعمِّه لو ثبت.

فأين عِلْم من صلَّى مع النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين كوامل إلى عِلْم مَنْ لعلَّه لم يصلِّ معه إلَّا تلك الصَّلاة الواحدة، أو صلواتٍ يسيرةٍ؛ فإنَّ عمَّ هذا السَّعدي أوأباه ليس من مشاهير الصَّحابة المداومين الملازمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كملازمه أنسٍ، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وعبدالله بن عمر، وزيد بن ثابت، وغيرهم ممَّن ذكر صفة صلاته - صلى الله عليه وسلم - وقدرها.

وكيف يقوم - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع حتى يقولوا: «قد نسي»، ويسبِّح فيه ثلاث تسبيحات، فيجعل القيام منه بقدره أضعافًا مضاعفةً، وكذلك جلوسه بين السَّجدتين حتى يقولوا: «قد أوهم»؟

ولا ريب أنَّ سجوده وركوعه إمَّا مساوٍ لهذين الرُّكنين أو أطول منه، وأنتم تقولون: إنَّ ركوعه وسجوده كان أطول من قيامه بعد الركوع، وجلوسه بين السَّجدتين، حتى تكرهوا إطالتهما، ويغلو من يغلو منكم فيبطل الصلاة بإطالتهما!

وقد شهد البراء بن عازب أنَّ ركوعه وسجوده كان نحوًا من قيامه، ومحالٌ أنْ يكون مقدار ذلك ثلاث تسبيحاتٍ. ولعلَّه خفَّف مرَّةً لعارضٍ، فشهده عمُّ السَّعدي أو أبوه فأخبر به.

وقد حكم النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ طول صلاة الرجل من فِقْهِه، وهذا الحكم أولى من الحُكْمِ له بقلَّة الفقه؛ فحُكْمُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الحُكْمُ الحق، وما خالفه الحكم الباطل الجائر. فروى مسلمٌ في «صحيحه»، من حديث عمَّار بن ياسر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاة، واقْصُروا الخطبة». والمَئِنَّة: العلامة.

وعند سُرَّاق الصلاة أنَّ العجلة فيها من علامات الفقه، فكلَّما سَرَق ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه.

وفي «صحيح ابن حبان»، و «سنن النَّسائي»، عن عبدالله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغوَ، ويطيل الصَّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنفُ يمشي مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة». فهذا فعلُه، وذاك قولُه في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس، وكان يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين، ولم يقتصر على الثلاث آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا.

وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة {تَنْزِيلُ} السَّجدة، و {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ} [الإنسان/1] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ. فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه - صلى الله عليه وسلم -.

فإنْ جاءهم حديثٌ صحيحٌ يخالف ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم.

ولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم بذلك، ولما احتجُّوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمَّة به، وهم الخلفاء الرَّاشدون.

فهذا صِدِّيقُ الأمَّة وشيخ الإسلام، صلَّى الصُّبح، فقرأ البقرة من أوَّلها إلى آخرها ـ وخَلْفه الصَّغير والكبير وذو الحاجة ـ فقالوا له: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع! فقال: «لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين». ومَضَى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان يقرأ في الفجر بالنَّحل ويوسف، وبهود ويونس، وبني إسرائيل، ونحوها من السور.

وقد تقدَّم حديث عبدالله بن عمر: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتَّخفيف، ويؤمُّنَا بالصَّافات». فالذي فعله هو الذي أمر به. وقد تقدَّم حكاية الذِّكر والدُّعاء الذي كان يقوله في ركن الاعتدال من الرُّكوع، وأنَّه كان يطيله حتى يقول مَنْ خلفه: «قد أوْهَم». وتقدَّم حديث أبي سعيد في دخوله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الظُّهر: «فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله، فيتوضَّأ ثم يأتي المسجد، فيدركه في الركعة الأولى».

فيالله العجب! ما الذي حرَّم الاقتداء به في ذلك، أوجعله مكروهًا؟ ونحن نقول: كلَّا والذي بعثه بالحق، إنَّ الاقتداء به في ذلك مرضاة لله ورسوله، وإنْ تَرَكَها مَنْ تَرَكَها.

وأمَّا حديث سعيد بن عبدالرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على أنس بن مالك، فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً كأنَّها صلاة مسافر، فقال: «إنَّها لصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» = فهذا ممَّا تفرَّد به ابن أبي العمياء، وهو شِبْه المجهول. والأحاديث الصَّحيحة عن أنسٍ كلُّها تخالفه. كيف يقول أنسٌ هذا وهو القائل: إنَّ أشبه من رأى صلاةً برسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن عبدالعزيز، وكان يسبِّح عشرًا عشرًا؟ وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يُقَال: «قد نسِيَ»، وكذلك بين السَّجدتين، ويقول: «ما آلو أنْ أصلِّي لكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصَّلاة؟

ويكفي في ردِّ حديث ابن أبي العمياء ما تقدَّم من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، التي لا مَطْعَن في سندها، ولا شبهة في دلالتها. فلو صحَّ حديث ابن أبي العمياء ـ وهو بعيدٌ عن الصِّحَّة ـ لوجب حمله على أنَّ تلك صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للسُّنَّة الرَّاتبة، كسُّنَّة الفجر والمغرب والعشاء، وتحيَّة المسجد، ونحوها، لا أنَّ تلك صلاته التي كان يصلِّيها بأصحابه دائمًا. وهذا ممَّا يقطع ببطلانه، وتردُّه سائر الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة.

ولا ريب أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخفِّف بعض الصَّلاة، كما كان يخفِّف سُنَّة الفجر، حتى تقول عائشة أم المؤمنين: «هل قرأ فيها بأمِّ القرآن؟». وكان يخفِّف الصَّلاة في السَّفر، حتى كان ربَّما قرأ في الفجر بالمعوِّذَتين. وكان يخفِّف إذا سمع بكاء الصَّبي.

فالسُّنَّة التَّخفيف حيث خفَّف، والتَّطويل حيث أطال، والتوسُّط غالبًا.

فالذي أنكره أنسٌ هو التَّشديد، الذي لا يخفِّف صاحبُه على نفسه، مع حاجته إلى التَّخفيف، ولا ريب أنَّ هذا خلاف سُنَّته وهَدْيه.

وأمَّا حديث معاذٍ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» فلم يتعلَّق السُّرَّاق منه إلَّا بهذه الكلمة، ولم يتأمَّلوا أوَّل الحديث وآخره! فاسْمَع سياق قصَّة معاذٍ. فعن جابر بن عبدالله قال: أقبل رجلٌ بناضِحَين وقد جنح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي، فترك ناضِحَيه، وأقبل إلى معاذٍ، فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، فانطلق الرجل، وبَلَغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فشكا إليه معاذًا، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أفتَّانٌ أنت، أو قال: أفاتنٌ أنت؟ ثلاث مرار، فلولا صليت بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1]؛ فإنَّه يصلِّي وراءك الكبير، والضَّعيف، وذو الحاجة». رواه البخاري ومسلم، ولفظه للبخاري.

وفي «مسند الإمام أحمد»، من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومه، فدخل حرامٌ وهو يريد أنْ يسقي نخْلَهُ، فدخل المسجد مع القوم، فلمَّا رأى معاذًا طوَّل تجوَّزَ في صلاته، ولحق بنخْلِهِ يسقيه، فلمَّا قضى معاذٌ الصَّلاة قيل له ذلك، فقال: إنَّه لمنافقٌ، أيعجل عن الصَّلاة من أجل سقي نخله! قال: فجاء حرامٌ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم- ومعاذ عنده  فقال: يا نبيَّ الله، إنِّي أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلِّي مع القوم، فلمَّا طوَّل تجوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنِّي منافقٌ! فأقبل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على معاذٍ، فقال: «أفتَّانٌ أنت؟ لا تطوِّل بهم، اقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، ونحوها».

وعن معاذ بن رفاعة الأنصاري عن سليم ــ رجلٍ من بني سلمة ـ: أنَّه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إنَّ معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام ــ ونكون في أعمالنا بالنَّهار ــ فينادي بالصَّلاة، فنخرج إليه، فيطوِّل علينا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا معاذ بن جبل، لا تكن فتَّانًا، إمَّا أنْ تصلِّي معي، وإمَّا أنْ تخفِّف على قومك». ثُمَّ قال: «يا سُليم، ما معك من القرآن؟» قال: إنِّي أسأل الله الجنة، أوقال: أسأله الجنَّة، وأعوذ به من النَّار، والله ما أحسن دَنْدَنَتَك ولا دَنْدَنَة معاذ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلَّا أنْ نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار!».

قال سليمٌ: سترون غدًا إذا التقى القوم إنْ شاء الله، قال: والنَّاس يتجهَّزُون إلى أُحدٍ، فخرج فكان في الشُّهداء رحمه الله. رواه الإمام أحمد.

فإنْ قيل: فقد روى الإمام أحمد، من حديث بريدة: أنَّ معاذ بن جبل صلَّى بأصحابه صلاة العشاء، فقرأ فيها {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر/1]، فقام رجلٌ قبل أنْ يفرغ فصلَّى وذهب، فقال له معاذٌ قولًا شديدًا، فأتى الرَّجلُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فاعتذر إليه، فقال: إنِّي كنت أعمل في نخلي وخِفْتُ على الماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «صلِّ بـ {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، ونحوها من السُّور» = فقد أجيب عن هذا بأنَّ قصة معاذ تكرَّرت.

وهذا جوابٌ في غاية البُعْد عن الصَّواب؛ فإنَّ معاذًا كان أفقه في دين الله من أنْ ينهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شيءٍ ثم يعود له.

وأجودُ من هذا الجواب: أنْ يكون قرأ في الرَّكعة الأولى بالبقرة، وفي الثَّانية بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر/1]، فذكر بعضهم قراءته في الأولى فقال: «صلَّى بالبقرة»، وبعضهم قراءته في الثَّانية، فقال: «صلَّى بـ {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر/1]».

والذي في «الصَّحِيحَين» أنَّه قرأ بسورة البقرة، وشكَّ بعض الرُّواة فقال: «بالبقرة أوالنِّساء». وقصَّة قراءته بـ {اقْتَرَبَتِ} لم تُذْكَر في «الصَّحيح». والذي في «الصَّحِيْحَين» أولى بالصِّحَّة منها.

وقد حفظ الحديث جابرٌ فقال: «كان معاذٌ يصلِّي مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثُمَّ أتى قومه فأمَّهُم، فافتتح بسورة البقرة». وذكر القِصَّة. فهذا جابرٌ أخبر أنَّه فعل ذلك مرَّةً، وأنَّه قرأ بالبقرة ولم يشكَّ، وهذا الحديث متَّفقٌ على صِحَّته، أخرجاه في «الصَّحِيْحَين». والله أعلم.

 

فصْلٌ

وقد ظهر بهذا أنَّ التعمُّق والتنطُّع والتَّشديد الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المخالف لهَدْيه وهَدْي أصحابه، وما كانوا عليه. وأنَّ موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإنْ أباها مَنْ أباها، وجهلها مَنْ جهلها.

فالتعمُّق والتَّنطُّع: مخالفة ما جاء به، وتجاوزه، والغلوُّ فيه.

ويقابِلُهُ: إضاعته، والتَّفريط فيه، والتَّقصير عنه. وهما خطأٌ وضلالةٌ، وانحرافٌ عن الصَّراط المستقيم والمنهج القويم. ودين الله بين الغالي فيه والجافي عنه.

وقد قال علي بن أبي طالبٍ: «خير النَّاس النَّمط الأوسط؛ الذي يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التَّالي». ذكره ابن المبارك عن محمد ابن طلحة عن عليٍّ.

وقال ابن عائشة: «ما أمر الله عباده بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غلوٍّ، وإمَّا إلى تقصير».

وقال بعض السَّلف: «دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه».

وقد مَدَح تعالى أهل التَّوسُّط بين الطَّرَفين المنْحَرِفَيْن في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان/67]. وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء/29]. وقال: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء/26].

فمَنْعُ ذي القُرْبى والمسكين وابن السَّبيل حقَّهُم انحرافٌ في جانب الإمساك، والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانب البَذْل، ورضا الله فيما بينهما؛ ولهذا كانت هذه الأمَّة أوسط الأُمم، وقبلتها أوسط القِبَل بين القِبْلَتَيْن المنحَرِفَتَيْن، والوسط دائمًا محميٌّ بالأطراف، فالخَلَل إليها أسرع، كما قال الشَّاعر:

كانت هي الوسط المحْمِي فاكتَنَفَتْ … بها الحوادث حتَّى أصبحَتْ طَرَفَا

فقد اتَّفق شرع الرَّب تعالى وقدره على أنَّ خيار الأمور أوساطها.

وأمَّا قولهم: إنَّ محبَّة الصَّحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولصوته وقراءته يحملهم على احتمال إطالته، فلا يجدون لها مشقَّةً= فلعمر الله إنَّ الأمر كما ذكروه، بل حبُّهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه، وعلى وقاية نَفْسِه الكريمة بنفوسهم؛ فكانوا يتقدَّمون إلى الموت بين يَدَيْه تقدُّم المحبِّ إلى رضا محبوبه.

ولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة، لا تأخذهم في متابعة سُنَّته لومة لائمٍ، ولا يثنيهم عنها عذْلُ عاذلٍ، فهم يحتملون في متابعته والاهتداء بهَدْيِه لوم اللَّائمين وطعن الطَّاعنين ومعاداة الجاهلين، الذين رضوا من سُنَّته بآراء الرجال بدلًا، وتمسَّكُوا بها، فلا يبغون عنها حِوَلًا، وعرضوا عليها نصوص السُّنَّة والقرآن عرض الجيوش على السُّلطان، فما وافقها قبلوه، وما خالفها تلطَّفُوا في ردِّه بأنواع التَّأويل. فمرَّةً يقولون: هذا متروك الظَّاهر، ومرَّةً يقولون: لا يُعْلَم به قائلٌ، ومرَّةً يقولون: هو منسوخٌ، ومرَّةً يقولون: متبوعنا أعلم به مِنَّا، وما خالفه إلَّا وقد صحَّ عنده ما يقتضي مخالفته.

فأَتْبَاعُه في مجاهدة هذه الفِرَق دائبون، وعلى متابعة سُنَّته دائرون، فإن كان قد غاب عن أعينهم شخصه الكريم فقد شاهدوا ببصائرهم ما كان عليه الهَدْي المستقيم.

 

فصْلٌ

فهاك سياق صلاته - صلى الله عليه وسلم -، من حين استقباله القبلة وقوله: «الله أكبر» إلى حين سلامه، كأنَّك تشاهده عيانًا، ثم اختر لنفسك بعدُ ما شئت.

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصَّلاة واستقبل القِبْلة ووقف في مصلَّاه= رفع يَدَيْه إلى فروع أُذُنَيه، واستقبل بأصابعه القبلة ونشرها، وقال: «الله أكبر».

ولم يكن يقول قبل ذلك: نَوَيْتُ أصلِّي كذا وكذا، مستقبل القبلة، أربع ركعاتٍ، فريضة الوقت، أداءً لله تعالى، إمامًا أو مأمومًا! ولا كلمةً واحدةً من ذلك في مجموع صلاته من أوَّلها إلى آخرها؛ فقد نَقَل عنه أصحابه حركاته وسكناته وهيئاته، حتى اضطراب لحيته في الصَّلاة، حتى إنَّه حَمَل بنت ابنته مرَّةً في الصَّلاة، فنقلوه ولم يهملوه. فكيف يتَّفق مَلَؤُهُم ـ من أوَّلهم إلى آخرهم ـ على ترك نقل هذا المهمِّ، الذي هو شِعَار الدُّخول في الصَّلاة؟ ولعمر الله لو ثبت عنه من هذا كلِّه كلمة واحدة لكُنَّا أول من اقتدى به فيها، وبادر إليها.

ثم كان يمسك شماله بيمينه، فيضعها عليها فوق المِفْصَل، ثم يضعهما على صَدْرِه، ثُمَّ يقول: «سبحانك اللَّهُم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك».

وكان أحيانًا يقول: «اللَّهم باعِد بيني وبين خطاياي كما باعَدْت بين المشرق والمغرب، اللَّهُمَّ نَقِّنِي من خطايَاي كما يُنَقَّى الثَّوب الأبيض من الدَّنَس، اللَّهُمَّ اغسل خطايايَ بالماء والثَّلْج والبَرَد».

وكان يقول أحيانًا: «وجَّهْتُ وجهي للَّذي فَطَر السَّماوات والأرض، حنيفًا، وما أنا من المشركين، {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام/162 - 163]. اللَّهُمَّ أنت الملك، لا إله إلَّا أنت، أنت ربِّي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرف عنِّي سيِّئَها، لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت، لبَّيْكَ وسَعْدَيْك والخير كلُّه في يَدَيك، والشَّرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعالَيْت، استغفرك وأتوب إليك». ولكن هذا إنَّما حُفِظ عنه في صلاة اللَّيل.

وربَّما كان يقول: «الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الحمد لله كثيرًا، الحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا».

ورُبَّما كان يقول: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلَّا أنت، لا إله إلَّا أنت، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده، سبحان الله وبحمده».

ثُمَّ يقول: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم»، ورُبَّما قال: «أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم، من نفْخِه ونفْثِه وهَمْزِه». ورُبَّما قال: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك من الشَّيطان الرَّجيم، وهَمْزِه ونفْخِه ونفْثِه».

ثم يقرأ فاتحة الكتاب، فإنْ كانت الصَّلاة جهرية أسْمَعَهُم القراءة، ولم يُسْمِعهم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»، فربُّه أعلم هل كان يقرؤها أم لا. و‌‌كان يقطِّع قراءته آيةً آيةً، ثُمَّ يقف على {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، ثم يبتديء {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، ويقف، ثُمَّ يبتديء {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. على ترسُّلٍ وتمهُّلٍ وترتيل، يمدُّ {الرَّحْمَنِ}، ويمُدُّ {الرَّحِيمِ}. وكان يقرأ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} بالألف.

وإذا ختم السُّورة قال: «آمين»، يجهر بها، ويمدُّ بها صوتَه، ويجهر بها مَنْ خلفه، حتى يرتجَّ المسجد.

واختلفت الرِّواية عنه، هل كان يسكت بين الفاتحة وقراءة السُّورة، أم كانت سكتته بعد القراءة كلِّها؛ فقال يونس عن الحسن عن سمرة: «حَفِظْتُ سكتتين، سكتةً إذا كبَّر الإمام حتى يقرأ، وسكتةً إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الرُّكوع»، وصدَّقَهُ أُبَيُّ بن كعبٍ على ذلك. ووافق يونسَ أشعثُ الحمراني عن الحسن فقال: «سكتة إذا استفتح، وسكتة إذا فرغ من القراءة كلِّها».

وخالفهما قتادة، فقال عن الحسن: أنَّ سمرة بن جندب وعمران بن الحصين تذاكرا، فحدَّث سمرة أنَّه حفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكتتين، سكتة إذا كبَّر، وسكتة إذا فرغ من قراءة {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقط، فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبا في ذلك إلى أُبيِّ بن كعب، فكان في كتابه إليهما: «أنَّ سمرة قد حفظ».

وقال قتادة أيضًا عن الحسن عن سمرة: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا دخل في الصَّلاة، وإذا فرغ من القراءة»، ثم قال بعد «وإذا قال {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}».

فقد اتَّفَقَت الأحاديث أنَّها سكتتان فقط: إحداهما: سكتة الاستفتاح، والثَّانية مختلف فيها؛ فالذي قال: إنَّها بعد قراءة الفاتحة هو قتادة، وقد اختلف عليه، فمرَّةً قال ذلك، ومرَّةً قال: «بعد الفراغ من القراءة». ولم يختلف على يونس وأشعث أنَّها بعد فراغه من القراءة كلِّها، وهذا أرجح الرِّوايتين. والله أعلم.

وبالجملة فلم يُنْقل عنه - صلى الله عليه وسلم - بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلَّا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيتَ. ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصَّحابة، ولكان معرفتهم به ونَقْلهم له أهم من سكتة الاستفتاح.

ثم يقرأ بعد ذلك سورةً، طويلةً تارةً، وقصيرةً تارةً، ومتوسِّطةً تارةً، كما تقدَّم ذِكر الأحاديث به. ولم يكن يبتدئ من وسط سورةٍ ولا من آخرها؛ وإنَّما كان يقرأ من أوَّلها، فتارةً يكملها، وهو أغلب أحواله، وتارةً يقتصر على بعضها، ويكملها في الرَّكعة الثانية.

ولم ينقل أحدٌ عنه أنَّه قرأ بآيةٍ من سورةٍ أو بآخرها إلَّا في سُنَّة الفجر؛ فإنَّه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة/136] الآية، و {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران/64] الآية.

وكان يقرأ بالسُّورة في الرَّكعة، وتارةً يعيدها في الرَّكعة الثَّانية، وتارةً يقرأ بسورتين في ركعةٍ. أمَّا الأوَّل: فكقول عائشة: «إنَّه قرأ في المغرب بالأعراف، فرَّقها في الرَّكعتين».

وأمَّا الثَّاني: فقراءته في الصُّبح {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة/1] في الرَّكعتين كِلْتَيهما. والحديثان في «السُّنن».

وأمَّا الثَّالث: فكقول ابن مسعود: «لقد عَرَفتُ النَّظائر التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرن بينها». فذكر عشرين سورةً من المفصَّل، سورتين في ركعةٍ. وهذا في «الصَّحيحَين».

وكان يمدُّ قراءة الفجر ويطيلها أكثر من سائر الصَّلوات، وأقصر ما حُفِظ عنه أنَّه قرأ به فيها في الحَضَر {ق} ونحوها.

وكان يجهر بالقراءة في الفجر، وفي الأُولَيَين من المغرب والعشاء، ويُسِرُّ فيما سوى ذلك. وربَّما كان يُسْمِعُهم الآية في صلاة السِّرِّ أحيانًا.

وكان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة {الم (1) تَنْزِيلُ} السَّجدة، و {هَلْ أَتَى} [الإنسان/1] كاملتين. ولم يقتصر على إحداهما، ولا على بعض هذه وبعض هذه قط.

وكان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. ورُبَّما كان يقرأ بسورة الأعلى والغاشية.

وكان يقرأ في العيدين بسورة {ق} و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ} [القمر/1] كاملتين، ولم يقتصر على أواخرهما يومًا من الدَّهر. وكان يقرأ في صلاة السِّرِّ بسورةٍ فيها السَّجدة أحيانًا، فيسجد للسَّجدة ويسجد معه مَنْ خَلْفه.

وكان يقرأ في الظُّهر قدر {الم (1) تَنْزِيلُ} السَّجدة، ونحو ثلاثين آية. ومرَّةً كان يقرأ فيها بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى/1]، و {اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [اللَّيل/1] و {السَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ} [البروج/1] و {السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق/1]، ونحوها من السُّور. ومرةً بلقمان والذَّاريات. وكان يقوم في الرَّكعة الأولى منها حتى لا يُسْمَع وقعُ قَدَمٍ.

وكذلك كان يطيل الرَّكعة الأولى من كُلِّ صلاةٍ على الثَّانية. وكانت قراءته في العصر في الرَّكعتين الأُوْلَيَيْن في كُلِّ ركعة قدر خمس عشرة آية، وكان يقرأ في المغرب بالأعراف تارةً، وبالطُّور تارةً، والمرسلات تارةً، وبالدُّخان تارةً.

ورُوِيَ عنه أنَّه قرأ فيها بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون/1] و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص/1] انفرد به ابن ماجه. ولعلَّ أحد رواته وهم من قراءته بهما في سُنَّة المغرب، فقال: «كان يقرأ بهما في المغرب». أوسَقَطَت «سُنَّة» من النُّسْخة. فالله أعلم.

وكان يقرأ في عشاء الآخرة بـ {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين/1]، وسورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق/1]، ويسجد فيها، ويسجد معه جميع مَنْ خَلْفَه، وبـ {الشَّمْسِ وَضُحَاهَا} [الشمس/1]، ونحو ذلك من السُّور.

وكان إذا فَرَغ من القراءة سَكَت هُنَيْئةً؛ لتراجع إليه نَفَسُه.

 

فصْلٌ

ثُمَّ كان يرفع يَدَيه إلى أنْ يحاذي بهما فروع أُذُنَيْه، كما رفعهما في الاستفتاح، صحَّ عنه ذلك كما صحَّ التَّكبير للرُّكوع، بل الذين رَوَوْا عنه رفع اليَدَين ههنا أكثر من الذين رَوَوْا عنه التَّكبير.

ثُمَّ يقول: «الله أكبر»، ويخرُّ راكعًا، ويَضَع يديه على ركبتيه، فيمكِّنُهُما من ركبتيه، وفرَّج بين أصابعه، وجافى مِرْفَقَيه عن جَنْبَيه، ثُمَّ اعتدل، وجعل رأْسَه حِيَال ظهره، فلم يرفع رأْسَه ولم يصوِّبْه، وهَصَر ظهره، أي: مَدَّه ولم يجمعه.

ثُمَّ قال: «سبحان ربِّي العظيم». ورُوِيَ عنه أنَّه كان يقول: «سبحان ربِّي العظيم وبحمده». قال أبوداود: «وأخاف أنْ لا تكون هذه الزِّيادة محفوظةً». وربَّما مكث قدر ما يقول القائل عشر مرَّات، وربَّما مَكَث فوق ذلك ودونه.

وربَّما قال: «سبحانك اللَّهم ربَّنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي». وربَّما قال: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكة والرُّوح». وربَّما قال: «اللَّهم لك رَكَعت، وبك آمنتُ، ولك أسلمت، وعليك توكَّلْت، أنت ربِّي، خشع قلبي، وسمعي، وبصري، ودمي، ولحمي، وعظمي، وعصبي، لله ربِّ العالمين». وربَّما كان يقول: «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ، والكِبرياءِ، والعَظَمة». وكان ركوعه مناسبًا لقيامه في التَّطويل والتَّخفيف. وهذا بيِّنٌ في سائر الأحاديث.

 

فصْلٌ

ثم كان يرفع رأسه، قائلًا: «سمع الله لمن حمده»، ويرفع يَدَيه كما رفعهما عند الركوع.

فإذا اعتدل قائمًا قال: «ربَّنا ولك الحمد». وربَّما قال: «ربَّنا لك الحمد»، وربَّما قال: «اللَّهم ربَّنا لك الحمد، ملءَ السَّموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَّد». وربَّما زاد على ذلك: «اللَّهم طهِّرني بالثَّلج والبَرَد والماء البارِد، اللَّهم طهِّرني من الذُّنُوب والخطايا كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الوَسَخ».

وكان يُطِيْل هذا الرُّكن حتَّى يقول القائل: «قد نَسِي». وكان يقول في صلاة اللَّيل فيه: «لربِّي الحمد، لربِّي الحمد».

 

فصْلٌ

ثُمَّ يكبِّرُ ويخرُّ ساجدًا، ولا يرفع يَدَيه، وكان يَضَع رُكْبَتَيه قبل يَدَيه، هكذا قال عنه وائل بن حجر، وأنس بن مالك.

وقال عنه ابن عمر: «إنَّه كان يضعُ يَدَيه قبل رُكْبَتَيه».

واختُلِفَ على أبي هريرة، ففي «السُّنَن»، عنه، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجد أحدُكُم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يَدَيه قبل رُكْبَتَيه».

وروى عنه المقبري عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سجد أحَدُكم فليبدأ برُكْبَتَيْه قبل يَدَيْه». فأبو هريرة قد تعارضت الرِّواية عنه، وحديث وائل وابن عمر قد تعارَضَا.

فرجَّحَت طائفةٌ حديث ابن عمر، ورجَّحَت طائفةٌ حديث وائل بن حجرٍ، وسَلَكت طائفةٌ مسلك النَّسخ، وقالت: كان الأمر الأوَّل وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين، ثم نُسِخ بوضع الرُّكبتين أولًا. وهذه طريقة ابن خزيمة قال: «ذكر الدَّلائل على أنَّ الأمر بوضع اليَدَين عند السجود منسوخٌ؛ وأنَّ وضْعَ الرُّكبتين قبل اليَدَين ناسخٌ». ثُمَّ روى من طريق [إبراهيم بن إسماعيل] بن يحيى بن سلمة بن كهيل [حدَّثني أبي] عن أبيه عن سلمة عن مصعب بن سعد قال: «كُنَّا نَضَع اليَدَين قبل الرُّكْبَتين، فأُمِرْنا بالرُّكبتين قبل اليَدَين».

وهذا لو ثَبَت لكان فيه الشِّفاء، لكن يحيى بن سلمة بن كهيل قال البخاريُّ: «عنده مناكير»، وقال ابن معين: «ليس بشيءٍ، لا يُكْتَب حديثه»، وقال النَّسائي: «متروك الحديث».

وهذه القِصَّة ممَّا وُهِّمَ فيها يحيى أوغيره، وإنَّما المعروف عن مصعب بن سعد عن أبيه نسخ التَّطبيق في الرُّكوع بوضع اليَدَين على الرُّكبتين، فلم يحفظ هذا الرَّاوي، وقال: «المنسوخ وضع اليَدَين قبل الرُّكبتين».

قال السَّابقون باليَدَين: قد صحَّ حديث ابن عمر؛ فإنَّه من رواية عبيدالله عن نافع عنه. قال ابن أبي داود: «وهو قول أهل الحديث».

قالوا: وهم أعلم بهذا من غيرهم؛ فإنَّه نقلٌ محضٌ.

قالوا: وهذه سُنَّةٌ رواها أهل المدينة، وهم أعلم بها من غيرهم.

قال ابن أبي داود: ولهم فيها إسنادان: أحدهما: محمد بن عبدالله ابن حسن عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة. والثَّاني: الدَّراوردي عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر.

قالوا: وحديث وائل بن حُجْر له طريقان، وهما معلولان، في إحداهما شريكٌ، تفرَّد به. قال الدَّارقطنيُّ: «وليس بالقويِّ فيما يتفرَّدُ به».

والطَّريق الثَّاني: من رواية عبدالجبار بن وائل عن أبيه، ولم يسمع منه.

قال السَّابقون بالرُّكبتين: حديث وائل بن حُجْر أثبت من حديث أبي هريرة وابن عمر. قال البخاريُّ: «حديث أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة= لا يُتَابَع عليه محمد بن عبدالله بن الحسن». قال: «ولا أدري سمع من أبي الزِّناد أم لا؟».

وقال الخطَّابيُّ: «حديث وائل بن حُجْر أثبت منه». قال: «وزَعَم بعض العُلماء أنَّه منسوخٌ؛ ولهذا لم يحسِّنه التِّرمذي، وحكم بغرابته، وحسَّن حديث وائلٍ».

قالوا: وقد قال في حديث أبي هريرة: «لا يبرك كما يبرك البعير»، والبعير إذا برك بدأ بيَدَيه قبل ركبتيه، وهذا النَّهْي لا يمانِعُ قوله: «وليضع يَدَيه قبل ركبتيه»، بل ينافيه. ويدلُّ على أنَّ هذه الزِّيادة غير محفوظةٍ، ولعلَّ لفظها انقلب على بعض الرِّواة.

قالوا: ويدلُّ على ترجيح هذا أمران آخران:

أحدهما: ما رواه أبوداود، من حديث ابن عمر: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أنْ يعتمد الرجل على يَدَيه في الصَّلاة». وفي لفظٍ: «نهى أن يعتمد الرَّجل على يَدَيْه إذا نَهَض في الصَّلاة».

ولا ريب أنَّه إذا وضع يَدَيه قبل رُكْبَتيه اعتمد عليهما، فيكون قد أوقع جُزْءًا من الصَّلاة معتمِدًا على يَدَيه بالأرض. وأيضًا فهذا الاعتماد في السُّجود نظير الاعتماد في الرَّفع منه سواء؛ فإذا نهى عن ذلك كان نظيره كذلك.

الثَّاني: أنَّ المصلِّي في انحطاطه ينحطُّ منه إلى الأرض الأقرب إليها أوَّلًا، ثُمَّ الذي مِنْ فَوْقِهِ، ثُمَّ الذي مِنْ فَوْقِهِ، حتى ينتهي إلى أعلى ما فيه، وهو وجهه، فإذا رفع رأسه من السُّجود ارتفع أعلى ما فيه أوَّلًا، ثُمَّ الذي دونه، ثُمَّ الذي دونه، حتى يكون آخر ما يرتفع منه ركبتاه. والله أعلم.

 

فصْلٌ

ثم كان يسجد على جبهته وأنفه ويَدَيه ورُكْبَتيه وأطراف قَدَمَيه، ويستقبل بأصابع يَدَيه ورِجْلَيه القبلة. وكان يعتمد على إلْيَتَي كَفَّيْه، ويرفع مِرْفَقيه، ويجافي عضديه عن جَنْبَيه، حتى يبدو بياض إبْطَيْه، ويرفع بطنه عن فَخِذَيه، وفخِذَيه عن ساقيه، ويعتدل في سجوده، ويمكِّن وجهه من الأرض مباشرًا به للمصلَّى، غير ساجدٍ على كور العمامة.

قال أبوحُمَيْد السَّاعدي ـ وعشرة من الصَّحابة يسمعون كلامه ـ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصَّلاة اعتدل قائمًا، ورفع يَدَيه حتَّى يحاذي بهما مِنْكَبَيه، فإذا أراد أنْ يركع رفع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيه، ثُمَّ قال: «الله أكبر»، فركع ثُمَّ اعتدل، فلم يصوِّب رأسه ولم يُقْنِعه، ووضع يَدَيه على ركبتيه، ثُمَّ قال: «سمع الله لمن حمده»، ثُمَّ رفع واعتدل، حتى رجع كُلُّ عظمٍ في موضعه، معتدلًا، ثُمَّ هوى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثُمَّ جافى وفتح عضدَيْه عن بطنه، وفتح أصابع رِجْلَيه، ثُمَّ ثَنَى رِجْله اليُسْرى، وقعد عليها، واعتدل، حتى يرجع كُلُّ عظمٍ موضعه معتدلًا، ثُمَّ هَوَى ساجدًا، وقال: «الله أكبر»، ثم ثَنَى رجله وقعد عليها، حتى يرجع كُلُّ عضوٍ إلى موضعه، ثُمَّ نَهَض فصنع في الركعة الثَّانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السَّجْدَتين كبَّر ورَفَع يَدَيه حتى يحاذي بهما مَنْكِبَيْه، كما صَنَع حين افتتح الصَّلاة، ثُمَّ صنع كذلك، حتى إذا كانت الرَّكعة التي تنقضي فيها الصَّلاة أخَّر رِجْلَه اليُسرى، وقعد على شِقِّه متورِّكًا، ثُمَّ سلَّم».

وكان يقول في سجوده: «سبحان ربِّي الأعلى». ورُوِيَ أنَّه كان يزيد عليها: «وبحمده».

وربَّما قال: «اللَّهم لك سجدتُّ، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للَّذي خلقه، وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين».

وكان يقول أيضًا: «سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، اللَّهم اغفر لي».

وكان يقول: «سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلَّا أنت».

وكان يقول: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكة والرُّوح».

وكان يقول: «اللَّهم اغفر لي ذنبي كُلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأوَّله وآخره، وعلانيته وسِرَّه».

وكان يقول: «اللَّهم إنِّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».

وكان يجعل سجوده مناسبًا لقِيامه، ثُمَّ يرفع رأسه قائلًا: «الله أكبر»، غير رافعٍ يَدَيه، ثُمَّ يفرش رِجْله اليُسرى، ويجلس عليها، وينصب اليُمْنى، ويضع يَدَيه على فخذيه، ثُمَّ يقول: «اللَّهُم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، واهدني، وارزقني». وفي لفظٍ: «وعافني» بدل: «واجبرني». هذا حديث ابن عباس. وقال حذيفة: كان يقول بين السَّجدَتَين: «ربِّ اغفر لي». والحديثان في «السُّنن».

وكان يُطِيل هذه الجلسة حتى يقول القائل: «قد أوهم»، أو «قد نسي».

 

فصْلٌ

ثُمَّ يكبِّر ويسجد، غير رافع يَدَيه، ويصنع في الثَّانية كما صنع في الأولى، ثُمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، وينهض على صدور قَدَمَيه، معتمدًا على رُكْبَتيه وفَخِذيه.

وقال مالك بن الحويرث: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان في وترٍ من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا». فهذه تُسَمَّى جلسة الاستراحة، ولا ريب أنَّه - صلى الله عليه وسلم - فعلها، ولكن هل فَعَلها على أنَّها من سنن الصَّلاة وهيئاتها كالتَّجافي وغيره، أو لحاجته إليها لما أسنَّ وأخذه اللَّحم؟ وهذا الثَّاني أظهر؛ لوجهين:

أحدهما: أنَّ فيه جمعًا بينه وبين حديث وائل بن حجر، وأبي هريرة: «أنَّه كان ينهض على صدور قدميه».

الثَّاني: أنَّ الصَّحابة الذين كانوا أحرص النَّاس على مشاهدة أفعاله وهيْئات صلاته كانوا ينهضون على صدور أقدامهم؛ فكان عبدالله بن مسعود يقوم على صُدُور قدميه في الصَّلاة، ولايجلس. رواه البيهقي عنه. ورواه عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزُّبير، وأبي سعيد الخدري، من رواية عطيَّة العوفي عنهم، وهو صحيحٌ عن ابن مسعودٍ.

ولم يكن يرفع يَدَيه في هذا القيام. وكان إذا اسْتَتَمَّ قائمًا أخذ في القراءة، ولم يسكت، وافتتح قراءته بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. فإذا جلس في التَّشهد الأول جلس مفترشًا كما يجلس بين السَّجدتين، ويضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه السَّبَّابة، ووضع إبهامه على أصبعه الوسطى، كهيئة الحلقة، وجعل بصره إلى موضع إشارته، وكان يرفع إصبعه السَّبَّابة ويحنيها قليلًا، يوحِّدُ بها ربَّه - عز وجل -.

وذكر أبوداود، من حديث ابن عباسٍ عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «هكذا الإخلاص»، يشير بإصبعه التي تلي الإبهام، «وهكذا الدُّعاء»، فرفع يَدَيه حذو مَنْكِبَيه، «وهكذا الابتهال»، فرفع يَدَيه مدًّا. وقد رُوِي موقوفًا.

ثُمَّ كان يقول: «التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السَّلام عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السَّلام علينا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله».

وكان يعلِّمُه أصحابه، كما يعلِّمُهُم القرآن، وكان أيضًا يقول: «التَّحيَّات المباركات الصَّلوات الطَّيبات لله». هذا تشهُّد ابن عباسٍ، والأوَّل تشهُّد ابن مسعودٍ، وهو أكمل؛ لأنَّ تشهد ابن مسعود يتضمَّن جُمَلًا متغايرةً، وتشهُّد ابن عباسٍ جملةٌ واحدةٌ. وأيضًا فإنَّه في «الصَّحِيحَين»، وفيه زيادة الواو، وكان يعلِّمهم إيَّاه كما يعلِّمُهُم القرآن.

ورَوَى ابن عمر عنه: «التَّحيَّات لله الصَّلوات الطَّيِّبات». وفيه أنواع أُخَر، كُلُّها جائزةٌ.

وكان يخفِّف هذه الجلسة، حتى كأنَّه جالسٌ على الرَّضَف. وهي: الحجارة المُحْمَاة، ثُمَّ يكبِّر وينهض، فيصلِّي الثَّالثة والرَّابعة، ويخفِّفُهما عن الأُوْلَيَين، وكان يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب، ورُبَّما زاد عليها أحيانًا.

 

فصْلٌ

وكان إذا قَنَت لقومٍ أو على قومٍ يجعل قنوتَه في الرَّكعة الأخيرة، بعد رفع رأسه من الرُّكوع، وكان أكثر ما يفعل ذلك في صلاة الصُّبح.

وقال حميد عن أنسٍ: «قَنَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا بعد الركوع في صلاة الصُّبح، يدعو على رِعْلٍ وذَكْوَان». وقال ابن سيرين: قلتُ لأنسٍ: قَنَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الصُّبح؟ قال: «نعم، بعد الركوع يسيرًا». وقال ابن سيرين عن أنسٍ: «قَنَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا بعد الركوع في صلاة الفجر، يدعو على عُصَيَّة». متَّفقٌ على هذه الأحاديث.

فهؤلاء أعلم النَّاس بأنسٍ قد حَكَوا عنه أنَّ قنوته كان بعد الركوع، وحُمَيدٌ هو الذي روى عن أنسٍ أنَّه سُئِل عن القُنُوت فقال: «كُنَّا نقنت قبل الركوع وبعده». والمراد بهذا القُنُوت طول القيام.

وقد أخبر أبوهريرة مثل ما أخبر به أنسٌ سواء، أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَنَت بعد الركوع لمَّا قال: «سمع الله لمن حمده» قال قبل أنْ يسجد: «اللَّهم نَجِّ عيَّاش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، والمستضعفين من المؤمنين». متَّفقٌ عليه.

وقال ابن عمر: إنَّه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: «اللَّهمَّ العن فلانًا وفلانًا» بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». فقد اتَّفقت الأحاديث أنَّه قَنَت بعد الركوع، وأنَّه قَنَت لعارضٍ، ثُمَّ تَرَكه.

ثم قال أنسٌ: «القنوت في المغرب والفجر». رواه البخاري.

وقال البراء: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الفجر والمغرب». رواه مسلمٌ.

وقَنَت أبوهريرة في الركعة الأخيرة من الظهر، وعشاء الآخرة، وصلاة الصُّبح، بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده» يدعو للمؤمنين، ويلعن الكُفَّار، وقال: «لأُقَرِّبَنَّ بكم صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». ذكره البخاري. وقال أحمد: «وصلاة العصر» مكان «صلاة العشاء».

وقال ابن عباسٍ: «قَنَت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرًا متتابعًا، في الظُّهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبح، في دُبُر كُلِّ صلاةٍ، إذا قال: «سمع الله لمن حمده» من الرَّكعة الأخيرة، يدعو على حيٍّ من بني سُلَيمٍ، ويؤمِّن مَنْ خَلْفَه». ذكره أحمد، وأبوداود.

وقد اتَّفقت الأحاديث كما تَرَى على أنَّه في الرَّكعة الأخيرة بعد الرُّكوع، وأنَّه عارِضٌ لا راتِبٌ.

وفي «صحيح مسلمٍ»، عن أنسٍ: «قَنَت شهرًا يدعو على أحياء من أحياء العرب، ثُمَّ تَرَكه». وعند الإمام أحمد: «قَنَت شهرًا ثُمَّ تَرَكه».

وقال أبومالكٍ الأشجعي: قلت لأبي: يا أبتِ، إنَّك قد صلَّيْتَ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ بالكوفة ههنا قريبًا من خمس سنين= أكانوا يقنتون؟ قال: أيْ بُنَيَّ، إنَّه محْدَثٌ. قال التِّرمذي: «هذا حديثٌ صحيحٌ».

ورواه النَّسائي، ولفظه: «صلَّيْتُ خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف أبي بكرٍ فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عمر فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عثمان فلم يقنت، وصلَّيْتُ خلف عليٍّ فلم يقنت»، ثُمَّ قال: «يا بُنَيَّ، بِدْعةٌ!».فمَنْ كره القُنُوت في الفجر احتجَّ بهذه الأحاديث، وبقول أنسٍ: «ثُمَّ تَرَكه».

قالوا: فهو منسوخٌ. ومن استحبَّه قبل الرُّكوع فحُجَّتُه الآثار عن الصَّحابة والتَّابعين بذلك.

قال أبوداود الطَّيالسي: حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة عن أبي رجاء عن أبي مغفل: «أنَّه قنت في الفجر قبل الركوع».

وقال مالكٌ: عن هشام بن عروة عن أبيه: «أنَّه كان يقنت في الفجر قبل الركوع».

وذكر أبوبكر ابن المنذر عن عمر بن عبدالعزيز: أنَّه كان يقنت قبل الركوع.

وقال أصْبَغ بن الفَرَج والحارث بن مسكين وابن أبي الغمر: حدَّثنا عبدالرحمن بن القاسم قال: سُئِلَ مالكٌ عن القنوت في الصُّبح، أيُّ ذلك أعجبُ إليك؟ قال: الذي أدركت النَّاس عليه، وهو أمر النَّاس القديم: القنوت قبل الركوع. قلتُ: أيُّ ذلك تأخذ به في خاصَّة نفسك؟ قال: القنوت قبل الركوع. قلتُ: فالقنوت في الوتر؟ قال: ليس فيه قنوتٌ.

 

فصلٌ

ومن استحبَّه بعد الرَّكوع فذهب إلى الأحاديث التي صرَّحَت بأنَّه بعد الركوع، وهي صِحاحٌ كُلُّها.

قال الأثرم: قلت لأبي عبدالله: يقول أحدٌ في حديث أنسٍ: «إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَنَت قبل الركوع» غير عاصم الأحول؟ قال: ما علمتُ أحدًا يقولُه غيره خالف عاصمًا.

قلتُ: هشام عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَنَت بعد الركوع»، والتَّيمي عن أبي مجلز عن أنس: «أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَنَت بعد الرُّكوع»، وأيُّوب عن محمَّدٍ قال: سألتُ أنسًا، وحنظلة السَّدوسي عن أنس، أربعة وجوهٍ.

قيل لأبي عبدالله: وسائر الأحاديث أليس إنَّما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كُلُّها، خِفَاف بن إيماء وأبو هريرة.

قلتُ لأبي عبدالله: فلِمَ ترخِّصُ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث بعد الركوع؟

فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلافهم فيه، فأمَّا في الفجر فبعد الركوع، والذي فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو القُنُوت في النَّوازل، ثُمَّ تَرَكَه، ففِعْله سُنَّةٌ، وتَرْكُه سُنَّةٌ، وعلى هذا دَلَّت جميع الأحاديث، وبه تتَّفِق السُّنَّة.

وقال عبدالله بن أحمد: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.

وقال إسحاق الحربيُّ: سمعت أباثورٍ يقول لأبي عبدالله أحمد ابن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبوعبدالله: إنَّما يكون القنوت في النَّوازل. فقال له أبوثورٍ: أيُّ نوازل أكبر من هذه النَّوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك فالقنوت.

وقال الأثرم: سألتُ أبا عبدالله عن القنوت في الفجر، فقال: نعم، في الأمر يحدث، كما قَنَت النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو على قومٍ. قلتُ له: ويرفع صوته؟ قال: نعم، ويؤمِّن مَنْ خلفه، كذلك فعل النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. قال: وسمعت أبا عبدالله يقول: القنوت في الفجر بعد الركوع.

وسمعتُه قال لَّما سُئِلَ عن القنوت في الفجر فقال: إذا نزل بالمسلمين أمرٌ قَنَت الإمام، وأمَّن مَنْ خلفه. ثُمَّ قال: مثل ما نزل بالنَّاس من هذا الكافر، يعني: بابك.

وقال عبدوس بن مالك العطَّار: سألت أبا عبدالله أحمد بن حنبل فقلت: إنِّي رجلٌ غريبٌ من أهل البصرة، وإنَّ قومًا قد اختلفوا عندنا في أشياء، وأحبُّ أنْ أعلم رأيك فيما اختلفوا فيه. قال: سَلْ عمَّا أحببت، قلتُ: فإنَّ بالبصرة قومًا يقنتون، كيف ترى في الصَّلاة خلف من يقنت؟ فقال: قد كان المسلمون يصلُّون خلف من يقنت، وخلف من لا يقنت، فإنْ زاد في القنوت حرفًا، أو دعا بمثل «إنَّا نستعينك»، أو «عذابك الجد»، أو «نحفد». فإنْ كنتَ في الصَّلاة فاقطعها.

 

فصْلٌ

وشرع لأمَّته أنْ يصلُّوا عليه في التَّشهُّد الأخير، فيقولوا: «اللَّهم صلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ، كما باركت على آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ».

وأَمَرَهم أنْ يتعوَّذُوا بالله من عذاب النَّار، وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدَّجَّال. وعَلَّم الصِّديِّق أنْ يدعو في صلاته: «اللَّهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، وإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلَّا أنت، فاغفرلي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنَّك أنت الغفور الرَّحيم».

وكان من آخر ما يقول بين التَّشهُّد والتَّسليم: «اللهُمَّ اغفر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أنت أعلم به منِّي، أنت المقدِّم وأنت المؤخِّر، لا إله إلَّا أنت».

ثُمَّ كان يسلِّم عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السَّلام عليكم ورحمة الله». وروى ذلك خمسة عشر صحابيًّا.

وكان إذا سلَّم قال: «أستغفر الله» ثلاثًا، «اللَّهُم أنت السَّلام ومنك السَّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام»، «لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كُلِّ شيءٍ قدير، اللَّهُم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ»، «لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إيَّاه، له النِّعمة وله الفضل وله الثَّناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدِّين ولو كره الكافرون».

وشَرَع لأمته التَّسبيح والتَّحميد والتَّكبير عقيب الصلاة.

وأمَرَ عقبة بن عامر أنْ يقرأ بالمعوِّذتين عقيب كلِّ صلاةٍ.

وروى عنه النَّسائي، من حديث أبي هريرة أنَّه قال: «من قرأ آية الكرسي عقيب كُلَّ صلاةٍ لم يمنعه من دخول الجِنَّة إلَّا أنْ يموت».

وكان يصلِّي قبل الظُّهر أربعًا، وبعدها ركعتين دائمًا، ولمَّا شُغِلَ عنهما يومًا صلَّاهما بعد العصر. ونَدَب إلى أربعٍ بعدها، فقال: «مَنْ حافظ على أربع ركعاتٍ قبل الظُّهر وأربع بعدها حرَّمَه الله على النَّار». قال الترمذي: «حديثٌ صحيحٌ».

ولم يُنْقَل عنه أنَّه كان يُصَلِّي قبل العصر حديثٌ صحيحٌ. وفي «السُّنن»، عنه أنَّه قال: «رحم الله امرأً صلَّى قبل العصر أربعًا».

وكان يصلِّي بعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الصُّبح ركعتين؛ فهذه اثنتا عشرة ركعة، سننًا راتبةً، والفرائض سبع عشرة ركعة.

وكان يصلِّي من اللَّيل عشر ركعاتٍ، وربما صلَّى اثنتي عشرة ركعة، ويوتر بواحدة. فهذه أربعون ركعة، كانت وِرْده دائمًا، الفرائضُ وسننُها، وقيام اللَّيل والوتر.

ولم يكن من سُنّته الدُّعاء بعد الصُّبح والعصر، وإنَّما كان من هَدْيه الدُّعاء في الصَّلاة، وقبل السَّلام منها، كما تقدَّم. والله أعلم.


الصلاة - ط عطاءات العلم (1/ 289 - 447)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله