ذكر الله تعالى حال التخلِّي وحال الجِماع

 

وقد ذكر البيهقي -أيضًا- في كتاب "شعب الإيمان" عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى عليه السلام: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حالٍ أُجِلُّك أن أذكرك فيها. قال: وما هي؟ قال: أكون جنبًا، أو على الغائط، وإذا بُلْتُ. فقال: وإن كان. قال: يا رب، فما أقول؟ قال: تقول: "سبحانك وبحمدك، وجنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك، فقني الأذى" .

قلتُ: قالت عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌يذكر ‌الله ‌تعالى ‌على ‌كل ‌أحيانه". ولم تستثن حالة من حالة، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته.

وأما في حال التخلِّي، فلم يكن يشاهده أحد يَحْكِي عنه، ولكنْ شَرَع لأمته من الأذكار قبل التخلِّي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يُخَلُّ به عند قضاء الحاجة وبعدها، وكذلك شرع لأمته من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم: "بِسْم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وجَنِّب الشَّيطان ما رَزَقْتنا".

وأما الذكر على نفس قضاء الحاجة، وجِماع الأهل فلا ريب أنه لا يُكْرَه بالقلب؛ لأنه لابُدَّ لقلبه مِنْ ذِكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحبُّ شيءٍ إليه، فلو كُلِّف القلبُ نسيانَه لكان تكليفًا بالمحال، كما قال القائل:

يُرَادُ من القَلْب نِسيانُكُم … وتَأبَى الطِّباعُ عَلى النَّاقِل

وأمَّا الذكر باللسان على هذه الحالة، فليس ممَّا شرَعَ لنا، ولا نَدَبَنا إليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولا نُقِل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم.

وقال عبد الله بن أبي الهذيل: "إن الله تعالى ليُحِبُّ أن يُذكَرَ في السُّوقِ، ويحبُّ أن يذكرَ على كُلِّ حالٍ، إلَّا على الخَلاء" .

ويكفي في هذه الحال استشعارُ الحياء، والمراقبة، والنِّعمةِ عليه في هذه الحالة، وهي من أجلِّ الذكر، فذِكْرُ كلِّ حالٍ بحسب ما يليق بها، واللائقُ بهذه الحال التَّقَنُّعُ بثوب الحياء من الله تعالى، وإجلالُه، وذِكرُ نعمته عليه، وإحسانِه إليه في إخراج هذا العَدُوِّ المؤذي له الذي لو بقي فيه لقتله، فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذِّي به.

وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه، وقال: يا لَها نِعْمَة لو يعلمُ النَّاسُ قدرَها! .

وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأبقى فِيَّ منفعته، وأذهب عني مَضَرَّتَهُ.

وكذلك ذِكْرُه حال الجماع، ذَكَر هذه النعمة التي مَنَّ بها عليه، وهي من أجلِّ نعم الدنيا، فإذا ذَكَر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأُحِبُّك، فلا تَنْس أن تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ".

فجمع بين الذِّكرِ والشُّكْر، كما جمع سبحانه وتعالى بينهما في قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 152]، فالذكر والشكر جِماعُ السعادة والفلاح.


الوابل الصيب - ط عطاءات العلم (1/ 162 - 165)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله