الطب النبوي هو أكمل الطب وأصحُّه وأنفعُه

 

ولعلَّ قائلًا أن يقول: ما لهدي الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، وما لهذا الباب وذكرِ قوى الأدوية وقوانين العلاج وتدبير أمر الصِّحَّة؟

وهذا من تقصير هذا القائل في فهم ما جاء به الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّ هذا وأضعافه وأضعاف أضعافه من فهم بعض ما جاء به، وإرشاده إليه، ودلالته عليه. وحسنُ الفهم عن الله ورسوله منٌّ يمنُّ الله به على من يشاء من عباده.

فقد أوجدناك أصول الطِّبِّ الثَّلاثة في القرآن، وكيف تنكر أن تكون شريعة المبعوث بصلاح الدُّنيا والآخرة مشتملةً على صلاح الأبدان كاشتمالها على صلاح القلوب، وأنَّها مرشدةٌ إلى حفظ صحَّتها ودفع آفاتها بطرقٍ كلِّيَّةٍ، قد وُكِل تفصيلُها إلى العقل الصَّحيح والفطرة السَّليمة، بطريق القياس والتَّنبيه والإيماء، كما هو في كثيرٍ من مسائل فروع الفقه. ولا تكن ممَّن إذا جهل شيئًا عاداه!

ولو رُزِق العبدُ تضلُّعًا من كتاب الله وسنَّة رسوله وفهمًا تامًّا في النُّصوص ولوازمها لاستغنى بذلك عن كلِّ كلامٍ سواه، ولاستنبط جميعَ العلوم الصَّحيحة منه. فمدارُ العلوم كلِّها على معرفة الله وأمره وخلقه، وذلك مسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله وسلامه عليهم؛ فهم أعلمُ الخلق بالله وأمره وخلقه، وحكمتِه في خلقه وأمره. وطبُّ أتباعهم أصحُّ وأنفع من طبِّ غيرهم. وطبُّ أتباع خاتمهم وسيِّدهم وإمامهم محمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه أكملُ الطِّبِّ وأصحُّه وأنفعه. ولا يعرف هذا إلا من عرف طبَّ النَّاس سواهم وطبَّهم ثمَّ وازن بينهما، فحينئذٍ يظهر له التَّفاوت.

وهم أصحُّ الأمم عقولًا وفطرًا، وأعظمهم علمًا، وأقربهم في كلِّ شيءٍ إلى الحقِّ؛ لأنَّهم خيرة الله من الأمم، كما رسولُهم خيرته من الرُّسل. والعلم الذي وهبهم إيَّاه والحكمة والحلم أمرٌ لا يدانيهم فيه غيرهم.

وقد روى الإمام أحمد في «مسنده»: من حديث بهز بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنتم توفون سبعين أمَّةً، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه". فظهر أثر كرامتها على الله في علومهم وعقولهم وأحلامهم وفِطَرهم. وهم الذين عرضت عليهم علومُ الأمم قبلهم وعقولهم وأعمالهم ودرجاتهم، فازدادوا بذلك علمًا وحلمًا وعقولًا، إلى ما أفاض الله سبحانه عليهم من علمه وحلمه.

ولذلك كانت الطَّبيعة الدَّمويَّة لهم، والصَّفراويَّة لليهود، والبلغميَّة للنَّصارى. ولذلك غلب على النَّصارى البلادة وقلَّة الفهم والفطنة، وغلب على اليهود الحزن والهمُّ والغمُّ والصُّفار، وغلب على المسلمين العقل والفهم والشَّجاعة والنَّجدة والفرح والسُّرور.

وهذه أسرارٌ وحقائق إنَّما يعرف مقدارها مَن حسُن فهمه، ولطُف ذهنه، وغزُر علمه، وعرف ما عند النَّاس. وباللَّه التَّوفيق.


زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم (4/ 614 - 616)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله