الأدلة من القرآن على إثبات رؤية المؤمنين ربَّهم تبارك وتعالى في الآخرة

 

الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربَّهم تبارك وتعالى وتجلِّيه لهم ضاحكًا إليهم

هذا البابُ أشرفُ أبواب الكتاب، وأجلُّها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرُّها لعيون أهل السنَّة والجماعة، وأشدُّها على أهل البدعة والفُرقة، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابقَ إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون. إذا ناله أهل الجنَّة نَسُوا ما هم فيه من النعيم، وحِرْمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشدَّ عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلونَ، وجميعُ الصحابة والتابعون، وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون، والجهمية المتهوِّكون، والفرعونية المبطلون، والباطنية الَّذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرَّافضة الَّذين هم بحبائل الشيطان مُتمسِّكون، ومن حبل اللَّه منقطعون، وعلى مسبَّة أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عاكفون، وللسُّنَّة وأهلها محاربون، ولكلِّ عدوِّ للَّه ورسوله ودينه مسالمونَ، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك أحزاب الضلال، وشيعة الَّلعين، وأعداء الرسول وحزبه.

وقد أخبر سبحانه عن أعلم الخلق به في زمانه، وهو كليمه ونجيُّهُ وصفيُّهُ من أهل الأرضِ، أَنَّه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له ربُّه تبارك وتعالى: {لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} [الأعراف: 143].

وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوهٍ عديدةٍ:

أحدها: أنْ لا يُظَنَّ بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أنَّه يسأل ربَّهُ ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطلِ الباطل، وأعظم المحال، وعند فروخ اليونان، والصائبة، والفِرعونية بمنزلة أنْ يسأله أنْ يأكل ويشرب وينام، ونحو ذلك ممَّا يتعالى اللَّه عنه، فيالله العجب! كيف صارَ أتباعُ الصابئة والمجوس والمشركين عُبَّادِ الأصنام وفروخ الجهمية والفِرْعونية أعلمَ باللَّه تعالى من موسى بن عِمْران، وبما يستحيل عليه، ويجب له، وأشدَّ تنزيهًا له منه؟!

الوجه الثاني: أنَّ اللَّه سبحانه لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالًا لأنكره عليه، ولهذا لمَّا سأل إبراهيم الخليل ربه تعالى أنْ يريه كيف يحيى الموتى، لم ينكر عليه، ولمَّا سألَ عيسى ابن مريم ربَّه إنزالَ المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولمَّا سأل نوحٌ ربَّهُ نجاةَ ابنهِ أنكر عليه سؤاله وقال: {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46 - 47].

الوجه الثالث: أنَّه أجابه بقوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ولم يقل: إنِّي لا أُرَى، ولا إنِّي لستُ بمرئيّ؛ ولا تجوز رؤيتي. والفرقُ بين الجوابين ظاهرٌ لمن تأمَّلَهُ.

وهذا يدلُّ على أنَّه سبحانه مرئيٌّ، ولكنَّ موسى لا تحتمل قواهُ رؤيته في هذه الدار لِضَعْفِ قوى البشرِ فيها عن رؤيته تعالى، يوضِّحه:

الوجه الرَّابع: وهو قوله تعالى: {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] فأعْلَمَه أنَ الجبل مع قوَّته وصلابته لا يثبتُ لتجليه له في هذه الدَّار، فكيف بالبشر الضعيف الَّذي خُلِق من ضعْفٍ؟.

الوجه الخامس: أنَّ اللَّهَ سبحانه قادرٌ على أنْ يجعل الجبل مستقرًّا مكانَه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالًا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية محالًا، لكان ذلك نظير أنْ يقول: إن استقرَّ الجبل فسوفَ آكلُ وأشربُ وأنامُ، فالأمرانِ عندكم سواء.

الوجه السادس: قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} وهذا من أبين الأدلة على جوازِ رؤيته تبارك وتعالى، فإنَّه إذا جازَ أن يتجلَّى للجبلِ الَّذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلَّى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ وأعلم سبحانه موسى أنَّ الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدَّارِ، فالبَشَر أضعف.

الوجه السابع: أنَّ ربه سبحانه قد كلَّمه منه إليه، وخاطبه وناداهُ وناجاهُ، ومن جازَ عليه التَّكلمُ والتكليم، وأنْ يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إِلَّا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين، فأنكروا أنْ يكلِّم أحدًا، أو يراهُ أحدٌ، ولهذا سأله موسى النظر إليه لمَّا أسمعه كلامه، وعلم من اللَّهِ جوازَ رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكنْ أراهُ أن ما سأله لا يقدر على احتماله، كما لم يثبت الجبل لتجليه.

وأمَّا قوله تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف: 143] فإنَّما يدلُّ على النَّفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النَّفي؛ ولو قُيِّدت بالتأبيد، فكيف إذا أُطلقت، قال تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة: 95] مع قوله: {وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77].

 

‌‌فصل

الدليلُ الثاني: قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ} [البقرة: 223]، وقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [الأحزاب: 44] وقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110]، وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ} [البقرة: 249].

وأجمع أهل اللسان على أنَّ اللقاء متى نُسِبَ إلى الحي السليم من العَمَى والمانع؛ اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77]: فقد دلَّت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أنَّ المنافقين يرونه تعالى في عَرَصَات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في "الصحيحين" في حديث التجلي يوم القيامة، وسيمرُّ بِكَ عن قريبٍ إن شاء اللَّه.

وفي هذه المسألة ثلاثة أقوالٍ لأهل السنة:

أحدها: أنَّه لا يراهُ إِلَّا المؤمنون.

الثاني: يراهُ جميع أهل الموقف: مؤمنهم وكافرهم، ثمَّ يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك.

والثالث: يراهُ المنافقون دون الكفار.

والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد، وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم، ولشيخنا في ذلك مُصنَّف مُفْرد، حكى فيه الأقوال الثلاثة وحُجج أصحابها.

وكذا قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] إنْ عادَ الضميرُ على العمل: فهو رؤيته في الكتاب المسطور مُبَينًا، وإنْ عادَ على الرَّبُّ تبارك وتعالى؛ فهو لقاؤه الَّذي وَعَدَ به.

 

‌‌فصل

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 25 - 26].

فالحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجْهِهِ الكريم، كذلك فسَّرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الَّذي أُنزِلَ عليه القرآن، والصحابة من بعده، كما روى مسلم في "صحيحه" من حديث حمَّاد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنه قال: قرأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: إذا دخل أهلُ الجنَّة الجنَّةَ، وأهل النَّارِ النَّارَ، نادى منادٍ: يا أهل الجنَّة إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يريدُ أنْ ينجزكموهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يثقِّل موازيننا، وَيُبَيِّضْ وجوهنا، ويدخلنا الجنَّة ويجرنا من النَّارِ؟! فيكشف الحجابَ فينظرون إليه فما أعطاهم شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة".

وقال الحسن بن عرفة: حدثنا سلم بن سالم البلخي عن نوح بن أبي مريم عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: "سُئِلَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال للذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى: وهي الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه تعالى".

وقال محمد بن جرير: حدثنا ابن حُمَيد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جُرَيج عن عطاء عن كعب بن عُجْرَة رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: "الزيادة: النظرُ إلى وجه الرحمن جل جلاله" .

قلتُ: عطاء هذا هو الخراساني، وليس بعطاء بن أبي رباح.

قال ابن جرير: وحدثنا ابن عبد الرحيم حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال: سمعتُ زهيرًا.

وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا صفوان بن صالح حدثنا الوليدُ بن مسلم حدثنا زهير بن محمد قال: حدثني من سمعَ أبا العالية الرياحي يُحدَّث عن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة في كتاب اللَّهِ عز وجل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 25] قال: "الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه عز وجل".

وقال أَسَدُ السُّنَّة: حدثنا قيس بن الربيع عن أبان عن أبي تميمة الهُجَيْمي أنَّه سمع أبا موسى رضي الله عنه يحدَّث أنَّه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "يبعثُ اللَّهُ عز وجل يومَ القيامة مناديًا ينادي أهلَ الْجنَّة، بصوتٍ يُسْمعُ أَوَّلهم وآخرهم، إنَّ اللَّه وعدَكم الحسنى، والحسنى: الْجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه عز وجل" .

وقال ابن وهب ، أخبرني شَبِيْب، عن أبان، عن أبي تميمة الهجيمي، أنَّه سمع أبا موسى الأشعري رضي الله عنه يحدث عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ عز وجل يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنَّة، بصوتٍ يُسْمِعُ أوَّلهم وآخرهم: إنَّ اللَّهَ وعدكم الحسنى وزيادة. الحُسنى: الجنَّة، والزِّيادة: النَّظرُ إلى وجه الرَّحمن".

وأمَّا الصَّحابة: فقال ابن جرير: حدثنا بشَّارُ، حدثنا عبد الرحمن هو ابن مَهْدِي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد عن أبي بكر الصديق -رضي اللَّه تعالى عنه- {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: النَّظرُ إلى وجه اللَّه" .

وبهذا الإسناد: عن أبي إسحاق عن مسلم بن يزيد عن حذيفة رضي الله عنه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: النَّظرُ إلى وجه ربهم تبارك وتعالى .

وحدثنا علي بن عيسى، حدثني شَبَابَة، حدثنا أبو بكر الهذلي قال: سمعتُ أبا تميمة الهُجَيمي يحدث عن أبي موسى الأشعري رضي اللَّه عنه قال: إذا كان يوم القيامة يبعث اللَّهُ عز وجل إلى أهل الجنَّة مناديًا ينادي: هل أنجز اللَّهُ لكم ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد لهم من الكرامة فيقولون: نعم، فيقول: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} النظرُ إلى وجه الرحمن عز وجل" .

وقال عبد اللَّه بن المبارك: عن أبي بكر الهذلي أنبأنا أبو تميمة قال: سمعتُ أبا موسى الأشعري رضي الله عنه يخطب النَّاسُ في جامع البصرة ويقول: "إنَّ اللَّهَ عز وجل يبعث يوم القيامة ملكًا إلى أهل الجنَّة، فيقول: يا أهل الجنَّة، هل أنجز اللَّه لكم ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحليَّ والحلل والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجز اللَّه ما وعدنا، ثمَّ يقول الملك: هل أنجزكم اللَّه ما وعدكم ثلاث مرَّات، فلا يفقدون شيئًا ممَّا وُعِدُوا فيقولون: نعم، فيقول: قد بقيَ لكم شيء، إنَّ اللَّهَ عز وجل يقول: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ألا إنَّ الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه عز وجل".

وفي "تفسير أسباط بن نصر" عن إسماعيل السُّدي عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهمداني عن ابن مسعود {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} فقال: "أمَّا الحسنى: فالجنَّة، وأمَّا الزيادة: فالنظر إلى وجه اللَّه، وأمَّا القترُ: فالسَّواد" .

وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر بن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي، والضحاك بن مُزاحم وعبد الرحمن بن سابط وأبو إسحاق السَّبيعي وقتادة وسعيد بن المسيب والحسن البصري وعكرمة مولى ابن عباس ومجاهد بن جبر: الحُسْنَى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه اللَّه .

وقال غير واحدٍ من السَّلفِ في الآية: {وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ} [يونس: 26]: بعد النظر إليه، والأسانيد بذلك صحيحة.

ولمَّا عطفَ سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنَّة؛ دلَّ على أنَّها أمرٌ آخر وراء الجنَّة، وقدرٌ زائدٌ عليها، ومن فسَّرَ الزيادة بالمغفرة والرضوان، فهو من لوازم رؤية الرَّبَّ تبارك وتعالى.

‌‌فصل

الدليل الرَّابع: قوله تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 14، 15].

ووجه الاستدلال بها: أنَّه سبحانه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤيته، وسماع كلامه، فلو لم يرهُ المؤمنون، ولم يسمعوا كلامَهُ كانوا أيضًا محجوبين عنه، وقد احتج بهذه الحُجَّة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكره الطبري وغيره عن المزني قال: سمعتُ الشافعي يقول في قوله عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} قال: "فيها دلالة على أنَّ أولياء اللَّه يرون ربَّهم يوم القيامة".

وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع بن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقولُ في قول اللَّه تبارك وتعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} فقال الشافعي: لمَّا أنْ حَجَبَ هؤلاءِ في السخط كان في هذا دليلٌ على أنَّ أولياءه يرونه في الرِّضى. قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد اللَّه، وبه تقول؟ قال: نعمِ، وبه أدين اللَّه، لو لم يُوقن محمد بن إدريس أنَّه يرى اللَّه = لَمَا عَبَدَ اللَّهَ عز وجل".

ورواه الطبري في "شرح السنة" من طريق الأصم أيضًا.

وقال أبو زرعة الرَّازي: سمعتُ أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سُئِلَ محمد بن عبد اللَّه بن عبد الحكم، هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة: المؤمنون والكفار؟ فقال محمد: ليس يراهُ إِلَّا المؤمنون. قال محمد: وسئل الشافعي عن الرؤية فقال: يقول اللَّه عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ففي هذا دليلٌ على أنَّ المؤمنين لا يُحْجَبون عن اللَّه عز وجل".

 

‌‌فصل

والدليل الخامس: قوله عز وجل: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} [ق: 35].

قال الطبريُّ: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه اللَّه عز وجل، وقاله من التابعين: زيد بن وهب وغيره.

 

‌‌فصل

الدليل السادس: قوله عز وجل: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103].

والاستدلال بهذا عجب، فإنَّه من أدلة النفاة، وقد قرَّر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزمُ أنَّهُ لا يحتج مبطلٌ بآية أو حديثٍ صحيح على باطله؛ إِلَّا وفي ذلك الدليلِ ما يدلُّ على نقض قوله، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدلَّ منها على امتناعها، فإنَّ اللَّهَ سبحانه إنَّما ذكرها في سياق التمدُّح، ومعلومٌ أنَّ المدحَ إنَّما يكونُ بالأوصاف الثبوتية، وأمَّا العدمُ المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وإنَّما يُمْدح الربُّ تعالى بالعَدَمِ إذا تضمن أمرًا وجوديًّا:

كمدحه بنفي السِّنَة والنوم المتضمن كمال القَيُّومية.

ونفي الموت المتضمن كمال الحياة.

ونفي الُّلغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة.

ونفي الشريك والصاحبة والولدِ والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره.

ونفي الأكلِ والشربِ المتضمن لكمال صَمَدِيَّتِهِ وغِنَاهُ.

ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناهُ عن خلقه.

ونفي الظلمِ المتضمن كمال عدلهِ وعلمه وغناه.

ونفي النسيان وعزوب شيءٍ عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته.

ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته.

ولهذا لم يتمدَّح بعَدَمٍ محْضٍ لا يتضمن أمرًا ثبوتيًّا، فإنَّ المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدمٍ، ولا يوصف الكامل بأمرٍ يشترك هو والمعدوم فيه؛ فلو كان المراد بقوله: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] أنَّهُ لا يُرَى بحالٍ، لم يكن في ذلك مَدْحٌ ولا كمال، لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإنَّ العَدَمَ الصِّرْف لا يُرَى ولا تدركه الأبصارُ، والرَّبُّ جل جلاله يتعالى أنْ يُمْدَحَ بما يشاركه فيه العدمُ المحض.

فإذًا، المعنى أنَّه يرى ولا يُدرك، ولا يحاطُ به كما كان المعنى في قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ} [يونس: 61]، أنَّه يعلمُ كلَّ شيء.

وفي قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38]، أنَّه كامل القدرة.

وفي قوله: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، أنَّه كامل العدل.

وفي قوله: {لَا تَأْخُذُه سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} [البقرة: 255]، أنَّهُ كامل القيومِيَّة.

فقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} يدلُّ على غايةِ عظمته، وأَنَّه أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأنَّه لعظمته لا يُدْرَك بحيث يُحَاطُ به، فإنَّ الإدراك هو: الإحاطة بالشيء، وهو قدرٌ زائدٌ على الرؤية، كما قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا} [الشعراء: 61، 62] فلم ينفِ موسى الرؤية، ولم يريدوا بقولهم: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} إنَّا لمرْئِيُّون؛ فإنَّ موسى - صلوات اللَّه وسلامه عليه - نفى إدراكهم إيَّاهم بقوله: {كَلَّا} وأخبر اللَّه سبحانه أنَّه لا يخاف دركهم بقوله: {وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]. فالرؤية والإدراك كلٌّ منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالربُّ تعالى يُرى ولا يُدْرَكُ، كما يعلمُ ولا يحاط به، وهذا هو الَّذي فهمته الصحابة والأئمة من الآية.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] لا تُحِيطُ به الأبصار" .

وقال قتادة: "هو أعظمُ من أنْ تدركه الأبصار" .

وقال عطية: "ينظرون إلى اللَّهِ ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم، فذلك قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} ".

فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانًا، ولا تدركه أبصارهم، بمعنى أنها لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف اللَّه عز وجل بأن شيئًا يحيط به، وهو بكل شيء محيط، وهكذا يُسْمِعُ كلامه من شاء من خلقه، ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يُعلَّم الخلق ما علمهم، ولا يحيطون بعلمه.

ونظير هذا استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مِثْلٌ فيها، وإلا فلو أريد بها نفي الصفات لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه، مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مِثْلَ له وليس له نظير، ولا شبيه ولا مثل = أنَّه قد تَمَيَّز عن الناس بأوصافٍ ونعوت لا يشاركونه فيها، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله، وبعد عن مشابهة أضرابه، فقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} من أدلِّ شيءٍ على كثرة نعوته وصفاته.

وقوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] من أدلِّ شيءٍ على أَنَّهُ يُرى ولا يُدرك.

وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4]، من أدلِّ شيءٍ على مباينة الرَّبِّ لخلقه؛ فإنه لم يخلقهم في ذاته بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه، ويراهم وينفذهم بصره، ويحيط بهم عِلْمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا.

وتأمَّل حُسن هذه المقابلة لفظًا ومعنًى بين قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]. فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، ولِلُطْفِه وخبرته يُدْرك الأبصار فلا تخفى عليه، فهو العظيم في لُطْفِه، اللطيف في عظمته، العالي في قربه، القريب في علوِّه، الَّذي {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103].

 

‌‌فصل

الدليل السابع: قوله عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23]، وأنت إذا أَجَرْتَ هذه الآية من تحريفها عن مواضعها والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراد منها = وجدتها منادية نداء صريحًا: أنَّ اللَّه سبحانه يُرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يسميه المُحرِّفُون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نصًّ تضمنه القرآن والسنة كذلك، ولا يشاء مُبْطِلٌ على وجه الأرض أن يتأول النصوص ويحرفها عن مواضعها إلا وجَدَ إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا.

وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محلّه في هذه الآية، وتَعْدِيته بأداة "إلى" الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المُعَدَّى بـ "إلى" خلاف حقيقته، وموضوعه = صريح في أن اللَّه سبحانه أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب جل جلاله، فإن النظر له عِدَّة استعمالات بحسب صِلاته وتَعَدِّيه بنفسه:

فإن عُدِّيَ بنفسه فمعناه: التوقف والانتظار، كقوله تعالى: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد: 13].

وإن عُدَّيَ بـ "في" فمعناه: التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].

وإن عُدِّيَ بـ "إلى" فمعناه: المعاينة بالأبصار كقوله تعالى: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} [الأنعام: 99]، فكيف إذا أُضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟

قال يزيد بن هارون: أنبأنا مبارك، عن الحسن: "نظرت إلى ربها تبارك وتعالى فنَضِرت بنوره".

فاسمع الآن أيها السُّنِّي تفسير النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية.

قال ابن مردويه في "تفسيره": حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صالح بن أحمد، حدثنا يزيد بن الهيثم، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا سفيان، عن ثوير بن أبي فاختة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} قال: "من البهاء والحسن {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23]. قال: في وجه اللَّه عز وجل" .

وقال أبو صالح: عن ابن عباس {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } قال: "تنظر إلى وجه ربها" .

وقال عكرمة: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} قال: "من النعيم"، {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} قال: "تنظر إلى ربها نظرًا"، ثم حكى عن ابن عباس مثله".

وهذا قول كل مفسر من أهل السنة والحديث.


حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط عطاءات العلم (2/ 625)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله