من فتاوى رسول الله ﷺ في الصوم والاعتكاف

وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه، وقد أرسل إليه بعطاء، فقال: أليس أخبرتنا أنَّ خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا؟ فقال: «إنما ذلك عن المسألة، فأما ما كان عن غير مسألة فإنما هو رزقٌ رزَقكه الله». فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل أحدًا شيئًا، ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته. ذكره مالك.

فصل

وسئل صلى الله عليه وسلم: أيُّ الصوم أفضل؟ فقال: «شعبان لتعظيم رمضان». قيل: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: «صدقة في رمضان». ذكره الترمذي.

والذي في الصحيح أنه سئل: أيُّ الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: «شهر الله الذي تدعونه المحرَّم». قيل: فأيُّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: «الصلاة في جوف الليل».

قال شيخنا: ويحتمل أن يريد بشهر الله المحرَّم أول العام، وأن يريد به الأشهر الحرم. والله أعلم.

وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، فقالت: يا رسول الله، دخلتَ عليَّ وأنت صائم، ثم أكلت حَيْسًا. فقال: «نعم، إنما منزلة من صام في غير رمضان أو قضى رمضان في التطوع بمنزلة رجلٍ أخرج صدقةً من ماله، فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخِل بما شاء فأمسكه». ذكره النسائي.

ودخل صلى الله عليه وسلم على أم هانئ فشرِب، ثم ناوَلَها فشربت، فقالت: إني كنت صائمة. فقال: «الصائم المتطوِّع أميرُ نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر». ذكره أحمد.

وذكر الدارقطني أن أبا سعيد صنع طعامًا، فدعا النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنع لك أخوك طعامًا، وتكلَّف لك أخوك. أفطِرْ، وصُمْ يومًا مكانه».

وذكر أحمد أن حفصة أهديت لها شاة، فأكلت منها هي وعائشة، وكانتا صائمتين، فسألتا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «أبدِلا يومًا مكانَه».

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: قد اشتكت عيني، أفأكتحل وأنا صائم؟ قال: «نعم». ذكره الترمذي.

وذكر الدارقطني أنه سئل: أفريضةٌ الوضوءُ من القيء؟ فقال: «لا، لو كان فريضةً لوجدتَه في القرآن».

وفي إسناد الحديثين مقال.

وسأله صلى الله عليه وسلم عمر بن أبي سلَمة، أيقبِّل الصائم؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سل هذه» لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. قال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنِّي لأتقاكم لله، وأخشاكم له». ذكره مسلم.

وعند الإمام أحمد أنَّ رجلًا قبَّل امرأتَه وهو صائم في رمضان، فوجِد من ذلك وجدًا شديدًا، فأرسل امرأته، فسألت أمَّ سلمة عن ذلك، فأخبرتها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعله. فأخبرت زوجَها، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاء. ثم رجعت امرأته إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذه المرأة؟». فأخبرته أم سلمة، فقال: «ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك». قالت: قد أخبرتُها، فذهبت إلى زوجها، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاء. فغضِب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: «والله إني لأتقاكم لله، وأعلمكم بحدوده». ذكره مالك والشافعي وأحمد رضي الله عنهم.

وذكر أحمد أن شابًّا سأله، فقال: أُقبِّل وأنا صائم؟ قال: «لا». وسأله شيخ: أقبِّل وأنا صائم؟ قال: «نعم». ثم قال: «إن الشيخ يملك نفسه».

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله أكلتُ وشربتُ ناسيًا وأنا صائم، فقال: «أطعمَك الله وسقاك». ذكره أبو داود.

وعند الدارقطني فيه بإسناد صحيح: «أتِمَّ صومَك، فإن الله أطعمك وسقاك. ولا قضاء عليك». وكان أول يوم من رمضان.

وسألته صلى الله عليه وسلم عن ذلك امرأة أكلت معه، فأمسكت، فقال: «ما لكِ؟». فقالت: كنت صائمةً، فنسيتُ. فقال ذو اليدين: الآن بعد ما شبعتِ! فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أتِمِّي صومَكِ، فإنما هو رزقٌ ساقه الله إليك». ذكره أحمد.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن الخيط الأبيض والخيط الأسود، فقال: «هو بياض النهار وسواد الليل». ذكره النسائي.

ونهاهم عن الوصال، وواصَلَ، فسألوه عن ذلك، فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إنِّي يُطعِمني ربِّي ويَسقيني». متفق عليه.

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنُب، أفأصوم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب، فأصوم». فقال: لستَ مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمَكم بما أتَّقي». ذكره مسلم.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، فقال: «إن شئتَ صمتَ، و إن شئتَ أفطرتَ». وسأله صلى الله عليه وسلم حمزة بن عمرو، فقال: إني أجد بي قوةً على الصيام في السفر، فهل عليَّ جناح؟ فقال: «هي رخصة الله، فمن أخذ بها فحسَنٌ، ومن أحبَّ أن يصوم فلا جناح عليه». ذكرهما مسلم.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن تقطيع قضاء رمضان، فقال: «ذلك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دَينٌ قضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن ذلك قضاء؟ فالله أحقُّ أن يعفو ويغفر». ذكره الدارقطني، وإسناده حسن.

وسألته صلى الله عليه وسلم امرأة، فقالت: إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ فقال: «أرأيت لو كان على أمِّكِ دَين فقضَيتيه، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟». قالت: نعم، قال: «فصومي عن أمِّكِ». متفق عليه.

وعند أبي داود أنّ امرأةً ركبت البحر، فنذرت إنِ اللهُ عز وجل نجَّاها أن تصوم شهرًا. فنجَّاها الله، فلم تصم حتى ماتت. فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن تصوم عنها.

وسألته صلى الله عليه وسلم حفصة، فقالت: إني أصبحتُ أنا وعائشة صائمتين متطوعتين، فأُهدي لنا طعامٌ، فأفطرنا عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقضيا مكانه». ذكره أحمد.

ولا ينافي هذا قوله: «الصائم المتطوِّع أميرُ نفسه»، فإنَّ القضاء أفضل.

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: هلكتُ، وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبةً تُعتِقها؟». قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟». قال: لا. قال: «هل تجد إطعامَ ستِّين مسكينًا؟». قال: لا. قال: «اجلس». فبينا نحن على ذلك، إذ أُتيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيه تمر ــ والعَرَق: المِكْتَل الضخم ــ فقال: «أين السائل؟». قال: أنا. قال: «خذ هذا، فتصدَّقْ به». فقال الرجل: أعلى أفقَرَ منِّي يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها ــ يريد الحَرَّتين ــ أهلُ بيت أفقَرُ من أهل بيتي. فضحك النبيُّ صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه. ثم قال: «أطعِمْه أهلَك». متفق عليه.

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل: أيَّ شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ فقال: «إن كنتَ صائمًا بعد رمضان فصُم المحرَّم، فإنه شهرٌ فيه تاب الله على قوم، ويتوب على قوم آخرين». ذكره أحمد.

وسئل صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، لم نَرَك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ فقال: «ذاك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحِبُّ أن يُرفَع عملي وأنا صائم». ذكره أحمد.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يومٌ وُلِدتُ فيه، وفيه أُنزِل عليَّ». ذكره مسلم.

وسأله صلى الله عليه وسلم أسامة، فقال: يا رسول الله، إنك تصوم لا تكاد تُفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك، وإلا صمتَهما. قال: أيّ يومين؟ قال: يوم الاثنين ويوم الخميس. قال: «ذانك يومان تُعرَض فيهما الأعمال على ربِّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُعرَض عملي وأنا صائم». ذكره أحمد.

وسئل صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، إنك تصوم الاثنين والخميس. فقال: «إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكلِّ مسلم إلا مهتجرين»، يقول: «حتَّى يصطلحا». ذكره ابن ماجه.

وسئل صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، كيف بمن يصوم الدهر؟ قال: «لا صام ولا أفطر» أو قال: «لم يصم ولم يفطر». قال: كيف بمن يصوم يومين ويفطر يومًا؟ قال: «ويطيق ذلك أحد؟». قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومًا؟ قال: «ذاك صوم داود». قال: كيف بمن يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: «وددتُ أني طُوِّقتُ ذلك». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كلِّ شهر، ورمضان إلى رمضان= هذا صيام الدهر كلِّه. صيامُ يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وصيامُ يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي بعده». ذكره مسلم.

وسأله صلى الله عليه وسلم رجل: أصوم يومَ الجمعة ولا أكلِّم أحدًا؟ فقال: «لا تصُمْ يوم الجمعة إلا في أيامٍ هو أحدُها، أو في شهر. وأمَّا أن لا تكلِّم أحدًا، فلَعمري أن تكلِّم بمعروف أو تنهى عن منكر خيرٌ من أن تسكت». ذكره أحمد.

وسأله صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه فقال: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يومًا في المسجد الحرام، فكيف ترى؟ فقال: «اذهب، فاعتكف يومًا».

وسئل صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر، أفي رمضان أو في غيره؟ قال: «بل في رمضان». فقيل: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قُبِضوا رُفِعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة». قيل: في أيِّ رمضان هي؟ قال: «التمِسوها في العشر الأول، أو العشر الآخر». فقيل: في أيِّ العشرين؟ قال: «ابتغوها في العشر الأواخر. لا تسألَنَّ عن شيء بعدها». فقال: أقسمتُ عليك بحقِّي عليك لمَّا أخبرتَني في أيِّ العشر هي؟ فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: «التمسوها في السبع الأواخر. لا تسألَنَّ عن شيء بعدها». ذكره أحمد، والسائل أبو ذَرٍّ.

وعند أبي داود أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ليلة القدر فقال: «في كلِّ رمضان».

وسئل عنها أيضًا، فقال: «كم الليلة؟». فقال السائل: ثنتان وعشرون. قال: «هي الليلة». ثم رجع، فقال: «أو القابلة». يريد ثلاثًا وعشرين. ذكره أبو داود.

وسأل صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أُنَيس: متى نلتمس هذه الليلة المباركة؟ فقال: «التمسوها هذه الليلة»، وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين.

وسألته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها: إن وافقتها فبم أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ، فاعفُ عنِّي». حديث صحيح.


إعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 247 - 258 ط عطاءات العلم)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله