المعارضون لنصوص الوحي بآرائهم ينتهون إلى الشك والتشكيك والحيرة

 

الوجه الخامس والأربعين بعد المائة: إن نهاية أمر هؤلاء المعارضين لنصوص الوحي بالرأي انتهاؤهم إلى الشك والتشكيك والحيرة في أمرهم، فتجدهم يشكون في أوضح الواضحات، وفيما يجزم عوام الناس به، ويتعجبون ممَّن يشك فيه، ولا تعطيك كتبهم وبحوثهم إلَّا الشك والتشكيك والحيرة والإشكالات، وكلما ازددت فيها إمعانًا ازددت حيرة وشكًّا حتى يؤول بك الأمر إلى الشك في الواضحات.

واعتبر هذا بإمام الشك والتشكيك أفضل متأخريهم وكتبه تجده شاكًّا في الزمان والمكان لم يعرف حقيقته وماهيته.

وشاكٌّ في وجود الربِّ تعالى: هل هو عين ماهيته أو زائد عليها؟ وهل الوجود مقول على الواجب والممكن بالتواطؤ أو بالاشتراك اللفظي؟ وهل الوجود الواجب وجود محضٌ لا يُقارن شيئًا من الماهيات، أم وجود مقارن لماهية غير معلومة للبشر؟

وشاكٌّ في الربِّ سبحانه: هل كان معطلًا في الأزل والفعلُ ممتنعٌ عليه، ثم انقلب من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي بلا تجدد أمرٍ حصل في الفاعل كما يقوله المتكلمون، أو لم يزل فعله مقارنًا له كما يقوله الفلاسفة، وهو حائرٌ بين هذين القولين، معارضٌ أدلة كلٍّ منهما بأدلة الآخر؟ وتارةً يرجح أدلة المتكلمين في كتبه الكلامية، وتارةً يرجح أدلة الفلاسفة في كتبه الفلسفية، وتارةً يصُفُّ الجيشين ويلقي الحرب بينهما، ولا يتحيز إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما في كتبه الجامعة بين الطريقتين.

وشاكٌّ في الجوهر الفرد، فمرةً يثبته، ويوقف الإيمان بالمبدأ والمعاد عليه، وتارةً ينفيه ويبطله.

وشاكٌّ في تماثل الأجسام، فتارةً يثبته، ويحتج عليه، وتارةً ينفيه.

وشاكٌّ في مسألة حلول الحوادث، فتارةً ينفيها، وتارةً يقول بها ويقوي أمرها ويلزمها جميع الطوائف.

وشاكٌّ في النبوات: هل هي ثابتة على طريق الفلاسفة، أو على طريق المعتزلة، أم على طريق الأشعرية؟

وشاكٌّ في مسألة التحسين والتقبيح، فتارةً يسلك فيها مسلك النُّفاة، وتارةً مسلك المثبتين.

وشاكٌّ في إثبات الصِّفات، ففي كتبه الفلسفية ينفيها، وفي الكتب الكلامية يثبتها إثباتًا لا حقيقة له، بل هو لفظٌ بلا معنًى.

وشاكٌّ في الإنسان: هل هو هذا البدن المشهود، أم أمر آخر وراءه، وهو الرُّوح، أم مجموع الأمرين؟

وشاكٌّ في الرُّوح وحقيقتها وماهيتها، وهل هي جسم أو جوهر مجرد لا داخل العالم ولا خارجه أو عرض من أعراض البدن؟

وشاكٌّ في مسألة الكلام والرُّؤية، فمرةً يقوي فيها قول المعتزلة، ومرةً قول الأشعرية.

إلى أضعاف ما ذكرنا من المسائل، ولهذا تجد أتباعه أكثر الناس شكًّا وتشكيكًا.

والفاضل عندهم الشاك، وكلما كان الرجل أعظم شكًّا كان عندهم أفضل. فهذا شكهم في الدنيا، وأمَّا عند الموت فقد قال العارف بحقيقة أمرهم: «أكثر الناس شكًّا عند الموت أرباب الكلام».

وقد أقروا على أنفسهم بالشك وعدم اليقين في كتبهم وعند موتهم، كما تقدم حكاية ذلك عن أفاضلهم ورؤوسهم حتى قال بعضهم عند موته: «والله ما أدري على ماذا أموت عليه، ثم قال: اشهدوا علي أني على عقيدة أمي».

وقال الآخر: «اشهدوا علي أني أموت وما عرفت إلَّا مسألة واحدة، وهي أن الممكن مفتقرٌ إلى الواجب». ثم قال: «الافتقار أمر عدمي، بل أموت وما عرفت شيئًا».

وقال الآخر: «أضع الإزار على وجهي، ثم أقابل بين أقوال هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولا يتبيَّن لي منها شيءٌ».

ويقول الآخر: «لقد تأمَّلت الطُّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن: أقرأ في الإثبات: {اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى} [طه: 4] {إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ} [فاطر: 10]. وأقرأ في النفي: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 9]، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]. ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي». وقد حكينا كلامه فيما تقدم.

وقال الآخر:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا

 وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ

فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ

عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِم

 

وهذا بابٌ طويلٌ، من أراد الوقوف عليه فليطالع أخبار القوم وسيرتهم، وما أقرُّوا به على أنفسهم. وحينئذٍ فنقول في:

الوجه السادس والأربعين بعد المائة: إن أئمة الإسلام وملوك السُّنَّة لمَّا عرفوا أن طرق المتكلمين إنما تنتهي إلى هذا وما هو شرٌّ منه تنوَّعوا في ذمِّها، والطعن فيها، وعيب أهلها، والحكم بعقوبتهم، وإشهارهم والتحذير منهم.

قال أبو القاسم بن عساكر: «وقد حُفظ عن غير واحدٍ من علماء الإسلام عيب المتكلمين، وذمُّ أهل الكلام. ولو لم يذمَّهم غير الشافعي لكفى، فإنه قد بالغ في ذمِّهم، وأوضح حالهم وشفى».

ثم ذكر بإسناده إلى الفريابي، حدثني بشر بن الوليد، قال: سمعت أبا يوسف يقول: «من طلب الدِّين بالكلام تزندق، ومن طلب غرائب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس». قال البيهقي: وروي هذا الكلام عن مالك بن أنسٍ.

ثم ذكر ابن عساكر عن الشافعي أنه قال: «لَأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه سوى الشرك خيرٌ له من أن يُبتلى بالكلام. ولقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ ما ظننت أن مسلمًا يقوله».

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن أصرم المزني، قال: قال أبو ثور: سمعت الشافعي يقول: «ما تردَّى أحدٌ بالكلام فأفلح».

وقال: حدثنا الربيع، قال: رأيت الشافعي وهو نازل من الدرجة، وقوم في المجلس يتكلمون بشيءٍ من الكلام، فصاح فقال: إمَّا أن تجاورونا بخيرٍ، وإمَّا أن تقوموا عنا.

وذكر أيضًا عن ابن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: «لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفرون من الأسد».

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: «جئت الشافعي بعدما كلم حفصًا الفرد، فقال: غبت عنَّا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام على شيءٍ ما توهمته قط، ولأن يُبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام».

وقال الإمام أحمد: «علماء الكلام زنادقة».

قال شيخنا: «والكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمِّه، وذمِّ أصحابه، والنهي عنه، وتجهيل أربابه، وتبديعهم وتضليلهم = هو هذه الطُّرق الباطلة التي بنوا عليها نفي الصِّفات والعلو والاستواء على العرش، وجعلوا بها القرآن مخلوقًا، ونفوا بها رؤية الله في الدار الآخرة وتكلمه بالقرآن وتكليمه لعباده، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده؛ فإنهم سلكوا فيه طُرقًا غير مستقيمة، واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب، فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسُّنَّة وصريح المعقول. وكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثيرٍ من مسائلهم ورسائلهم، أحكامهم ودلائلهم.

وكلام السلف والأئمة في ذلك مشهور. وما من أحد قد شدا طرفًا من العلم إلَّا وقد بلغه من ذلك بعضه، لكن كثيرًا من الناس لم يحيطوا علمًا بكثيرٍ من أقوال السلف والأئمة. وقد أفرد الناس في ذلك مصنَّفاتٍ، مثل أبي عبد الرحمن السلمي، ومثل شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، وسمَّى كتابه «ذم الكلام وأهله».

وممَّن ذكر اتفاق السلف على ذلك: أبو حامد الغزالي في أجلِّ كتبه، الذي سماه «إحياء علوم الدِّين» [ق 99 ب] قال فيه: «فإن قلت: فعلم الكلام والجدل مذمومٌ كعلم النجوم، أو هو مباحٌ، أو مندوبٌ إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوًّا وإسرافًا في الطرفين. فمن قائلٍ: إنه بدعةٌ وحرامٌ، وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنبٍ سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام. ومن قائلٍ: إنه واجبٌ فرضٌ، إما على الكفاية أو على الأعيان، وإنه أجلُّ الأعمال وأعلى القُربات، وإنه تحقيقٌ لعلم التوحيد ونضال عن دين الله».

قال: «وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف». ثم ذكر بعض نصوص الشافعي التي تقدمت.

قال: «وقال أحمد بن حنبل: لا يُفلح صاحب الكلام أبدًا، ولا تكاد ترى أحدًا نظر في الكلام إلَّا وفي قلبه دَغَلٌ».

قال: «وبالغ فيه حتى هَجَرَ الحارث المحاسبي».

قال: «وقال الإمام أحمد أيضًا: علماء الكلام زنادقة».

قال: «وقال مالك: أرأيت إن جاء رجلٌ أجدل من رجلٍ يدع الرجل دينه كل يومٍ لدينٍ جديدٍ».

قال: «وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع. قال بعض أصحابه: أراد بأهل الأهواء أهل الكلام على أي مذهب كانوا».

وهذا الذي حكى عنه أبو حامد تأويلَ قول مالك هو محمد بن خويز منداد البصري المالكي، قال: «إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين تُرَدُّ شهادتهم هم أهل الكلام». قال: «وكل متكلمٍ هو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه، أشعريًّا كان أو غير أشعري». هكذا ذكره عنه أبو عمر بن عبد البر في كتاب «فضل العلم».

ثم ذكر أبو حامد كلام أبي يوسف: «من طلب العلم بالكلام تزندق».

قال: «وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر عنهم ما نقل من التشديدات فيه، وقالوا: ما سكت عنه الصحابة - رضي الله عنهم - ـ مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم ـ إلَّا لعلمهم بما يتولد عنه. ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء».

قال: «واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدِّين لكان أهم ما يأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويُعلِّم طريقه، ويُثني على أربابه. فقد علَّمهم الاستنجاء، وندبهم إلى حفظ الفرائض، ونهاهم عن الكلام في القدر. وعلى هذا استمر الصحابة، فالزيادة على الأستاذ طغيانٌ وظلمٌ، وهم الأستاذون والقدوة، ونحن الأتباع والتلامذة». إلى أن قال: «وأمَّا منفعته فقد يُظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات! فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف. وهذا إذا سمعته من محدثٍ أو حشويٍّ ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممَّن خبر الكلام، ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام، وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود».

قال: «ولعمري لا ينفك الكلام عن كشفٍ وتعريفٍ وإيضاحٍ لبعض الأمور، ولكن على سبيل النُّدور في أمور جليلة تكاد تنال قبل التعمق في صناعة الكلام».

قال: «بل منفعته شيءٌ واحدٌ وهو حراسة العقيدة وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل، فإن العاميَّ يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدًا، ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة».

ثم قال: «وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته، فينبغي أن يكون صاحبه كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر؛ إذ لا يضعه إلَّا في موضعه، وعلى قدر الحاجة».

وقال: «إن فيه من المضرة من إثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم، وفيه مضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه، ويمكَّن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجهل».

فهذا كلام أبي حامد، مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك، يذكر اتفاق سلف أهل السُّنَّة على ذم الكلام، ويذكر أنه ليس فيه فائدة إلَّا الذَّب عن هذه العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول أمته. وإذا لم يكن فيه فائدة إلَّا الذَّب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضًا لها، فضلًا عن أن يكون مقدَّمًا عليها، فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول معارضًا للكتاب والسُّنَّة. وما كان معارضًا لهما فهو من الكلام الباطل المردود المرذول، الذي لا يُنازع في ذمه أحدٌ من أهل الإسلام، لا من السلف ولا من أتباعهم من الخلف. هذا مع أن السلف والأئمة يذمُّون ما كان من العقليات والجدل والكلام مبتدعًا وإن قُصد به نصر السُّنَّة، فكيف ذمُّهم لمن عارض السُّنَّة بالبدعة، والوحي بالرأي، وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحقَّ؟

وهذا الذمُّ من أبي حامد للكلام وأهله ذمٌّ متوسطٌ بحسب ما اطلع عليه من غوائله وآفاته، وبحسب ما بلغه من السلف. ولم يكن جزمه بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كجزمه بما سلكه من طريق الكلام والفلسفة. فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره، فإن ما ذكره من أن مضرته في إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يُقال إذا كان الكلام في نفسه حقًّا، بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة، بل معلومة، فإذا كان مع ذلك قد يُورث النظر فيه شبهًا وعداوة قيل فيه ذلك.

وأمَّا السلف فلم يكن ذمُّهم للكلام لمجرد ذلك، ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة، ولا حرَّموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك، ولا حرَّموا نظرًا صحيحًا في دليلٍ صحيحٍ يُفضي إلى علمٍ نافعٍ، ولا مناظرة في ذلك إمَّا لهدى مسترشدٍ، وإمَّا لقطع مبطلٍ؛ بل هم أكمل الناس نظرًا واستدلالًا واعتبارًا، وهم نظروا في أصحِّ الأدلة وأقومها، فإن القوم كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه، وأدله على الحقِّ، وأوصله إلى المقصود بأقرب الطُّرق، وهو كلام الله.

وكانوا ينظرون في آيات الله تعالى الأفقية والنفسية، فيرون منها من الأدلة ما يُبيِّن أن القرآن حقٌّ، فيتطابق عندهم السمع والعقل، ويتصادق الوحي والفطرة، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي اِلْأفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اُلْحَقُّ} [فصلت: 52] وقال: {وَيَرَى اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْعِلْمَ اَلَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ اَلْحَقَّ} [سبأ: 6].

والإنسان له حالتان: إمَّا أن يكون ناظرًا، وإمَّا أن يكون مناظرًا. والناظر له حالتان: إحداهما يُحمد فيها، والثانية يُذم فيها. والمناظر له حالتان أيضًا. قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] فأشار بقيامهم اثنين اثنين إلى المناظرة، وفُرادى إلى النظر والتفكر. وكل منهما ينقسم إلى محمودٍ ومذمومٍ.

فالنظر المحمود: النظر في الطريق الصحيح ليتوصل به إلى معرفة الحقِّ.

والنظر المذموم نوعان:

أحدهما: النظر في الطريق الباطل، وإن قُصد به التوصل إلى الحقِّ؛ فإن الطريق الباطل لا يُفضي إلى الحقِّ.

والثاني: النظر والفكر الذي يُقصد به ردُّ قول خصمه مطلقًا، حقًّا كان أو باطلًا، فهو ينظر نظرًا يردُّ به قول من يبغضه ويُعاديه بأي وجهٍ كان.

وأمَّا المناظرة فتقسم إلى محمودةٍ ومذمومةٍ، والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان. وبيان ذلك أن المناظر إمَّا أن يكون عالمًا بالحقِّ، وإمَّا أن يكون طالبًا له، وإمَّا ألَّا يكون عالمًا به ولا طالبًا له. وهذا الثالث هو المذموم؛ وأمَّا الأولان فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته التي تُحمد أن يُبيِّن لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو يقطعه أو يكسره إن كان معاندًا غير طالبٍ للحق ولا متبعٍ له، أو يوقفه ويبعثه على النظر في أدلة الحقِّ إن كان يظنُّ أنه على الحقِّ وقصده الحقُّ.

قال تعالى: {اَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَاَلْمَوْعِظَةِ اِلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] فذكر سبحانه مراتب الدعوة، وجعلها ثلاثة أقسامٍ بحسب حال المدعو:

فإنه إمَّا أن يكون طالبًا للحق راغبًا فيه محبًّا له مؤثرًا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة ولا يحتاج إلى موعظةٍ ولا جدالٍ.

وإمَّا أن يكون معرضًا مشتغلًا بضدِّ الحقِّ، ولكن لو عُرِّفه عرفه وآثره واتبعه، فهذا يحتاج مع الحكمة إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.

وإمَّا أن يكون معاندًا معارضًا، فهذا يُجادَل بالتي هي أحسن، فإن رجع إلى الحقِّ وإلا انتقل معه من الجدال إلى الجلاد إن أمكن.

فلمناظرة المبطل فائدتان:

إحداهما: أن يُرد عن باطله ويرجع إلى الحق.

الثانية: أن ينكفَّ شرُّه وعداوته، ويتبين للناس أن الذي معه باطلٌ.

وهذه الوجوه كلها لا يُمكن أن تُنال بأحسن من حجج القرآن ومناظرته للطوائف، فإنه كفيل بذلك على أتمِّ الوجوه لمن تأمَّله وتدبَّره ورُزق فهمًا فيه، وحُججه مع أنها في أعلى مراتب الحُجج ـ وهي طريقة أخرى غير طريقة المتكلمين وأرباب الجدل والمعقولات ـ فهي أقرب شيءٍ تناولًا وأوضح دلالةً، وأقوى برهانًا، وأبعد من كل شبهةٍ وتشكيك.

وأمَّا طريق المتكلمين وأرباب الجدل فهي كما قال الخبير بها:

حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ

وأَخصُّ أوصافها أنها تعطيك مناقضة الخصوم واضطراب أقوالهم، وأمَّا أن تعطيك علمًا وهدًى

فَإِذَا بَعَثْتَ إِلَى السِّبَاخِ بِرَائِدٍ تَبْغِي الرِّيَاضَ فَقَدْ ظَلَمْتَ الرَّائِدَا

وإذا كان هذا حالها وهي خيرٌ من طريق الفلاسفة وأقرب إلى الحقِّ، فكيف يُعارض الوحي بهذه الطرق وهذه، ثم تقدم عليه؟!.


الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة - ط عطاءات العلم (2/ 851 - 865)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله