فقه اللسان: ألفاظ يُكره أن تُقَال

فصل في ألفاظ كان يُكره أن تُقَال

فمنها: أن يقول خَبُثَتْ نفسي أو جَاشت، وليقل: «لَقِسَتْ».

ومنها: أن يسمِّي شجر العنب كَرْمًا، نهى عن ذلك وقال: «لا تقولوا: الكَرْم، وقولوا: العِنب والحَبَلة».

وكره أن يقول الرَّجل: هلك النَّاس، وقال: «إذا قال ذلك فهو أهلَكُهم». وفي معنى هذا: فسد النَّاس، وفسد الزَّمان ونحوه.

ونهى أن يقال: ما شاء اللَّه وشاء فلانٌ، بل يقال: ما شاء اللَّه ثمَّ شاء فلانٌ. وقال له رجلٌ: ما شاء الله وشئتَ، فقال: «أجعلتَني لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده».

وفي معنى هذا: لولا الله وفلانٌ لما كان كذا، بل هو أقبح وأنكر. وكذلك: أنا بالله وبفلانٍ، أو أعوذ بالله وبفلانٍ، أو أنا في حَسْبِ الله وحَسْب فلانٍ، أو أنا متَّكلٌ على الله وعليك، فقائلُ هذا قد جعل فلانًا ندًّا لله عز وجل.

ومنها: أن يقال: مُطِرْنا بنَوْء كذا وكذا، بل يقول: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته.

ومنها: أن يحلف بغير اللَّه. صحَّ عنه أنَّه قال: «من حلفَ بغير الله فقد أشرك».

ومنها: أن يقول في حلفه: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو كافرٌ إن فعلَ كذا.

ومنها: أن يقول للسُّلطان: ملك الملوك. وعلى قياسه قاضي القضاة.

ومنها: أن يقول السَّيِّد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، أو يقول: الغلام لسيِّده: ربِّي، ولْيقُلِ السَّيِّد: فتاي وفتاتي، ويقول الغلام: سيِّدي وسيِّدتي.

ومنها: سبُّ الرِّيح إذا هَبَّتْ، بل يسأل الله خيرَها وخيرَ ما أُرسِلَتْ به، ويعوذ بالله من شرِّها وشرِّ ما أُرسِلَتْ به.

ومنها: سبُّ الحُمَّى، نهى عنه وقال: «إنَّها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكِيْرُ خَبَثَ الحديد».

ومنها: النَّهي عن سبِّ الدِّيك، صحَّ عنه أنَّه قال: «لا تَسُبُّوا الدِّيك فإنَّه يُوقِظ للصَّلاة».

ومنها: الدُّعاء بدعوى الجاهليَّة، والتَّعزِّي بعَزائهم، كالدُّعاء إلى القبائل والعصبيَّة لها وللأنساب، ومثله التَّعصُّب للمذاهب والطَّرائق والمشايخ، وتفضيل بعضها على بعضٍ بالهوى والعصبيَّة، وكونه منتسبًا إليه، فيدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي عليه، ويَزِنُ النَّاس به، فكلُّ هذا من دعوى الجاهليَّة.

ومنها: تسمية العِشاء بالعَتَمة تسميةً غالبةً يُهْجَر فيها لفظ العِشاء.

ومنها: النَّهي عن سِباب المسلم، وأن يتناجى اثنان دون الثَّالث، وأن تُخبِر المرأة زوجَها بمحاسنِ امرأةٍ أخرى.

ومنها: أن يقول في دعائه: اللَّهمَّ اغفِرْ لي إن شئتَ، وارحمني إن شئتَ.

ومنها: الإكثار من الحلف.

ومنها: كراهة أن يقول: قوس قُزَح لهذا الذي يُرى في السَّماء.

ومنها: أن يسأل أحدٌ بوجه اللَّه.

ومنها: أن يسمِّي المدينة يَثْرِب.

ومنها: أن لا يسأل الرَّجل فِيمَ ضربَ امرأته، إلا إذا دَعَتِ الحاجة إلى ذلك.

ومنها: أن يقول: صمتُ رمضانَ كلَّه، وقمتُ اللَّيل كلَّه.

فصل

ومن الألفاظ المكروهة الإيضاح عن الأشياء الَّتي ينبغي الكناية عنها بأسمائها الصَّريحة.

ومنها: أن يقول: أطال الله بقاءك، وأدامَ أيَّامك، وعِشْ ألف سنةٍ، ونحو ذلك.

ومنها: أن يقول الصَّائم: وحقِّ الذي خاتمُه على فمي، فإنه إنما يختم على فم الكافر.

ومنها: أن يقول للمُكُوس: حقوقًا، وأن يقول لما ينفقه في طاعة اللَّه: غَرِمْتُ أو خَسِرْتُ كذا وكذا، أو يقول: أنفقتُ في هذه الدُّنيا مالًا كثيرًا.

ومنها: أن يقول المفتي: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، في مسائل الاجتهاد، وإنَّما يقوله فيما ورد النَّصُّ بتحريمه.

ومنها: أن يسمِّي أدلَّة القرآن والسُّنَّة ظواهرَ لفظيَّةً ومجازاتٍ، فإنَّ هذه التَّسمية تُسقِط حرمتها من القلوب، ولا سيَّما إذا أضاف إلى ذلك تسمية شُبَه المتكلِّمين والفلاسفة قواطعَ عقليَّةً. ولا إله إلا اللَّه، كم حصل بهاتين التَّسميتين من فسادٍ في العقول والأديان، والدُّنيا والدِّين!

فصل

ومنها: أن يُحدِّث الرَّجل بجماع أهله، وما يكون بينه وبينهم، كما يفعله السَّفِلَة.

وممَّا يُكره من الألفاظ: زعموا، وذكروا، وقالوا، ونحوه.

وممَّا يُكره منها أن يقول للسُّلطان: خليفة الله أو نائب الله في أرضه، فإنَّ الخليفة والنَّائب إنَّما يكون عن غائبٍ، والله سبحانه خليفةُ الغائبِ في أهله، ووكيلُ عبدهِ المؤمن.

فصل

وليحذَرْ كلَّ الحذر من طغيان «أنا» و «لي» و «عندي»، فإنَّ هذه الألفاظ الثَّلاثة ابتُلِي بها إبليس وفرعون وقارونُ، فـ (أنا خيرٌ منه) لإبليس، و (لي ملك مصر) لفرعون، و (إنَّما أوتيته على علمٍ عندي) لقارون. وأحسنُ ما وُضِعَتْ «أنا» في قول العبد: أنا العبد المذنب، الخَطّاء، المستغفر، المعترف ونحوه. و «لي» في قوله: لي الذَّنب، ولي الجرمُ، ولي الفقر والمسكنة. و «عندي» في قوله: «اغفِرْ لي جِدِّي وهَزْلي وخطئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي».


زاد المعاد ط عطاءات العلم (2/ 543 - 550)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة