ذكر ابن القيم - رحمه الله - منع دخول المشركين للمسجد الحرام ثم قال:
فإن قيل: فما تقولون في دخولهم مساجدَ الحلّ؟
قيل: إن دخلوها بغير إذنٍ مُنِعوا من ذلك ولم يُمكَّنوا منه لأنهم نجسٌ، والجنب والحائض أحسنُ حالًا منهم وقد مُنِعا من دخول المساجد.
وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد.
ووجه الجواز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الوفود من الكفّار في مسجده، فأنزل فيه وفدَ نجران ووفدَ ثقيفٍ وغيرهم.
وقال سعيد بن المسيب: كان أبو سفيان يدخل مسجدَ المدينة وهو على شِركه.
وقدم عُمير بن وَهْبٍ ــ وهو مشركٌ ــ فدخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم فيه ليَفْتِك به، فرزقَه الله تعالى الإسلام.
ووجه المنع: أنهم أسوأ حالًا من الحائض والجنب، فإنهم نجسٌ بنص القرآن، والحائض والجنب ليسا بنجسٍ بنصّ السنة.
ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابًا فيه حسابُ عمله، فقال له عمر: ادعُ الذي كتبه ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولِمَ؟ قال: إنه نصراني. وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة.
ولأنه قد انضمَّ إلى حدث جنابته حدثُ شركِه، فيتغلَّظ المنع.
وأما دخول الكفار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فكان ذلك لما كان بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم في عهودهم، ويؤدُّون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبةَ، ويسمعون منه الدعوة. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج من المسجد لكل من قصدَه من الكفار، فكانت المصلحة في دخولهم ــ إذ ذاك ــ أعظمَ من المفسدة التي فيه، بخلاف الجنب والحائض فإنه كان يُمكِنهما التطهرُ والدخول إلى المسجد.
وأما الآن فلا مصلحةَ للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحةٌ راجحةٌ جاز دخولها بالإذن، والله أعلم.
أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (1/ 266 - 268)

