هداية الخلق ودعوتهم إلى الله ورسوله

قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33]، قال الحسن البصري: هذا حبيب الله هذا ولي الله أسلم لله وعمل بطاعته ودعا الخلق إليه. فهذا النوع أفضل أنواع الإنسان وأعلاهم درجة عند الله يوم القيامة وهم ثنية الله سبحانه من الخاسرين قال تعالى: (وَالْعَصْرِ- إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 1 - 3].

فأقسم سبحانه على خسران نوع الإنسان إلا من كمّل نفسه بالإيمان والعمل الصالح وكمل غيره بوصيته له بهما، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم.

ولا يكون من أتباع الرسول على الحقيقة إلا من دعا إلى الله على بصيرة قال الله تعالى (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) [يوسف: 108] ، فقوله: (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ) تفسير لسبيله التي هو عليها، فسبيله وسبيل أتباعه: الدعوة إلى الله. فمن لم يدع إلى الله فليس على سبيله، وقوله: (عَلَى بَصِيرَةٍ) قال ابن الأعرابي: البصيرة الثبات في الدين،

وقيل البصيرة: العبرة، كما يقال: أليس لك في كذا بصيرة، أي: عبرة، قال الشاعر:

في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر

والتحقيق: العبرة ثمرة البصيرة؛ فإذا تبصر اعتبر فمن عدم العبرة فكأنه لا بصيرة له، وأصل اللفظ من الظهور والبيان فالقرآن بصائر أي: أدلة وهدى وبيان يقود إلى الحق ويهدي إلى الرشد ولهذا يقال للطريقة من الدم التي يستدل بها على الرمية بصيرة

فدلت الآية أيضا على أن من لم يكن على بصيرة فليس من أتباع الرسول وأن أتباعه هم أولو البصائر ولهذا قال: (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فإن كان المعنى أدعوا إلى الله أنا ومن اتبعني ويكون (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) معطوفا على الضمير المرفوع في (أَدْعُو) وحسن العطف لأجل الفصل فهو دليل على أن أتباع الرسول هم الذين يدعون إلى الله وإلى رسوله، وإن كان معطوفا على الضمير المجرور في سبيلي أي: هذه سبيلي وسبيل من اتبعني فكذلك.

وعلى التقديرين فسبيله وسبيل أتباعه الدعوة إلى الله.

الأصل الرابع: قوله: (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) [الأنبياء: 73] وفي ذلك دليل على اتّباعهم ما أنزل الله على رسوله وهدايتهم به وحده دون غيره من الأقوال والآراء والنحل والمذاهب بل لا يهدون إلا بأمره خاصة.

فحصل من هذا أن أئمة الدين الذين يقتدون بهم هم الذين جمعوا بين الصبر واليقين والدعوة إلى الله بالسنة والوحي لا بالآراء وبالبدع، فهؤلاء خلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم في أمته وهم خاصته وأولياؤه ومن عاداهم أو حاربهم فقد عادى الله سبحانه وآذنه بالحرب.

قال الإمام أحمد رحمه الله في خطبة كتابه في الرد على الجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم يختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتن المضلين.


رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه (ص: 20 - 25)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله