الاستدلال بالنشأة الأولى على البعث والنشور

وتأمل قوله تعالى في الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْت) [الواقعة: 59] كيف ذكر مبدأ النشأة وآخرها مستدلاً بها على النشأة الثانية بقوله: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ) [الواقعة: 60] فإنكم إنما علمتم النشأة الأولى في بطون أمهاتكم ومبدأها مما تُمنون ولن نُغلب على أن ننشئكم نشأة ثانية فيما لا تعلمون، فإذا أنتم أمثال ما كنتم في الدنيا في صوركم وهيئاتكم، وهذا من كمال قدرة الرب تعالى ومشيئته لو تذكرتم أحوال النشأة الأولى لدلكم ذلك على قدرة مُنشئها على النشأة التي كذبتم بها؛ فأي استدلال وإرشاد أحسن من هذا وأقرب إلى العقل والفهم وأبعد من كل شبهة وشك، وليس بعد هذا البيان والاستدلال إلا الكفر بالله وما جاءت به الرسل والإيمان.


التبيان في أقسام القرآن (ص: 199)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله