فصل
وأهدى له صلى الله عليه وسلم عياض بن حمار إبلًا قبل أن يُسلِم، فأبى أن يقبلها، وقال: «إنَّا لا نقبل زَبْدَ المشركين». قال: قلتُ: وما زبدُ المشركين؟ قال: "رِفْدُهم وهديتهم". ذكره أحمد.
ولا ينافي هذا قبوله هديةَ أُكَيْدِر وغيره من أهل الكتاب، لأنهم أهل كتاب، فقبِل هديتَهم، ولم يقبل هدية المشركين.
وسأله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت، فقال: رجل أهدى إليَّ قوسًا ممن كنتُ أعلِّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال: «إن كنتَ تحبُّ أن تطوَّقَ طوقًا من نار فاقبلها».
ولا ينافي هذا قوله: «إنَّ أحقَّ ما أخذتم عليه أجرًا كتابُ الله» في قصة الرقية، لأن تلك جعالة على الطب، فطبَّه بالقرآن، فأخذ الأجرَ على الطب، لا على تعليم القرآن. وهاهنا منعه من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فإن الله تعالى قال لنبيه: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الأنعام: 90]، وقال تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: 47]، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} [يس: 21]. فلا يجوز أخذ الأجرة على تبليغ الإسلام والقرآن.
وسأله صلى الله عليه وسلم أبو النعمان بن بشير أن يشهد على غلامٍ نحَلَه لابنه، فلم يشهد، وقال: «لا تُشْهِدْني على جَور». وفي لفظ: «إن هذا لا يصلح». وفي لفظ: «أكلَّ ولدك نحلتَه مثلَ هذا؟». قال: لا. قال: «فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم». وفي لفظ: «فارجعه». وفي لفظ: «أشهِدْ على هذا غيري». متفق عليه.
وهذا أمرُ تهديد قطعًا، لا أمرُ إباحة، لأنه سمَّاه جورًا وخلاف العدل، وأخبر أنه لا يصلح، وأمر بردِّه. ومحالٌ مع هذا أن يأذن في الإشهاد على ما هذا شأنه. وبالله التوفيق.
وسأله صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدَّق بثلثي مالي؟ قال: «لا». قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: «لا». قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس، وإنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك» متفق عليه.
وسأله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يُعتَق عنه مائةُ رقبة، فأعتق ابنُه هشامٌ خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأُعتِق عنه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لو كان مسلمًا، فأعتقتم عنه، أو تصدَّقتم عنه، أو حججتم عنه، بلغه ذلك». ذكره أبو داود.
إعلام الموقعين عن رب العالمين (5/ 328 – 329 ط عطاءات العلم)

