تحليل الشبهات وتفكيكها والرد الصحيح عليها

واعلم أنَّه لا تَرِدُ شبهة صحيحة قط على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التي يوردها أهل البدع والضلال على أهل السنَّة لا تخلو من أحد قسمين:

إمَّا أن يكون القول الذي أوردَت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطًا، وهذا لا يكون متّفقًا عليه بين أهل السنة أبدًا، بل يكون قد قاله بعضهم وغلِطَ فيه، فإنَّ العصمة إنَّما هي لمجموع الأمة لا لطائفة معيَّنة منها.

وإمَّا أن يكون القول الذي أُوردتْ عليه قولًا صحيخا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه، وحينئذٍ فلا بدَّ لها من أحد أمرين: إمَّا أن تكون لازمة، وإمَّا ألَّا تكون لازمة.

فإنْ كانت لازمة لما جاءَ به الرسول فهي حقّ لا شبهة، إذ لازم الحقّ حق، ولا ينبغي الفرار منها كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنَّة، بل كلُّ ما لزم من الحق فهو حقٌّ يتعيّن القول به، كائنًا ما كان، وهل تسلّط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنَّة إلا بهذه الطريق؟ ألزموهم بلوازمَ تلزم الحقَّ فلم يلتزموها، ودفعوها، وأثبتوا ملزوماتها، فتسلَّطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه. فلو أثبتوا لوازمَ الحق، ولم يفرُّوا منها، لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلًا. وإنْ لم تكن لازمةً لهم فإلزامهم إيَّاها باطل. وعلى التقديرين فلا طريق لهم إلى ردِّ أقوالهم. وحينئذٍ فلهم جوابان: مركَّب مجمَل، ومفرَد مفصَّل.

أمَّا الأوَّل فيقولون لهم: هذه اللوازم التي تُلزِمونا بها إمَّا أن تكون لازمةً في نفس الأمر، وإمَّا أن لا تكون لازمةً. فإن كانت لازمةً فهي حقّ، إذ قد ثبت أنَّ ما جاءَ به الرسول هو الحقُّ الصريح، ولازمُ الحق حقٌّ. وإنْ لم تكن لازمةً فهي مندفعة، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها.

وأمَّا الجوابُ المفصَّل فيفردون كلَّ إلزام بجواب، ولا يردّونه مطلقًا، ولا يقبلونه مطلقًا، بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام ومعانيه، فإن كان لفظها موافقًا لما جاءَ به الرسول، يتضمّن إثبات ما أثبته أو نفي ما نفاه، فلا يكون المعنى إلا حقًّا، فيقبلون ذلك الإلزام، وإن كان مخالفًا لما جاءَ به الرسول، متضمّنًا لنفى ما أثبته أو إثبات ما نفاه، كان باطلًا لفظًا ومعنًى، فيقابلونه بالردِّ.

وإنْ كان لفظًا مجملًا محتملًا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقًا، ولم يردّوه مطلقًا،. حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به. فإنْ أراد معنًى صحيحًا مطابقًا لما جاءَ به الرسول قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل إطلاقًا. وإنْ أراد معنًى باطلًا ردّوه ولم يطلقوا نفيَ اللفظ المحتمل أيضًا.

فهذه قاعدتهم التي بها يعتصمون وعليها يعوّلون. وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارًا لا سِفرًا واحدًا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ولا بغيرها. فلنقتصر عليها.


طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (2/ 519 - 521)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله