هل يجب على الجماعة حضور المسجد أم لهم فعل الصلاة في البيت؟

 

وأمَّا المسألة التَّاسعة، وهي: هل له فعلها في بيته، أم يتعيَّن المسجد؟ فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.

إحداهما: له فعلها في بيته. وبذلك قالت الحنفيَّة، والمالكيَّة، وهو أحد الوجهين للشَّافعية.

والثَّانية: ليس له فعلها في البيت إلَّا من عُذرٍ.

وفي المسألة قول ثالثٌ: أنَّ فعلها في المساجد فرض كفاية. وهو الوجه الثَّاني لأصحاب الشَّافعي.

فوجه القول الأول: حديث الرَّجُلَين اللَّذَيْن صلَّيا في رِحَالهما؛ فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَدَبَهما إلى فعلِها في المسجد، ولم ينكر عليهما فعلها في رِحَالهما.

وكذلك حديث محجن بن الأدرع، وحديث عبدالله بن عمر. وقد تقدَّمت هذه الأحاديث.

وفي «الصَّحِيْحَين»، عن أنس بن مالكٍ قال: «كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أحسن النَّاس خُلُقًا، فرُبَّما حَضَرَت الصَّلاة وهو في بيتنا، فيأمر بالبِسَاط الذي تحته، فيُكْنَس ويُنْضَح، ثم يقوم - صلى الله عليه وسلم - ونقوم خلفه، فيصلِّي بنا».

وفي «الصَّحِيْحَين» عنه ـ أيضًا ـ قال: «سَقَط النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن فرسٍ، فجُحِشَ شِقُّهُ الأيمن، فدخلنا عليه نعودُهُ، فحَضَرت الصلاة، فصلَّى قاعدًا».

وفي «الصَّحِيْحَين» ـ أيضًا ـ عن أبي ذرٍّ قال: سألتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: أيُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أول؟ قال: «المسجد الحرام، ثمَّ المسجد الأقصى، ثم حيثما أدركتك الصلاة فصَلِّ؛ فإنَّه مسجدٌ».

وصحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم -: «جُعِلَت لي كُلُّ أرضٍ طيِّبةٍ مسجدًا وطهورًا».

ووجه الرِّواية الثَّانية: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على وجوب الجماعة؛ فإنَّها صريحةٌ في إتيان المساجد.

وفي «مسند الإمام أحمد»، عن ابن أمِّ مكتوم: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَتَى المسجد، فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: «إنِّي لأهمُّ أنْ أجعل للنَّاس إمامًا، ثُمَّ أخرج، فلا أقدر على إنسانٍ يتخلَّف عن الصَّلاة في بيتِهِ إلَّا أحرقته عليه».

وفي لفظٍ لأبي داود: «ثُمَّ آتي قومًا يصلُّون في بيوتهم، ليست بهم عِلَّةٌ، فأحرِّق عليهم بيوتهم».

وقال له ابن أمِّ مكتومٍ ـ وهو رجلٌ أعمى ـ: هل تجد لي رخصةً أنْ أصلِّي في بيتي؟ قال: «لا أجد لك رخصة».

وقال ابن مسعود: «لو صلَّيْتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيتِهِ لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتُم».

وعن جابر بن عبدالله قال: فَقَدَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قومًا في صلاةٍ، فقال: «ما خلَّفَكم عن الصَّلاة؟» فقالوا: لماءٍ كان بيننا. فقال: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». رواه الدَّارقطني.

وقد تقدَّم هذا المعنى عن علي بن أبي طالبٍ وغيره من الصَّحابة رضي الله عنهم.

فإنْ خالَفَ وصلَّى في بيته جماعةً من غير عذرٍ، ففي صِحَّة صلاته قولان. قال أبو البركات في «شرحه»:

«فإنْ خالف وصلَّاها في بيته صحَّت. ويتخرَّج أن لا تصحَّ من غير عذرٍ؛ بناءً على ما اختاره ابن عقيل في ترك الجماعة، حيث ارتكب النَّهي. ويعضده قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد». قال: والمذهبُ الصِّحَّة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الرجل في جماعةٍ تضاعف على صلاته في بيته أو في سوقه خمسًا وعشرين ضِعفًا». ويُحْمَل قوله: «لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد» على نفي الكمال جمعًا بينهما.

قال: والرِّواية الأولى اختيار أصحابنا، وأنَّ حضور المسجد لا يجب. وهي عندي بعيدةٌ جدًّا إنْ حُمِلَت على ظاهرها؛ فإنَّ الصَّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدِّين وأعلامه، وفي تركها بالكليَّة أوفى المفاسد، ومحو آثار الصَّلاة؛ بحيث تفضي إلى فتور هِمَم أكثر الخلق عن أصل فعلها؛ ولهذا قال عبدالله بن مسعودٍ: «لو صلَّيْتُم في بيوتكم كما يصلِّي هذا المتخلِّف في بيته لتركتم سُنَّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضَلَلْتم».

قال: وإنَّما معنى هذه الرِّواية ـ والله أعلم ـ أنَّ فعلها في البيت جائزٌ لآحاد النَّاس إذا كانت تُقَام في المساجد. فيكون فِعْلُها في المساجد فرض كفايةٍ على هذه الرِّواية، وعلى الأخرى فرض عينٍ.

قال: ويدلُّ على ذلك جواز الجمع بين الصَّلاتين للأمطار. ولو كان الواجب فعل الجماعة فقط، دون الفعل في المسجد لما جاز الجمع لذلك؛ لأنَّ أكثر الناس قادرون على الجماعة في البيوت، فإنَّ الإنسان غالبًا لا يخلو أنْ يكون عنده زوجة أو ولدٌ أو غلامٌ أوصديق، أو نحوهم، فيمكنهما الصَّلاة جماعةً، وغير ذلك. فلا يجوز ترك الشَّرط ـ وهو الوقت ـ من أجل سُنَّة. فلمَّا جاز الجمع عُلِمَ أنَّ الجماعة في المساجد فرضٌ، إمَّا على الكفاية، وإمَّا على الأعيان». هذا كلامُه.

ومن تأمَّل السُّنَّة حقَّ التَّأمُّل تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرضٌ على الأعيان، إلَّا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة. فترك حضور المسجد لغير عذرٍ كترك أصل الجماعة لعذرٍ، وبهذا تتَّفق جميع الأحاديث والآثار.

ولمَّا مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبَلَغ أهلَ مكة موتُه خطَبَهُم سُهَيلُ بن عمروٍ، وكان عتَّاب بن أَسِيد ـ عامله على مكَّة ـ قد تَوَارى خوفًا من أهل مكة، فأخرجه سُهَيل، وثبَّت أهل مكَّة على الإسلام. فخطبهم بعد ذلك عتَّابٌ، وقال: «يا أهل مكَّة، والله لا يبلُغُنِي أنَّ أحدًا منكم تخلَّفَ عن الصَّلاة في المسجد في الجماعة إلَّا ضربتُ عُنُقَه».

وشَكَرَ أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الصَّنِيع، وزاده رفعةً في أعينهم.

فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحدٍ التخلُّف عن الجماعة في المسجد، إلَّا من عذرٍ. والله أعلم.


الصلاة - ط عطاءات العلم (1/ 261 - 268)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله