الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وغربة السالكين في طريقها

 

وأما الهجرة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فمَعلَمٌ لم يبقَ منه سوى رسمِه، ومنهج لم تترك منه بُنَيّاتُ الطريقِ سوى اسمِه، ومَحَجَّةٌ سَفَتْ عليها السَّوافي فطَمَسَتْ رُسومَها، وأغارت عليها الأعادي؛ فَغَوَّرت مناهلها وعيونها، فسالُكها غريب بين العباد، فريد بين كل حيٍّ وناد، بعيد على قرب المكان، وحيد على كثرة الجيران، مستوحش مما به يستأنسون، مستأنس مما به يستوحشون، مقيم إذا ظَعَنُوا، ظاعن إذا قَطَنوا، منفرد في طريق طلبه، لا يَقَرُّ قراره حتى يَظْفَرَ بأربِه، فهو الكائنُ معهم بجسده، البائنُ منهم بمقصده، نامت في طلب الهدى أعينهم وما ليلُ مَطِيهِ بنائم، وقعدوا عن الهجرةِ النبوية وهو في طلبها مُشَمِّرٌ قائم، يعيبونه بمخالفة آرائهم، ويُزْرُونَ عليه إزراء على جهالاتهم وأهوائهم؛ قد رَجَموا فيه الظُّنون، وأَذْكَوْا عليه العيون، وتَربَّصُوا به ريبَ المنون. {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52]، {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 112].

نَحْنُ وإيَّاكُمُ نموتُ ولا … أفلحَ عند الحسابِ مَن نَدِمَا

والمقصود أن هذه الهجرة النبوية شأنها شديد، وطريقها على غير المشتاق وَعِيْرٌ بعيد.

بعيدٌ على كسلانَ أو ذي مَلالةٍ … وأما على المشتاقِ فهو قريبُ

ولَعمرُ اللهِ ما هي إلا نور يتلألأ، ولكنِ أنت ظَلامُه، وبدر أضاءَ مشارق الأرض ومغاربها، ولكن أنتَ غيْمُه وقَتَامُه، ومنهلٌ عذب صافي، ولكن أنت كَدَرُه، ومبتدأ له خَبَرٌ عظيمٌ، ولكن ليس عندك خبره.

فاسمع الآنَ شأنَ هذه الهجرة والدلالة عليها، وحاسِبْ نفسَكَ بينك وبين الله هل أنت من المهاجرين لها أو المهاجرين إليها؟

فحدُّ هذه الهجرة: سفرُ الفكر في كل مسألة من مسائل الإيمان، ونازلةٍ من نوازل القلوب، وحادثةٍ من حوادث الأحكام، إلى معدِن الهُدى ومنبع النور المتلقى من فم الصادق المصدوق، الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]، فكل مسألةٍ طلعتْ عليها شمسُ رسالتِه وإلا فاقذِفْ بها في بحار الظلمات، وكل شاهد عدَّله هذا المزكِّي الصادق وإلا فعُدَّهُ من أهل الريب والتهمات؛ فهذا هو حدُّ هذه الهجرة.

فما للمقيمِ في مدينة طَبْعِه وعوائِده، القاطِن في دار مرباه ومولده، القائل: إنا على طريقة آبائنا سالكون، وإنا بحبلهم مستمسكون، وإنا على آثارهم مُقتدون، وما لهذه الهجرة؟ قد ألقَى كُلَّه عليهم، واستند في معرفةِ طريق نجاتِه وفلاحِه إليهم، معتذرا بأن رأيهم له خير من رأيه لنفسه، وأن ظنونهم وآراءهم أوثقُ من ظنّه وحَدْسِه.

ولو فتَّشتَ عن مصدر هذه الكلمة لوجدتَها صادرة عن الإخلادِ إلى أرض البطالة، متولدةً بين بَعْلِ الكسل وزوجتِه الملالة.

والمقصود أن هذه الهجرة فرض على كل مسلم، وهي مقتضَى شهادة أن محمدا رسول الله، كما أن الهجرة الأولى مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.

وعن هاتين الهجرتين يُسأَلُ كل عبد يومَ القيامة وفي البرزخ ويُطالَب بهما في الدنيا، فهو مطالَب بهما في الدُّور الثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار. قال قتادة: "كلمتان يُسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ".

وهاتان الكلمتان هُما مضمون الشهادتين.


الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه - ط عطاءات العلم (1/ 21)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله