من الأدلة على وجوب صلاة الجماعة

اسْتُدِل على وجوب الجماعة: بأن الجَمع بين الصَّلاتين شُرع في المطر لأجلْ تحصيل الجماعة، مع أن إحدى الصلاتين قد وقعتْ خارج الوقت، والوقت واجبٌ، فلو لم تكنِ الجماعةُ واجبة لما تُرِك لها الوقت الواجب.

اعْتُرِض على ذلك: بأن الواجبَ قد يسقط لغير الواجب، بل لغير المستحَبِّ، فإن شطر الصلاة يسقطُ لسفر الفُرْجة والحجارة، ويسقط غسلُ الرجلين لأجل لبس الخُفِّ، وغايتُهُ أن يكون مباحًا.

وهذا الاعتراضُ فاسدٌ؛ فإن فرض المسافر ركعتين، فلم يسقطِ الواجبُ لغيرِ الواجب، وأيضًا فإنه لا محذورَ في سقوط الواجب لأجل المباح، وليس الكلامُ في ذلك، وإنما المستحيلُ أن يُراعى في العبادة أمرٌ مستحبٌّ يتضمَّن فواتَ الواجب، فهذا هو الذي لا عهدَ لنا في الشريعة بمثله ألبتةَ، وبذلك خرج الجواب عن سقوط غسل الرجلين لأجل الخُفِّ.

واسْتُدِلَّ على وجوبها: بأن الله تعالى أمَرَ بها في صلاة الخوف التي هي محل التخفيف، وسقوط ما لا يسقطُ في غيرها، واحتمالُ ما لا يحتمل في غيرها، فما الظن بصلاة الآمنِ المقيم؟!

فاعْتُرِض على ذلك: بأن المقصودَ الاجتماعُ في صلاة الخوف، فقصد اجتماع المسلمين وإظهار طاعتهم وتعظيم شعار دينهم، ولاسيما حيث كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان المقصودُ أن يظهروا للعدوِّ طاعةَ المسلمين له، وتعظيمهم لشأنه، حتى إنهم في حال الخوف الذي لا يبقى أحد مع أحد يتَّبعونه ولا يتفرَّقون عنه ولا يفارقونه بحالٍ، وهذا كما جرى لهم في عُمْرة القضاء معه حتى قال عرْوَةُ بن مسعود: لقد وفَدْتُ على الملوك -كسرى وقيصر- فلم أرَ ملِكًا يعظِّمُهُ أصحابُة ما يُعَظِّمُ محمدًا أصحابُهُ.

والذي يدلُّ على هذا: أنا رأينا الجماعةَ تَسْقطُ عند المطر الذي يبلُّ النعال، فكان منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينادي: "ألا صَلّوا في رِحَالِكُمْ"، والجمعةُ تسقطُ بخشية فوات الخبز الذي في التَّنُور، مع كون الجماعة شرطًا فيها، وتسقطُ: خشية مصادفة غريمٍ يؤذيه. ومعلومٌ أن عذرَ الحرب ومواقَفَةَ الكفار أعظمُ من هذا كله، ومع هذا فأقيم شعارُها في تلك الحال، فدلَّ على أن المقصود ما ذكرنا.

قلت: ونحن لا ننكِرُ أن هذا مقصودٌ أيضًا مضمومٌ إلى مقصود الجماعة، فلا منافاةَ بينه وبين وجوبِ الجَماعة، بل إذا كان هذا أمرًا مطلوبًا فهو من أدلِّ الدلائل على وجوب الجماعة في تلك الحال، ومع أن هذا مقصود أيضًا في اجتماع المسلمين في الصلاة وراءَ إمامهم، وأسباب العبادات التي شرعت لأجلها لا يشرَطُ دوامُها في ثبوت تلك العبادات، بل تلك العباداتُ تستقرُّ وتدومُ، وإن زالت أسباب مشروعيَّتها. وهذا كالرَّمَل في الطَّواف والسَّعي بين الصَّفا والمروة.

ونظير هذا اعتراضهم على أحاديث الأمر بفسخ الحجِّ إلى العمرة، بأن المقصودَ بها الإعلام بجواز العُمرة في أشهر الحجِّ مخالفة للكفار. فقيل لهمك وهذا من أدلِّ الدلائل على استحبابه ودوام مشروعيته، فإن ما شُرِع من المناسك قصدًا لمخالفة الكفار فإنه دائمُ المشروعيَّة إلى يوم القيامة. كالوقوف: بعَرفة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - خالَفَهُم ووقف بها وكانوا يقفون بمُزْدلفة، فقال: "خَالَفَ هَدْينا هَدْيَ المُشْرِكينَ"، وكالدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قبلَ طلُوع الشَّمس، فإنهم كانوا لا يدفعون منها حتى تشرقَ الشمسُ، فَقَصَد مخالَفَتهم وصارت سنَّة إلى يوم القيامة، وهذه قاعدةٌ من قواعد الشرع: أنَّ الأحكامَ المشروعة لهذه الأسباب في الأصل لا يشترطُ في ثبوتها قيامُ تلك الأسباب؛ فلو كان ما ذكرتم من الأسباب في كون الجماعة مأمورًا بها في صلاة الخوف هو الواقعَ، لم يلزمْ مه سقوطُ الأمر بها عند زوال تلك الأسباب، وفَتحْ هذا الباب يفضي إلى إسقاطِ كثيرٍ من السُّنن، وذلك باطلٌ.


بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (3/ 1098 - 1101)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله