ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من السياسة الشرعية

 

وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده ما هو معروف لمن طلبه.

فمن ذلك: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - حرَّق اللوطية، وأذاقهم حر النار في الدنيا قبل الآخرة. وكذلك قال أصحابنا: إذا رأى الإمام تحريق اللوطي فله ذلك. فإن خالد بن الوليد - رضي الله عنه - كتب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - "أنه وجد في بعض ضواحي العرب رجلًا يُنكح كما تنكح المرأة" فاستشار الصديق - رضي الله عنه - أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وكان أشدهم قولًا، فقال: "إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم إلا واحدة، فصنع الله بهم ما قد علمتم، أرى أن يحرقوا بالنار، فأجمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يحرقوا بالنار. فكتب أبو بكر الصديق إلى خالد - رضي الله عنهما - أن يحرقوا فحرقهم". ثم حرقهم عبد الله بن الزبير في خلافته. ثم حرقهم هشام بن عبد الملك.

وحرق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حانوت الخمار بما فيه. وحرق قرية يباع فيها الخمر.

وحرق قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب في قصره عن الرعية. فذكر الإمام أحمد - رضي الله عنه - في مسائل ابنه صالح: أنه دعا محمد بن مسلمة فقال: "اذهب إلى سعد بالكوفة، فحرّق عليه قصره، ولا تحدثن حدثًا حتى تأتيني" فذهب محمد إلى الكوفة، فاشترى من نبطي حزمة حطب، وشرط عليه حملها إلى قصر سعد، فلما وصل إليه ألقى الحزمة فيه، وأضرم فيها النار، فخرج سعد، فقال: "ما هذا؟ " قال: "عزمة أمير المؤمنين" فتركه حتى احترق. ثم انصرف إلى المدينة، فعرض عليه سعد نفقة، فأبى أن يقبلها، فلما قدم على عمر قال له: "هلّا قبلت نفقته؟ " فقال: "إنك قلت لا تحدثن حدثًا حتى تأتيني".

وحلق عمر رأس نصر بن حجاج، ونفاه من المدينة لتشبيب النساء به. وضرب صَبيغ بن عِسْل التميمي على رأسه، لما سأل عما لا يعنيه.

وصادر عماله، فأخذ شطر أموالهم لما اكتسبوها بجاه العمل، واختلط ما يختصون به بذلك، فجعل أموالهم بينهم وبين المسلمين شطرين.

وألزم الصحابة أن يُقلُّوا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما اشتغلوا به عن القرآن، سياسة منه، إلى غير ذلك من سياسته التي ساس بها الأمة - رضي الله عنه -.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ومن ذلك إلزامه للمطلق ثلاثًا واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة، وقد أشار هو إلى ذلك، فقال: "إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم؟ " فأمضاه عليهم ليقلوا منه، فإنهم إذا علموا أن أحدهم إذا أوقع الثلاث جملة واحدة وقعت عليه، وأنه لا سبيل له إلى المرأة: أمسك عن ذلك. فكان الإلزام به عقوبة منه لمصلحة رآها، ولم يكن يخفى عليه أن الثلاث كانت في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر كانت تجعل واحدة، بل مضى على ذلك صدر من خلافته، حتى أكثر الناس من ذلك، وهو اتخاذ لآيات الله هزوًا. كما في "المسند" و"النسائي" وغيرهما من حديث محمود بن لبيد: "أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أَيُلْعَبُ بكِتَابِ اللهِ وأَنا بَيْنَ أَظْهُركُمْ؟ " فقال رجل: ألا أضرب عنقه يا رسول الله؟ " فلما أكثر الناس من ذلك عاقبهم به. ثم إنه ندم على ذلك قبل موته، كما ذكره الإسماعيلي في "مسند عمر". فقلت لشيخنا: فهلا تبعت عمر في إلزامهم به عقوبة، فإن جمع الثلاث محرم عندك؟ فقال: أكثر الناس اليوم لا يعلمون أن ذلك محرم، ولا سيما والشافعي يراه جائزًا، فكيف يعاقب الجاهل بالتحريم.

قال: وأيضًا فإن عمر ألزمهم بذلك، وسد عليهم باب التحليل، وأما هؤلاء: فيلزمونهم بالثلاث، وكثير منهم يفتح لهم باب التحليل، فإنه لا بد للرجل من امرأته، فإذا علم أنها لا ترجع إليه إلا بالتحليل سعى في ذلك. والصحابة لم يكونوا يسوغون ذلك، فحصلت مصلحة الامتناع من الجمع من غير وقوع مفسدة التحليل بينهم.

قال: ولو علم عمر أن الناس يتتايعون في التحليل لرأى أن إقرارهم على ما كان عليه الأمر في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وصدر من خلافته أولى. وبسط شيخنا الكلام في ذلك بسطًا طويلًا.

قال: ومن ذلك منعه بيع أمهات الأولاد، وإنما كان رأيًا منه رآه للأمة، وإلا فقد بِعْنَ في حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومدة خلافة الصديق، ولهذا عزم علي بن أبي طالب على بيعهن، وقال: "إن عدم البيع كان رأيًا اتفق عليه هو وعمر"، فقال له قاضيه عبيدة السلماني: "يا أمير المؤمنين، رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك"، فقال: "اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف". فلو كان عنده نص من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتحريم بيعهن لم يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل: "إني رأيت أن يُبَعْن"

وَمِنْ ذَلِكَ: اخْتِيَارُهُ لِلنَّاسِ الْإِفْرَادَ بِالْحَجِّ، لِيَعْتَمِرُوا فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ؛ فَلَا يَزَالُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ مَقْصُودًا، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ، وَأَنَّهُ أَوْجَبَ الْإِفْرَادَ.

وَتَنَازَعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَكْثَرَ النَّاسِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاء. أَقُولُ لَكُمْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟". وَكَذَلِكَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانُوا إذَا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأَبِيهِ يَقُولُ: "إنَّ عُمَرَ لَمْ يُرِدْ مَا تَقُولُونَ" فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: "أَفَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا، أَمْ عُمَرُ؟".

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ سِيَاسَةٌ جُزْئِيَّةٌ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ، فَظَنَّهَا مَنْ ظَنَّهَا شَرَائِعَ عَامَّةً لَازِمَةً لِلْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

وَلِكُلٍّ عُذْرٌ وَأَجْرٌ وَمَنْ اجْتَهَدَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْأَجْرَيْنِ، وَهَذِهِ السِّيَاسَةُ الَّتِي سَاسُوا بِهَا الْأُمَّةَ وَأَضْعَافُهَا هِيَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.

وَلَكِنْ: هَلْ هِيَ مِنْ الشَّرَائِعِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمِنَةِ، أَمْ مِنْ السِّيَاسَاتِ الْجُزْئِيَّةِ التَّابِعَةِ لِلْمَصَالِحِ، فَتَتَقَيَّدُ بِهَا زَمَانًا وَمَكَانًا؟ وَمِنْ ذَلِكَ: جَمْعُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي أَطْلَقَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  الْقِرَاءَةَ بِهَا، لَمَّا كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً. فَلَمَّا خَافَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْقُرْآنِ، وَرَأَوْا أَنَّ جَمْعَهُمْ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ أَسْلَمُ، وَأَبْعَدُ مِنْ وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ: فَعَلُوا ذَلِكَ، وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِغَيْرِهِ. وَهَذَا كَمَا لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ عِدَّةُ طُرُقٍ إلَى الْبَيْتِ، وَكَانَ سُلُوكُهُمْ فِي تِلْكَ الطُّرُقِ يُوقِعُهُمْ فِي التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ، وَيُطْمِعُ فِيهِمْ الْعَدُوَّ، فَرَأَى الْإِمَامُ جَمْعَهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَتَرْكَ بَقِيَّةِ الطُّرُقِ: جَازَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إبْطَالٌ لِكَوْنِ تِلْكَ الطُّرُقِ مُوصِلَةً إلَى الْمَقْصُودِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَهْيٌ عَنْ سُلُوكِهَا لِمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ تَحْرِيقُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الزَّنَادِقَةَ الرَّافِضَةَ وَهُوَ يَعْلَمُ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ فِي قَتْلِ الْكَافِرِ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَى أَمْرًا عَظِيمًا جَعَلَ عُقُوبَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُوبَاتِ؛ لِيَزْجُرَ النَّاسَ عَنْ مِثْلِهِ. وَلِذَلِكَ قَالَ:

لَـمَّا رَأَيْت الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرًا    ...    أَجَّجْت نَارِي وَدَعَوْت قَنْبَرًا

وَقَنْبَرٌ غُلَامُهُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَوَارِدِهِ.

فَكُلُّهُمْ يَقُولُ بِجَوَازِ وَطْءِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ إذَا أُهْدِيَتْ إلَيْهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مِنْ الرِّجَالِ بِأَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الَّتِي عَقَدْت عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْطِقْ النِّسَاءَ أَنَّ هَذِهِ امْرَأَتُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ الْقَوِيَّةِ فَنَزَّلُوا هَذِهِ الْقَرِينَةَ الْقَوِيَّةَ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ النَّاسَ - قَدِيمًا وَحَدِيثًا - لَمْ يَزَالُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى قَوْلِ الصِّبْيَانِ الْمُرْسَلِ مَعَهُمْ الْهَدَايَا، وَأَنَّهَا مَبْعُوثَةٌ إلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُونَ أَقْوَالَهُمْ، وَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْمُرْسَلَ بِهِ، وَيَلْبَسُونَ الثِّيَابَ، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ وَطْئِهَا، وَلَمْ يَسْأَلُوا إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ؛ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الضَّيْفَ يَشْرَبُ مِنْ كُوزِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، وَيَتَّكِئُ عَلَى وِسَادِهِ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مِرْحَاضِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ بِاللَّفْظِ لَهُ، وَلَا يُعَدُّ بِذَلِكَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَطْرُقُ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَيَضْرِبُ حَلْقَتَهُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ، اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الْعُرْفِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِنْسَانِ مِمَّا لَا تَتْبَعُهُ هِمَّتُهُ، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْفَلْسِ وَالتَّمْرَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ مَا يَبْقَى فِي الْقَرَاحِ وَالْحَائِطِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ وَالثِّمَارِ بَعْدَ تَخْلِيَةِ أَهْلِهِ لَهُ وَتَسْيِيبِهِ وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْحَبِّ عِنْدَ الْحَصَادِ، وَيُسَمَّى اللَّقَاطَ، وَمِنْ ذَلِكَ: أَخْذُ مَا يَنْبِذُهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْخِرَقِ وَالْخَزَفِ وَنَحْوِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ -وَهُوَ الصَّوَابُ- أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ: إنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا وَلَا يَكْسُوهَا فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ؛ لِتَكْذِيبِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ لَهَا.

وَقَوْلُهَا فِي ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي نُدِينُ اللَّهَ بِهِ، وَلَا نَعْتَقِدُ سِوَاهُ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِإِنْفَاقِ الزَّوْجِ وَكِسْوَتِهِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي اعْتِمَادًا عَلَى الْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ وَبَقَاءِ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ.

فَكَيْفَ يُقَدَّمُ هَذَا الظَّنُّ الضَّعِيفُ عَلَى ذَلِكَ الْعِلْمِ الَّذِي يَكَادُ يَبْلُغُ الْقَطْعَ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الزَّوْجَةَ لَمْ يَكُنْ يَنْزِلُ عَلَيْهَا رِزْقُهَا مِنْ السَّمَاءِ، كَمَا كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَلَمْ تَكُنْ تُشَاهَدْ تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهَا تَأْتِي بِطَعَامٍ وَشَرَابٍ، وَالزَّوْجُ يُشَاهَدُ فِي كُلِّ وَقْتٍ دَاخِلًا عَلَيْهَا بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: " الْقَوْلُ قَوْلُهَا " وَيُقَدَّمُ ظَنُّ الِاسْتِصْحَابِ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْيَقِينِيِّ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ إذَا قَدَّمَ الطَّعَامَ إلَى الضَّيْفِ وَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَفْظًا، اعْتِبَارًا بِدَلَالَةِ الْحَالِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْقَطْعِ وَمِنْ ذَلِكَ: "إذْنُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَارِّ بِثَمَرِ الْغَيْرِ. أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَلَا يَحْمِلَ" اكْتِفَاءً بِشَاهِدِ الْحَالِ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِ حَائِطًا وَلَا نَاطُورًا.

وَمِنْ ذَلِكَ: جَوَازُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْأَقْرِحَةِ وَالْمَزَارِعِ الَّتِي عَلَى الطُّرُقَاتِ بِحَيْثُ لَا يَنْقَطِعُ مِنْهَا الْمَارَّةُ. وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِيهَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غَصْبًا لَهَا وَلَا تَصَرُّفًا مَمْنُوعًا.

وَمِنْ ذَلِكَ: الشُّرْبُ مِنْ الْمَصَانِعِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الطَّرَقَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّارِبُ إذْنَ أَرْبَابِهَا فِي ذَلِكَ لَفْظًا اعْتِمَادًا عَلَى دَلَالَةِ الْحَالِ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِيه، وَدَلَالَةَ الْحَالِ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَاهِدُ حَالٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ حِينَئِذٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ: الْقَضَاءُ بِالْأُجْرَةِ لِلْغَسَّالِ وَالْخَبَّازِ وَالطَّبَّاخِ وَالدَّقَّاقِ وَصَاحِبِ الْحَمَّامِ وَالْقَيِّمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ مَعَهُ عُقْدَةَ إجَارَةٍ، اكْتِفَاءً بِشَاهِدِ الْحَالِ وَدَلَالَتِهِ.

وَلَوْ اسْتَوْفَى هَذِهِ الْمَنَافِعَ وَلَمْ يُعْطِهِمْ الْأُجْرَةَ لَعُدَّ ظَالِمًا غَاصِبًا، مُرْتَكِبًا لِمَا هُوَ مِنْ الْقَبَائِحِ الْمُنْكَرَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: انْعِقَادُ التَّبَايُعِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ بِمُجَرَّدِ الْمُعَاطَاةِ، مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاضِي، الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: جَوَازُ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا مَحْضًا، وَهُوَ لَمْ يَقُلْ: " قَتَلْته عَمْدًا " وَالْعَمْدِيَّةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْقَلْبِ، فَجَازَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا، وَيُرَاقُ دَمُ الْقَاتِلِ بِشَهَادَتِهِ، اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، فَدَلَالَةُ الْقَرِينَةِ عَلَى التَّرَاضِي بِالْبَيْعِ.

مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ أَقْوَى. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِيمَا يُنْفِقُهُ عَلَى الْيَتِيمِ إذَا ادَّعَى مَا يَقْتَضِيه الْعُرْفُ، فَإِذَا ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.

وَهَكَذَا سَائِرُ مَنْ قُلْنَا "الْقَوْلُ قَوْلُهُ" إنَّمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُ شَاهِدُ الْحَالِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلِهَذَا يُكَذَّبُ الْمُودِعُ وَالْمُسْتَأْجِرُ، إذَا ادَّعَيَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ أَوْ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ هَلَكَتْ فِي الْحَرِيقِ، أَوْ تَحْتَ الْهَدْمِ، أَوْ فِي نَهْبِ الْعَيَّارِينَ وَنَحْوِهِمْ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ إلَّا إذَا تَحَقَّقْنَا وُجُودَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، فَأَمَّا إذَا عَلِمْنَا انْتِفَاءَهَا فَإِنَّا نَجْزِمُ بِكَذِبِهِمْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ.

وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ لِمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ، لِعِلْمِنَا بِكَذِبِ الزَّوْجَةِ فِي الْإِنْكَارِ، وَكَوْنِ الْأَصْلِ مَعَهَا مِثْلَ كَوْنِ الْأَصْلِ قَبُولَ قَوْلِ الْأُمَنَاءِ، إلَّا حَيْثُ يُكَذِّبُهُمْ الظَّاهِرُ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي تَدَاعِي الْعَيْبِ: هَلْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ أَوْ حَدَثَ عِنْد الْمُشْتَرِي؟ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ فَإِنْ احْتَمَلَتْ الْحَالُ صِدْقَهُمَا فَفِيهَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدَّعِي مَا يُسَوِّغُ فَسْخَ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ وَلُزُومِهِ، وَالْبَائِعَ يُنْكِرُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ مَنَعُوا سَمَاعَ الدَّعْوَى الَّتِي لَا تُشْبِهُ الصِّدْقَ، وَلَمْ يُحَلِّفُوا لَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، نَظَرًا إلَى الْأَمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ أَصْحَابَنَا وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ، جَوَّزُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يُلَاعِنَ امْرَأَتَهُ، فَيَشْهَدُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا مُؤَكِّدًا لِشَهَادَتِهِ بِالْيَمِينِ، إذَا رَأَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إلَيْهَا وَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهَا، نَظَرًا إلَى الْأَمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ فِي تَدَاعِي الزَّوْجَيْنِ، وَالصَّانِعِينَ لِمَتَاعِ الْبَيْتِ وَالدُّكَّانِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مِنْ يَدُلُّ الْحَالُ عَلَى صِدْقِهِ، وَالصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْيَدِ الْحِسِّيَّةِ، بَلْ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا.

وَلَوْ اعْتَبَرْنَاهَا لَاعْتَبَرْنَا يَدَ الْخَاطِفِ لِعِمَامَةِ غَيْرِهِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ وَآخَرُ خَلْفَهُ حَاسِرَ الرَّأْسِ وَنَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ هَذِهِ يَدٌ ظَالِمَةٌ عَادِيَةٌ، فَلَا اعْتِبَارَ لَهَا، وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ يَجْعَلُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ.

وَقَوْلُهُ هُوَ الرَّاجِحُ فِي الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ، فَكَأَنَّهُ نَاطِقٌ بِقَدْرِ الْحَقِّ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَثِيقَةً، وَلَا جُعِلَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشَّاهِدِ، فَدَلَالَةُ الْحَالِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا رَهَنَهُ عَلَى قِيمَتِهِ أَوْ مَا يُقَارِبُهَا، وَشَاهِدُ الْحَالِ يُكَذِّبُ الرَّاهِنَ إذَا قَالَ: رَهَنْت عِنْدَهُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى دِرْهَمٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الرِّكَازِ: إذَا كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لُقَطَةٌ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْكُفَّارِ فَهُوَ رِكَازٌ.

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً، جَازَ لَهُ ضَرْبُهَا إذَا حَرَنَتْ فِي السَّيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكَهَا وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إيدَاعُهَا فِي الْخَانِ، إذَا قَدِمَ بَلَدًا، وَأَرَادَ الْمُضِيَّ فِي حَاجَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْمُؤَجِّرَ فِي ذَلِكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ: إذْنُ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّارِ لِأَصْحَابِهِ وَأَضْيَافِهِ فِي الدُّخُولِ وَالْمَبِيتِ، وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْهُمْ عَقْدُ الْإِجَارَةِ، وَمِنْ ذَلِكَ: غَسْلُ الثَّوْبِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةَ إذَا اتَّسَخَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْمُؤَجِّرَ فِي ذَلِكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ وَكَّلَهُ غَائِبٌ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ مَلَكَ قَبْضَ ثَمَنِهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ لَفْظًا، وَمِنْ ذَلِكَ - وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ مَنْ نَازَعَ -: لَوْ رَأَى مَوْتًا بِشَاةِ غَيْرِهِ، أَوْ حَيَوَانِهِ الْمَأْكُولِ، فَبَادَرَ فَذَبَحَهُ لِيَحْفَظَ عَلَيْهِ مَالِيَّتَهُ كَانَ مُحْسِنًا، وَلَا سَبِيلَ عَلَى مُحْسِنٍ، وَإِنْ ضَمَّنَهُ فَقَدْ سَدَّ بَابَ الْإِحْسَانِ إلَى الْغَيْرِ فِي حِفْظِ مَالِهِ.

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ رَأَى السَّيْلَ يَقْصِدُ الدَّارَ الْمُؤَجَّرَةَ، فَبَادَرَ وَهَدَمَ الْحَائِطَ لِيُخْرِجَ السَّيْلَ وَلَا يَهْدِمَ الدَّارَ كُلَّهَا كَانَ مُحْسِنًا، وَلَا يَضْمَنُ الْحَائِطَ.

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ وَقَعَ الْحَرِيقُ فِي الدَّارِ، فَبَادَرَ وَهَدَمَهَا عَلَى النَّارِ، لِئَلَّا تَسْرِيَ لَمْ يَضْمَنْ.

وَمِنْهَا: لَوْ رَأَى الْعَدُوَّ يَقْصِدُ مَالَ غَيْرِهِ الْغَائِبِ، فَبَادَرَ وَصَالَحَهُ عَلَى بَعْضِهِ كَانَ مُحْسِنًا وَلَمْ يَضْمَنْ.

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ وَجَدَ هَدْيًا مُشْعَرًا مَنْحُورًا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا.

وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ اسْتَأْجَرَ غُلَامًا، فَوَقَعَتْ الْأَكَلَةُ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِهِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَقْطَعْهُ سَرَى إلَى نَفْسِهِ فَقَطَعَهُ، لَمْ يَضْمَنْهُ لِمَالِكِهِ.

وَمِنْهَا: لَوْ اشْتَرَى صُبْرَةَ طَعَامٍ فِي دَارِ رَجُلٍ، أَوْ خَشَبًا: فَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ دَارِهِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالرِّجَالِ مَنْ يُحَوِّلُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، مِمَّا جَرَى الْعَمَلُ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَنَزَلَ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ الصَّرِيحِ، اكْتِفَاءً بِشَاهِدِ الْحَالِ عَنْ صَرِيحِ الْمَقَالِ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تَرُدُّ حَقًّا، وَلَا تُكَذِّبُ دَلِيلًا، وَلَا تُبْطِلُ أَمَارَةً صَحِيحَةً. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالتَّثَبُّتِ وَالتَّبَيُّنِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّهِ جُمْلَةً؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ الْفَاسِقَ قَدْ يَقُومُ عَلَى خَبَرِهِ شَوَاهِدُ الصِّدْقِ.

فَيَجِبُ قَبُولُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ.

وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَأَمِنَهُ، وَدَفَعَ إلَيْهِ رَاحِلَتَهُ.

فَلَا يَجُوزُ لِحَاكِمٍ وَلَا لِوَالٍ رَدُّ الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ، وَظَهَرَتْ أَمَارَاتُهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ: اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَتَارَةً ثَلَاثَةً بِالنَّصِّ فِي بَيِّنَةِ الْمُفْلِسِ.

وَتَارَةً شَاهِدَيْنِ، وَشَاهِدًا وَاحِدًا، وَامْرَأَةً وَاحِدَةً، وَتَكُونُ نُكُولًا وَيَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيْمَانٍ.

وَتَكُونُ شَاهِدَ الْحَالِ فِي الصُّوَرِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرِهَا، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي" أَيْ: عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ مَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعْوَاهُ، فَإِذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ حُكِمَ لَهُ.


الطرق الحكمية في السياسة الشرعية (ص19- 24)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله