وقفة مع قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّه)

 

وقد اشتملت هذه الآية على أسرار عظيمة يجب التنبيه على بعضها لشدة الحاجة إليها.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[النساء: 135] فأمر سبحانه بالقيام بالقسط وهو العدل في هذه الآية، وهذا أمر بالقيام به في حق كل أحد عدواً كان أو ولياً وأحق ما قام له العبد بالقسط: الأقوال والآراء والمذاهب، إذ هي متعلقة بأمر الله وخبره.

فالقيام فيها بالهوى والمعصية مضادٌّ لأمر الله مناف لما بعث به رسوله، والقيام فيها بالقسط وظيفة خلفاء الرسول في أمته وأمنائه بين أتباعه، ولا يستحق اسم الأمانة إلا من قام فيها بالعدل المحض نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولعباده، وأولئك هم الوارثون حقا، لا من يجعل أصحابه ونحلته ومذهبه معياراً على الحق وميزاناً له، يعادي من خالفه ويوالي من وافقه بمجرد موافقته ومخالفته، فأين هذا من القيام بالقسط الذي فرضه الله على كل أحد؟! وهو في هذا الباب أعظم فرضاً وأكبر وجوباً.

ثم قال: (شُهَدَاءَ لِلَّهِ) الشاهد هو المخبر، فان أخبر بحق فهو شاهد عدل مقبول، وإن أخبر بباطل فهو شاهد زور، وأمر تعالى أن يكون شهيداً له مع القيام بالقسط، وهذا يتضمن أن تكون الشهادة بالقسط، وان تكون لله لا لغيره، وقال في الآية الأخرى: (كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ) فتضمنت الآيتان أموراً أربعة:

أحدها: القيام بالقسط.

الثاني: أن يكون لله.

الثالث: الشهادة بالقسط.

الرابع: أن تكون لله.

واحتضنت آية النساء بالقسط والشهادة لله، وآية المائدة بالقيام لله والشهادة بالقسط لسرٍّ عجيب من أسرار القرآن ليس هذا موضع ذكره.

ثم قال تعالى: (وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) فأمر سبحانه أن يقام بالقسط ويشهد على كل أحد ولو كان أحب الناس إلى العبد، فيقوم بالقسط على نفسه ووالديه الذين هما أصله وأقاربه الذين هم أخص به والصديق من سائر الناس، فإن كان ما في العبد من محبة لنفسه ولوالديه وأقربيه يمنعه من القيام عليهم بالحق، ولاسيما إذا كان الحق لمن يبغضه ويعاديه قبلهم، فإنه لا يقوم به في هذا الحال إلا من كان الله ورسوله أحب إليه من كل ما سواهما، وهذا يمتحن به العبد إيمانه فيعرف منزلة الإيمان من قلبه ومحله منه، وعكس هذا عدل العبد في أعدائه ومن يجفوه، فإنه لا ينبغي أن يحمله بغضه لهم أن يحيف عليهم، كما لا ينبغي أن يحمله حبه لنفسه ووالديه وأقاربه على أن يترك القيام عليهم بالقسط، فلا يدخله ذلك البغض في باطل ولا يقصر به هذا الحب عن الحق، كما قال السلف: "العادل هو الذي إذا غضب لم يُدخله غضبه في باطل، وإذا رضي لم يُخرجه رضاه عن الحق".

اشتملت الآيتان على هذين الحكمين: وهما القيام بالقسط والشهادة به على الأولياء والأعداء.

ثم قال تعالى: (إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) منكم هو ربهما ومولاهما وهما عبيده، كما أنكم عبيده فلا تحابوا غنياً لغناه، ولا فقيراً لفقره فإن الله أولى بهما منكم.

وقد يقال: فيه معنى آخر أحسن من هذا، وهو أنهم ربما خافوا من القيام بالقسط وأداء الشهادة على الغني والفقير.

أما الغني فخوفاً على ماله، وأما الفقير فلإعدامه وأنه لا شيء له فتتساهل، النفوس في القيام عليه بالحق، فقيل لهم: والله أولى بالغني والفقير منكم، أعلم بهذا وأرحم بهذا، فلا تتركوا أداء الحق والشهادة على غني ولا فقير.

ثم قال تعالى: (لا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) نهاهم عن اتباع الهوى الحامل على ترك العدل. وقوله تعالى: (أَنْ تَعْدِلُوا) منصوب الموضع لأنه مفعول لأجله، وتقديره عند البصريين: كراهية أن تعدلوا، أو حذر أن تعدلوا، فيكون اتباعكم للهوى كراهية العدل أو فراراً منه، وعلى قول الكوفيين التقدير. أن لا تعدلوا، وقول البصريين أحسن واظهر.

ثم قال تعالى: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) ذكر سبحانه السببين الموجبين لكتمان الحق محذرا منهما ومتوعدا عليهما: أحدهما: اللي والآخر: الإعراض، فإن الحق إذا ظهرت حجته ولم يجد من يروم دفعها طريقاً إلى دفعها أعرض عنها وأمسك عن ذكرها فكان شيطاناً أخرس، وتارة يلويها ويحرفها، اللي مثال الفتل وهو التحريف، وهو نوعان: ليُّ في اللفظ وليُّ في المعنى، فاللي في اللفظ أن يلفظ بها على وجه لا يستلزم الحق، إما بزيادة لفظة أو نقصانها أو إبدالها بغيرها، ولي في كيفية أدائها وإيهام السامع لفظاً وإرادة غيره، كما كان اليهود يلوون ألسنتهم بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم وغيره فهذا أحد نوعي اللي.

والنوع الثاني منه: لي المعنى وهو تحريفه وتأويل اللفظ على خلاف مراد المتكلم، وبجهالة ما لم يرده أو يسقط منه لبعض المراد به، ونحو هذا من لي المعاني، فقال تعالى: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً).

ولما كان الشاهد مطالباً بأداء الشهادة على وجهها فلا يكتمها ولا يغيرها كان الإعراض نظير الكتمان.

واللّيّ نظير تغييرها وتبديلها، فتأمل ما تحت هذه الآية من كنوز العلم.

والمقصود: أن الواجب الذي لا يتم الإيمان بل لا يحصل مسمى الإيمان إلا به، مقابلة النصوص بالتلقي والقبول والإظهار لها ودعوة الخلق إليها، ولا تقابل بالاعتراض تارة وباللي أخرى.


الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه (ص: 31 - 36)

 

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله