تعليق ابن القيم على باب الطِّيَرة من سنن أبي داود

 

قال أبو داود في سننه: باب في الطِّيَرة وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عَدْوَى ولا صَفَرَ ولا هَامَةَ". فقال أعرابي: ما بالُ الإبل تكون في الرَّمْل كأنها الظِّباء، فيخالطها البعير الأجْرَبُ فيُجْربها؟ قال: "فمن أعْدَى الأَوَّلَ؟". قال مَعْمَر: قال الزهري: فحدثني رجل عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لَا يورِدَنَّ مُمرضٌ على مُصِحٍّ"، قال: فراجَعه الرجل فقال: أليس قد حَدَّثتنا أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا عَدْوى، ولا صفر، ولا هامة"؟ قال: لم أُحَدِّثكموه. قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حَدَّث به، وما سمعتُ أبا هريرة نسي حديثًا قط غيرَه".

قال ابن القيم: ذهب بعضهم إلى أن قوله: "لا يورِد مُمرِض على مُصِحّ" منسوخ بقوله "لا عدوى"، وهذا غير صحيح، وهو مما تقدم آنفًا أن المنهيَّ عنه نوعٌ غيرُ المأذون فيه؛ فإن الذي نفاه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "لا عدوى ولا صفر" هو ما كان عليه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قياس شركهم وقاعدة كفرهم. والذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - مِن إيراد الممرض على المصح فيه تأويلان:

أحدهما: خشية توريط النفوس في نسبة ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى العدوى، وفيه التشويش على من يورَد عليه وتعريضُه لاعتقاد العدوى، فلا تنافي بينهما بحال.

والتأويل الثاني: أن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح قد يكون سببًا لخلق الله تعالى فيه المرض، فيكون إيراده سببًا، وقد يصرف الله سبحانه تأثيرَه بأسباب تضاده، أو تمنعه قوةَ السببية، وهذا محض التوحيد، بخلاف ما كان عليه أهل الشرك.

وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في القيامة بقوله: (لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ) [البقرة: 254]، فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها، وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده، وإن لم يأذن له.

وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه، كقوله: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) [البقرة: 255]، وقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: 28]، وقوله: (وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) [سبأ: 23]. والله الموفق للصواب.


تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (2/ 639 - 640)

 

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله