الكلام على حديث: "إذا انتَصَفَ شعبانُ فلا تصوموا"

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انتَصَفَ شعبانُ فلا تصوموا".

وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال الترمذي: حسن صحيح، ومعنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أن يكون الرجل مُفطرًا، فإذا بقي من شعبان شيء أخذ في الصوم لحال شهر رمضان. آخر كلامه.

قال ابن القيم - رحمه الله -: الذين رَدُّوا هذا الحديث لهم مأخذان:

أحدهما: أنه لم يتابِع العلاءَ عليه أحد، بل انفرد به عن الناس.

وكيف لا يكون هذا معروفًا عند أصحاب أبي هريرة مع أنه أمر تعمّ به البلوى ويتّصل به العمل؟!

والمأخذ الثاني: أنهم ظنوه معارضًا لحديث عائشة وأم سلمة في صيام النبي صلى الله عليه وسلم شعبان كله، أو إلا قليلًا منه، وقوله "إلا أن يكون لأحدكم صوم فليصمه"، وسؤاله للرجل عن صوم سرر شعبان. قالوا: وهذه الأحاديث أصح منه.

وربما ظن بعضهم أن هذا الحديث لم يسمعه العلاء من أبيه.

وأما المصححون له فأجابوا عن هذا بأنه ليس فيه ما يقدح في صحته، وهو حديث على شرط مسلم، أخرج في "صحيحه" عدة أحاديث عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وتفرُّدُه به تفرد ثقةٍ بحديث مستقل، وله عدة نظائر في "الصحيح".

قالوا: والتفرد الذي يعلل به: تفرُّدُ الرجل عن الناس بوَصْلِ ما أرسلوه، أو رفعِ ما وقفوه، أو زيادةِ لفظةٍ لم يذكروها. وأما الثقة العدل إذا روى حديثًا وتفرد به لم يكن تفرُّدُه علةً، فكم قد تفرد الثقات بسننٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة؟

قالوا: وأما ظن معارضته بالأحاديث الدالة على صيام شعبان، فلا معارضة بينهما، فإن تلك الأحاديث تدل على صوم نصفه مع ما قبله، وعلى الصوم المعتاد في النصف الثاني، وحديثُ العلاء يدل على المنع من تعمد الصوم بعد النصف لا لعادةٍ ولا مضافًا إلى ما قبله، ويشهد له حديث التقدُّم.

وأما كون العلاء لم يسمعه من أبيه، فهذا لم نعلم أن أحدًا علّل به الحديث، فإن العلاء قد ثبت سماعه من أبيه، وفي "صحيح مسلم" عن العلاء عن أبيه بالعنعنة غير حديث. وقد قال .....: لقيت العلاء بن عبد الرحمن وهو يطوف، فقلت له: بِرَبِّ هذا البيت، حدّثك أبوك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا؟" فقال: ورب هذا البيت سمعتُ أبي يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فذكره.


تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (2/ 19 - 21)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله