تفضيل النِّكاح على التَّخَلِّي لنوافل العِبادة

 

اسْتُدِل على تفضيل النِّكاح على التَّخَلِّي لنوافل العِبادة: بأن الله عز وجل اختار النكاحِ لأنبيائه ورسله، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً} [الرعد: 38] وقال في حق آدم: {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] واقتطع من زمن كليمهِ عشرَ سنينَ في رعاية الغنم مهر الزوجة، ومعلومٌ مقدارُ هذه السنينَ العشرِ في نوافل العبادات.

واختار لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضلَ الأشياء فلم يخْتَر له ترك النكاح؛ بل زوَّجه بتسعٍ فما فوقهن، ولا هَدْيَ فوقَ هديه.

ولو لم يكنْ فيه إلا سرورُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم المباهاة بأمَّتِهِ.

ولو لم يكن فيه إلا أنه بِصَدَدِ أنه لا ينقطعُ عملُهُ بموته.

ولو لم يكُنْ فيه إلّا أنه يخرجُ من صُلْبه من يشهدُ للهِ بالوحدانية ولرسوله بالرسالة.

ولو لم يكن فيه إلا غضُّ بصره، وإحصانُ فرجه عن التفاتِهِ إلى ما حرَّم اللهُ.

ولو لم يكن فيه إلا تحصينُ امرأةِ يُعِفُّها اللهُ به، ويُثيبُه على قضاء وَطَرِه ووَطَرِها، فهو في لَذاتِه وصحائفُ حسناته تتزايَدُ.

ولو لم يكنْ فيه إلا ما يُثابُ عليه من نفقته على امرأته وكسوتها ومسكنها ورفع اللُّقمة إلى فيها.

ولو لم يكن فيه إلا تكثيرُ الإسلام وأهله وغيظُ أعداء الإسلام.

ولو لم يكنْ فيه إلا ما يترتَّب عليه من العبادات التي لا تحصل للمُتخَلِّي للنوافل.

ولو لم يكن فيه إلا تعديلُ قوته الشَّهوانية الصَّارفة له عن تعلُّق قلبه بما هو أنفع له في دينه ودنياه، فإن تعلُّقَ القلب بالشَّهوة ومجاهدته عليها تصدُّه عن تعلّقِه بما هو أنفعُ له، فإن الهمَّة متى انصرفت إلى شيءٍ انصرفتْ عن غيره.

ولو لم يكن فيه إلا تعرضه لبناتٍ إذا صَبَر عليهن وأحسنَ إليهنَّ كُنَّ له سِترًا من النار.

ولو لم يكن فيه إلا أنه إذا قدَّم له فرَطين لم يبلغا الحِنْثَ أدخلَه الله يهما الجنَّةَ.

ولو لم يكن فيه إلا استجلابُه عونَ الله له فإن في الحديث المرفوع: "ثَلاثَةٌ حَقٌّ علَى اللهِ عَوْنُهُمْ: النَّاكحُ يُريدُ العَفَافَ، وَالمُكَاتِبُ يُرِيد الأَدَاءَ، وَالمُجَاهِدُ".


بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (3/ 1097 - 1098)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله