فإن قيل: فالآية إنما منعت قُربانَهم المسجدَ الحرام خاصةً، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله؟
قيل: المسجد الحرام يُراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله.
فالأول كقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 143].
والثاني قوله تعالى: {إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 23]، على أنه قد قيل: إن المراد به هاهنا الحرم كله، والناس سواءٌ فيه.
والثالث كقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: 1]، وإنما أُسرِي به من داره من بيت أم هانئٍ، وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] مكة كلّها والحرم، لم يخصَّ ذلك أحدٌ منهم بنفس المسجد الذي يُطاف فيه.
ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها، ولم يكونوا يُمنَعون من المدينة، كما في "الصحيح" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهودي على طعامٍ أخذه لأهله، فلم يُجْلِهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند نزولها من الحجاز، وأمر مؤذِّنَه أن يؤذِّن بأن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ.
أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (1/ 265 - 266)

