وفي "الصحيحين" من حديث الزهري عن سالم عن أبيه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه اللَّه القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ورجل آتاه اللَّه مالًا فهو ينفقه آناء الليل والنهار"، فجعل الغنى مع الإنفاق بمنزلة القرآن مع القيام به.
قالوا: وقد صرّح في حديث أبي كبشة الأنماري: أن صاحب المال إذا عمل في ماله بعلمه، واتقى فيه ربه، ووصل به رحمه، وأخرج منه حق اللَّه فهو بأعلى المنازل عند اللَّه -وهذا صريح في تفضيله- وجعل الفقير الصادق إذا نوى أن يعمل بعمله، وقال ذلك بلسانه، ثانيًا له، وأنه بنيته وقوله وأجرهما سواء، فإن كلًّا منهما نوى خيرًا وعمل ما يقدر عليه، فالغني نواه ونفذه بعمله، والفقير العالم نواه ونفذه بلسانه، فاستويا في الأجر من هذه الجهة.
ولا يلزم من استوائهما في أصل الأجر استواؤهما في كيفيته وتفاصيله، فإن الأجر على العمل والنيّة له مزية على الأجر على مجرد النية التي قارنها القول، ومن نوى الحجّ ولم يكن له مال يحجّ به وإن أثيب على ذلك، فإن ثواب من باشر أعمال الحجّ مع النية، له مزيّة عليه.
وإذا أردت فهم هذا، فتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من سأل اللَّه الشهادة خالصًا من قلبه بلغه اللَّه منازل الشهداء وإن مات على فراشه".
ولا ريب أن ما حصل للمقتول في سبيل اللَّه من ثواب الشهادة تزيد كيفيته وصفاته على ما حصل لناوي ذلك إذا مات على فراشه وإن بلغ منزلة الشهيد.
فهاهنا أمران: أجر وقرب، فإن استويا في أصل الأجر لكن الأعمال التي قام بها العامل تقتضي أثرًا زائدًا وقربًا خاصًّا، وهو فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه"، فاستويا في دخول النار، ولا يلزم استواؤهما في الدرجة ومقدار العذاب، فأعطِ ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم حقّها، ونزّلها منازلها، يتبيّن لك المراد.
يوضّح هذا: أن فقراء المهاجرين شكوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول اللَّه ذهب أهل الدثور بالأجور؛ يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ولهم فضول أموال يحجّون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون، قال: "أفلا أعلّمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه، قال: "تسبّحون، وتكبّرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: " {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الحديد: 21] ".
فلو كانوا يلحقونهم في مقدار الأجر بمجرد النية، لقال لهم: انووا أن تفعلوا مثل فعلهم فتنالوا مثل أجرهم، فلما أعاضهم عما فاتهم من ثواب الصدقة والعتق والحجّ والاعتمار، بتحصيل نظيره بالذكر، عُلم أن الأغنياء قد فضلوهم بالإنفاق، فلما شاركوهم في الذكر بقيت مزية الإنفاق، فشكوا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن الامتياز لم يزل، وأنهم قد ساوونا في الذكر كما ساوونا في الصلاة والصوم، فأخبرهم أن ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، فلو كان لهم سبيل إلى مساواتهم من كل وجه بالنية والقول لدلّهم عليه.
عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص492 - 495)