لقد عاش ابن القيم في عصر انتشر فيه الفساد الديني والأخلاقي، والعادات الاجتماعية المتردية، ولقيت فيه أفكار المبتدعة رواجًا واستحسانًا. فكان له الحضور الأوفى فيه، لم يكن منعزلًا عن أمته ولا مداهنًا في حق يعتقده، لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وكان يعرف قدر معلمه! يقول الشوكاني -رحمه الله-: فلعلها “سرت إليه بركة ملازمته لشيخه ابن تَيْمِيَّة في السراء والضراء، والقيام معه في محنه، ومواساته بنفسه، وطول تردده إليه”. فكانت نتيجة المحن الكبيرة التي مر بها ابن القيم وشيخه منحًا كبرى لا تزال الأجيال تدعو لهما وتعرف قدرهما.
إن المتأمل في كل كتابات ابن القيم سيجدها تتمركز حول الدعوة إلى التمسك بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ، والعمل بهما، والتحاكم إليهما عند التنازع. ولذلك قال يومًا: “ولسنا ممن يعرض الحق على آراء الخلق، فما وافقه منها قَبِلَهُ، وما خالفه رُدَّ، وإنما نحن ممن يعرض آراء الرجال وأقوالهم على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه”.
كان شديد الحرص على الدعوة إلى اتباع السنة النبوية الصحيحة، وشديد التحذير من البدع والمحدثات. ولذلك قال يومًا: “فصاحب السنة حيُّ القلب مستنيره، وصاحب البدعة ميت القلب مظلمه”. وقال أيضًا: “وأكمل الخلق متابعة له (النبي ﷺ): أكملهم انشراحًا ولذةً وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره، وقرة عينه، ولذة روحه ما ينال”.
وبالموازاة مع ذمّ البدع كان يذمُّ التقليد الأعمى، الذي يحمل المقلد على ترك ما جاء به النبي ﷺ لقول مُقَلَّدِهِ. وقال بموضع الذم: “الإعراضُ عن القرآنِ والسننِ وآثارِ الصحابةِ، واتخاذُ رَجلٍ بعينه مِعْيَارًا على ذلك، وتركُ النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه”.
ولذلك كان شديدًا على التعصب المذهبي ونابذًا له ومحذرًا من فتنته. وصدق في ذلك؛ فقد بلغ الخلاف بين العلماء في زمانه أن وجد في الجامع الأموي في دمشق إمام لكل مذهب، ولكل إمام محراب. قال ابن كثير: “وأمر الكاملُ في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلي أحدٌ منهم المغرب سوى الإمام الكبير، لِمَا كان يقع من التشويش والاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، وَلَنِعْمَ ما فعل”.
ولم يكن ابن القيم يألو جهدًا في محاربة الانحراف في العقيدة، والدعوة للرجوع إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة في باب العقيدة: فَهْمًا وسلوكًا؛ خاصة مع انتشار الأفكار الفلسفية والمناهج الكلامية في عصره، وتفشي البدع والخرافات والشعوذة واستقواء المبتدعة كالرافضة والنصيرية والصوفية.
ومع تعظيمه لمقام العلماء وتشديده على ضرورة الصدق والإخلاص في طريق العلم، كان أيضًا ينزل لواقعه ويعتني بمحاربة الفساد وإنكار المنكرات والأمر بالمعروف. فكان العالم المصلح في وسط انتعشت فيه المنكرات لكثرة الخلاف وتصادم الدعوات، وانشغل فيه الحكام بالترف والبذخ فكانت الرعية بأمس الحاجة لمن يحفظ لها حقها في النصح والتوجيه. لقد تميز ابن القيم بشخصية ناقدة، علمية مؤصلة، فكان له أثره في الجرح والتعديل وفي تعقب أقوال العلماء بالتصويب والاستدراك.
لقد عرفت حقبة ابن القيم ازدهارًا كبيرًا للحركة العلمية؛ خاصة بعد الهدم الذي تسببت فيه حملة التتار على العراق والشام، وانبعاث العلماء من جديد كان صفة بارزة في هذه الأمة. يقول الذهبي: “وتَنَاقَصَ العلم بها في المائةِ الرابعة والخامسة، وكَثُرَ بعد ذلك، ولا سيما في دولة نور الدين … ثم كثر بعد ذلك بابن تَيْمِيَّة، والمزي وأصحابهما ولله الحمد”.
ولو أردت أن ألخص مسيرة ابن القيم لرددت نفس كلماته حين قال: “لا بد للسالك من همة تسيِّره وترقيه، وعلم يبصِّره ويهديه”. وقوله: “علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن “الهمة” كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها، وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان؛ فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء: عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه”. لقد كان ابن القيم نموذجًا نابضًا حيًّا لعلو الهمة.
منقول: د. حمدان، ليلى. "من مقال: العلامة الفذّ ابن القيم.. سيرة قدوة وميراث حيّ". منشور في (موقع تبيان)