وإذا تأمَّلتَ حكمتَه سبحانه فيما ابتلى به عبادَه وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النِّهايات التي لم يكونوا يعبُرون إليها إلا على جسرٍ من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسرُ لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عُبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاءُ والامتحانُ عَيْنَ المنح في حقِّهم والكرامة، فصورتُه صورةُ ابتلاءٍ وامتحان، وباطنُه فيه الرحمةُ والنِّعمةُ والمنَّة. فكم لله من نعمةٍ جسيمةٍ ومنَّةٍ عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان!
فتأمَّل حال أبينا آدم صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنتُه من الاصطفاء والاجتباء والتَّوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنةُ التي جرت عليه ــ بإخراجه من الجنَّة، وتوابع ذلك ــ لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثَّانية في نهايته!
وتأمَّل حال أبينا الثَّاني نوحٍ صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنتُه وصبرُه على قومه تلك القرون كلَّها، حتى أقرَّ اللهُ عينَه، وأغرَق أهلَ الأرض بدعوته، وجَعَل العالم بعده من ذريَّته، وجَعَله خامس خمسةٍ هم أولو العزم الذين هم أفضلُ الرسل، وأمر رسوله ونبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشُّكر، فقال: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]، فوصفه بكمال الصَّبر والشُّكر.
ثمَّ تأمَّل حال أبينا الثَّالث إبراهيم صلى الله عليه وسلم؛ إمام الحنفاء، وشيخ الأنبياء، وعَمُود العالم، وخليل ربِّ العالمين من بني آدم، وتأمَّل ما آلت إليه محنتُه وصبرُه وبذلُه نفسَه لله.
وتأمَّل كيف آل به بذلُه لله نفسَه ونصرُه دينَه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه، وأمر رسوله وخليله محمَّدًا صلى الله عليه وسلم أن يتَّبع ملَّته.
وأنبِّهك على خصلةٍ واحدةٍ مما أكرمه الله به في محنته بذبح ولده؛ فإنَّ الله تبارك وتعالى جازاه على تسليمه ولدَه لأمر الله بأن بارك في نسله وكثَّره، حتى ملأ السَّهل والجبل؛ فإنَّ الله تعالى لا يتكرَّمُ عليه أحد، وهو أكرمُ الأكرمين، فمن ترك لوجهه أمرًا أو فعله لوجهه بَذَل اللهُ له أضعاف ما تركه من ذلك الأمر أضعافًا مضاعفة، وجازاه بأضعاف ما فعله لأجله أضعافًا مضاعفة.
فلما أُمِرَ إبراهيمُ بذبح ولده فبادر لأمر الله، ووافَق عليه الولدُ أباه، رضًا منهما وتسليمًا، وعَلِم الله منهما الصِّدق والوفاء= فَدَاه بذِبْحٍ عظيم وأعطاهما ما أعطاهما من فضله، وكان من بعض عطاياه أن بارك في ذريَّتهما حتى ملؤوا الأرض؛ فإنَّ المقصود بالولد إنما هو التناسلُ وتكثيرُ الذُّريَّة، ولهذا قال إبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100]، وقال: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40].
فغايةُ ما كان يَحْذَرُ ويخشى مِنْ ذبح ولده انقطاع نسله، فلمَّا بذل ولده لله وبذل الولدُ نفسَه، ضاعفَ الله النَّسل، وبارك فيه، وكثَّره، حتى ملؤوا الدُّنيا، وجعل النبوَّة والكتابَ في ذريَّته خاصَّة، وأخرج منهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم.
وقد ذُكِر أنَّ داود عليه السلام أراد أن يَعْلمَ عَدَد بني إسرائيل، فأمَر بإحضارهم، وبَعَث لذلك نُقَباء وعُرَفاء، وأمرهم أن يرفعوا إليه ما بَلَغ عددُهم، فمكثوا مدَّةً لا يقدرون على ذلك، فأوحى الله إلى داود: أن قد عَلِمْتَ أني وعدتُ أباك إبراهيم لما أمرتُه بذبح ولده فبادَر إلى طاعة أمري أن أُبارِك له في ذريَّته حتى يصيروا في عدد النُّجوم، وأجعلهم بحيث لا يحصى عددُهم، وقد أردتَ أنت أن تحصي عددًا قدَّرتُ أنه لا يحصى … وذكر باقي الحديث.
فجَعَل مِنْ نسله هاتين الأمَّتين العظيمتين الذين لا يحصي عددَهم إلا الله خالقُهم ورازقُهم، وهم بنو إسرائيل وبنو إسماعيل، هذا سوى ما أكرمه الله به مِنْ رفع الذِّكر والثَّناء الجميل على ألسنة جميع الأمم وفي السَّموات بين الملائكة.
فهذا من بعض ثمرة معاملته، فتبًّا لمن عَرَفه ثمَّ عامل غيره، ما أخسرَ صفقتَه وما أعظمَ حسرتَه!
فصل
ثمَّ تأمَّل حال الكليم موسى عليه السلام وما آلت إليه محنتُه وفُتُونُه من أوَّل ولادته إلى منتهى أمره، حتى كلَّمه الله منه إليه تكليمًا، وكتب له التَّوراة بيده، ورفَعه إلى أعلى السَّموات، واحتَمل له ما لا يَحْتمِلُ لغيره، فإنه رمى الألواحَ على الأرض حتى تكسَّرت، وأخذ بلحية نبيِّ الله هارون وجرَّه إليه، ولَطَم وجه ملَك الموت ففقأ عينَه، وخاصَم ربَّه ليلة الإسراء في شأن محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربُّه يحبُّه على ذلك كلِّه، ولا سقط شيءٌ منه من عينه، ولا سقطت منزلتُه عنده، بل هو الوجيهُ عند الله، القريب، ولولا ما تقدَّم من السَّوابق، وتحمُّل الشَّدائد والمِحَن العِظام في الله، ومقاساة الأمَّتين الشَّديدتَين: فرعونَ وقومه، ثمَّ بني إسرائيل وما آذَوْهُ به وما صَبَر عليهم لله.
ثمَّ تأمَّل حال المسيح صلى الله عليه وسلم؛ وصبرَه على قومه، واحتمالَه في الله ما تحمَّله منهم، حتى رفعه الله إليه، وطهَّره من الذين كفروا، وانتقم من أعدائه، وقطَّعهم في الأرض، ومزَّقهم كلَّ ممزَّق، وسَلَبهم مُلْكَهم وفخرَهم إلى آخر الدَّهر.
فصل
فإذا جئتَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتأمَّلتَ سيرته مع قومه، وصبرَه في الله، واحتمالَه ما لم يحتمله نبيٌّ قبله، وتلوُّنَ الأحوال عليه مِنْ سِلْمٍ وحرب، وغنًى وفقر، وخوفٍ وأمن، وإقامةٍ في وطنه وظعْنٍ عنه وتَركِه لله، وقتلِ أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفَّار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل، والسِّحر والكذب، والافتراء عليه والبهتان؛ وهو مع ذلك كلِّه صابرٌ على أمر الله، يدعو إلى الله.
فلم يُؤذ نبيٌّ ما أُوذِي، ولم يَحْتَمِل في الله ما احتَمَله، ولم يُعْط نبيٌّ ما أُعطِيَه، فرفَع الله له ذِكْرَه، وقَرَن اسمه باسمه، وجعله سيِّد النَّاس كلِّهم، وجعله أقربَ الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمَعهم عنده شفاعة.
وكانت له تلك المحنُ والابتلاءُ عينَ كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات.
وهذا حالُ ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كلٌّ له نصيبٌ من المحنة، يسوقُه الله به إلى كماله بحسب متابعته له، ومن لا نصيب له من ذلك فحظُّه من الدُّنيا حظُّ من خُلِق لها وخُلِقت له وجُعِل خَلاقُه ونصيبُه فيها، فهو يأكلُ منها رغَدًا، ويتمتَّعُ فيها حتى يناله نصيبُه من الكتاب، يُمْتَحَنُ أولياءُ الله وهو في دَعَةٍ وخَفْض عَيْش، ويخافون وهو آمِن، ويحزنون وهو في أهله مسرور، له شأنٌ ولهم شأن، وهو في وادٍ وهم في واد، همُّه ما يُقِيمُ به جاهَه، ويَسْلَمُ به مالُه، وتُسْمَعُ به كلمتُه، لَزِم من ذلك ما لَزِم، ورَضِي من رَضِي وسَخِط من سَخِط، وهمُّهم إقامةُ دين الله، وإعلاء كلمته، وإعزاز أوليائه، وأن تكون الدَّعوةُ له وحده، فيكون هو وحده المعبود لا غيره، ورسولُه المطاعَ لا سواه.
فللَّه سبحانه من الحِكَم في ابتلائه أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصرُ عقولُ العالمين عن معرفته، وهل وَصَل من وَصَل إلى الغايات المحمودة والنِّهايات الفاضلة إلا على جِسْر المحنة والابتلاء؟!
كذا المعالي إذا ما رُمْتَ تُدْرِكُها … فاعبُر إليها على جِسْرٍ من التَّعبِ.
مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 847 - 853)

