الفرق بين الشهادة والرواية والمسائل المترتب على ذلك

 

الفرق بين الشهادة والرواية: أنَّ الرواية يعم حكمها الراوي وغيره على ممر الأزمان، والشهادة تخص المشهود عليه وله، ولا يتعداهما إلَّا بطريق التبعيّة المحضة.

فإلزام المعين يتوقع منه: العداوة، وحق المنفعة، والتهمة الموجبة للرد، فاحْتِيط لها بالعدد والذكورية. ورُدَّت بالقرابة، والعداوة، وتطرق التهم. ولم يفعل مثل هذا في الرواية التي يعمُّ حكمها ولا يَخُصُّ، فلم يُشترط فيها عدد ولا ذكورية، بل اشترط فيها ما يكون مغلبًا على الظن صدق المخبر، وهو العدالة المانعة من الكذب، واليقظة المانعة من غلبة السّهو والتخليط.

ولما كان النساء ناقصات عقلٍ ودين لم يكنَّ من أهل الشهادة، فإذا دعت الحاجة إلى ذلك، قُوِّيَت المرأة بمثلها، لأنَّه حينئذ أبعد من سهوها وغلطها لتذكير صاحبتها لها وأما اشتراط الحرية ففي غاية البعد، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وقد حكى أحمد عن أنس بن مالك، أنَّه قال: "ما علمتُ أحدًا رد شهادة العبد"، والله تعالى يقبل شهادته على الأمم يوم القيامة، فكيف لا يقبل شهادته على نظيره من المكلفين! ويقبل شهادته على الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية، فكيف لا يقبل شهادته على رجل في درهم! ولا ينتقض هذا بالمرأة، لأنَّها تقبل شهادتها مع مثلها لما ذكرناه، والمانع من قبول شهادتها وحدها منتفٍ في العبد.

وعلى هذه القاعدة مسائل:

أحدها: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، من اكتفى فيه بالواحد؛ جعله روايةً لعمومه للمكلفين، فهو كالأذان، ومن اشترط فيه العدد ألحقه بالشهادة، لأنَّه لا يعمّ الأعصار ولا الأمصار، بل يخص تلك السنة وذلك المصر في أحد القولين، وهذا ينتقض بالأذان نقضًا لا محيص منه.

وثانيهما: الإخبار بالنسب بالقافة، فمن حيث إنَّه خبر جزئي عن شخص جزئي، يخص ولا يعم، جري مجري الشهادة، ومن جعله كالرواية غَلِط، فلا مدخل لها هنا، بل الصواب أن يقال: من حيث: هو منتصب للناس انتصابًا عامًّا، يستند قوله إلى أمرٍ يختص به دونهم من الأدلة والعلامات؛ جرى مجرى الحاكم، فقوله حُكم لا رواية.

ومن هذا الجرح للمحدِّث والشاهد؛ هل يُكتفى فيه بواحد، إجراءً له مجرى الحكم، أو لابد فيه من اثنين، إجراءً له مجرى الشهادة؟ على الخلاف، وأما أن يجري مجرى الرواية؛ فغير صحيح، وما للروايةِ والجرحِ! وإنَّما هو يجرحُه باجتهادِه لا بما يرويه عن غيره.

ومنها: الترجمة للفتوى والخط والشهادة وغيرها، هل يشترط فيها التعدد؟ مبنيٌّ علي هذا، ولكن بناؤه علي الرواية والشهادة صحيح، ولا مَدْخَل للحكم هنا.

ومنها: التقويم للسِّلَع، من اشترط فيه العدد رآه شهادة، ومن لم يشترطه؛ أجراه مجرى الحكم لا الرواية.

ومنها: القاسم، هل يُشترط تعدّده على هذه القاعدة؟ والصحيح الاكتفاء بالواحد؛ لقصة عبد الله بن روّاحة.

ومنها: تسبيح المصلّي بالإمام هل يُشترط أن يكون المسبِّح اثنين؟ فيه قولان مبنيان على هذه القاعدة.

ومنها: الخبر عن نجاسة الماء، هل يُشترط تعدده؟ فيه قولان.

ومنها: الخارص، والصحيح في هذ كلِّه الاكتفاء بالواحد، كالمؤذن وكالمخبر بالقبلة.

وأما تسبيح المأموم بإمامه؛ ففيه نظر.

ومنها: المفتي يقبل واحد اتفاقًا.

ومنها: الإخبار عن قدم العيب وحدوثه عند التنازع، والصحيح الاكتفاء فيه بالواحد، كالتقويم والقائف. وقالت المالكية: لابد من اثنين، ثم تناقضوا فقالوا: إذا لم يوجد مسلم قُبل من أهل الذم.


 بدائع الفوائد (1/ 8 - 11)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله