مقدمة كتاب: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

الحمد لله ذي الإفضال والإنعام، والمِنن الجِسَام، والأيادي العِظَام، ذي الجلال والإكرام، الملك القدّوس السلام، الذي قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام.

فقدَّر أرزاقهم وآجالهم، وكتب آثارهم وأعمالهم، وقسم بينهم معايشهم وأموالهم ــ وعرشه على الماء ــ قبل خلق الليالي والأيام.

فأبرم القضيَّة، وقدَّر البريَّة، وقال للقلم: اكتب، فجرى بما هو كائن في هذا العالم على تعاقب السِّنين والأعوام.

ثم خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على عرشه المجيد بذاته، منفردًا بتدبير خلقه بالسَّعادة والشقاوة، والعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، والخَفض والرَّفع، والإيجاد والإفناء، والنقضِ والإبرام.

{يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شأن} [الرحمن:29]، فلا يشغله سَمْعٌ عن سَمْع، ولا تُغَلِّطُه المسائل، ولا يتبَرَّم بإلحاح الملحِّين على الدوام. يسمع ضجيج الأصوات، باختلاف اللغات، على تَفنُّنِ الحاجات، ويرى دبيبَ النملة السوداء، تحت الصَّخرة الصماء، في الليلة المدلهمَّة الشديدة الظلام.

لا تسقط ورقةٌ إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرَّة إلا بإذنه، ولا يقع حادثٌ إلا بمشيئته، ولا يخلو مقدورٌ عن حكمته، فله الحكمة الباهرة، والآيات الظاهرة، والحجَّة البالغة، والنعمة السابغة على جميع الأنام.

وسع كل شيء رحمة وعلمًا، وأوسع كل مخلوق فضلًا وجودًا وحلمًا، وقَهَر كلَّ شيءٍ عزَّةً وحُكْمًا، فَعَنَت الوُجوهُ لجلال وجهه، وعجزت العقولُ عن معرفة كُنْهِه، وقامت البراهين على استحالة مثله وشِبْهِه. فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، ذو الأسماء الحسنى، والصفات العُلى، وهو مُسْتوٍ على عرشه، مُسْتولٍ على خلقه، يسمع ويرى. كلَّم موسى تكليمًا، وتجلَّى للجبل فجعله دكًّا هشيمًا، فهو الحيُّ القيوم الذي لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام.

يخفض القِسْط ويرفعه، يُرفَع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.

فهو أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، وأعظم رقيب، وأرأف رحيم، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال، فأزِمَّة الأمور بيديه، ومرجعها كلها إليه، فالقلوب له مُفْضِية، والسِّرُّ عنده علانية، والمستور لديه مكشوف، وكلُّ أحدٍ إليه فقير مَلْهوف على الدوام.

فسبحان مَن نفذ حكمُه في بريّته، وعدل بينهم في أقضيته، وعمَّهم برحمته، وصرَّفهم تحت مشيئته وحكمته، وأكرمهم بتوحيده ومعرفته، وجعل أهل ذكره أهل مجالسته، وأهل شكره أهل زيادته، وأهل طاعته أهل كرامته، وأهل معصيته لا يُقنطهم من رحمته، إن تابوا فهو حبيبهم، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْن} [البقرة: 222]، وإن أصرُّوا فهو طبيبُهُم، يبتليهم بأنواع المصائب؛ ليطهّرهم من الدَّنَس والآثام.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا كُفُؤ له، ولا سَمِيَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، بل هو الأحد الصمد الذي تفرَّد بإلهيَّته، وتوحَّدَ بربوبيته، وتعالى عن مشابهة خليقته، وأنَّى يشبه العبدُ المخلوقُ الملكَ القدّوسَ السّلام.

وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله رحمةً للعالمين، وقدوةً للعاملين، ومَحَجّة للسالكين، وحُجّة على العباد أجمعين.

أرسله على حين فترة من الرسل، ودروس من الكتب، وطموس من السُّبُل، حين انقطع خبر الوحي من السماء، وتاه الأدِلّاءُ في دياجي الظَّلماء، وغشيت الأرضَ ظلماتُ الكفر والشِّرك والعناد، واستولى عليها أئمةُ الكفر وعساكرُ الفساد، واستند كل قوم إلى ظلمات آرائهم، وحكموا على الله وبين عباده بمقالاتهم الباطلة وأهوائهم.

فسُبُلُ الهدى عافيةٌ آثارها، مُنْحَطٌّ منارها، والضلالة قد تَضَرَّمَتْ نارُها، وتطاير في الآفاق شرارُها، وظهر في أقطار الأرض شعارها، وقد استحقَّ الناس أن يحلّ بساحتهم العذاب، وقد نظر الجبَّارُ إليهم فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب.

فأطلع الله شمس الرسالة في حَنَادِس تلك الظُّلَم، وأنعم بها على أهل الأرض، وكانت تلك النعمة عليهم أجلَّ النعم. فبعث رسوله صلى الله عليه وسلم للإيمان مناديًا، وإلى الجنة داعيًا، وبكل عُرْف آمِرًا، وعن كل نُكْرٍ ناهِيًا، فاستنقذ به الخليقةَ من تلك الظلمات، ونوَّرَ بصائرهم بالآيات البينات، وجلا عن قلوبهم صدأ تلك الشكوك والشبهات، وفتح به أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا، فبلَّغ رسالات ربّه، وأدّى أمانته، ونصح أمته، ولم يدع بابًا من الهدى إلا فتحه، ولا مُشْكِلًا من الدين إلا أوضحه، ولا خيرًا إلا دلَّ الأمة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرهم منه؛ لئلا يصلوا إليه.

فأغنى الله به عن تكلُّف المتنطّعين، وآراء المُتَهَوِّكين، ومعقولات المتفلسفين، وخيالات المتصوِّفين، وجدل المتكلمين، وأقيسة المتكلِّفين.

فاكتفى بما جاء به العارفون، واستوحش من كثير منه الجاهلون، وعَدَلوا عنه إلى ما يناسب أعينهم الرُّمْد، وبصائرهم العُمْي، وظنوا أنهم بذلك يهتدون، {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الزمر: 49 - 50]، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51].


مقدمة شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله