قال أبو الدرداءِ: "إذا نام العبد المؤمن عُرِجَ بروحه حتّى تسجدَ تحت العرشِ، فإن كان طاهرًا أذِن لها بالسجود، وإنْ كان جنُبًا لم يؤذَن لها".
وهذا -واللَّه أعلم- هو السرّ الذي لأجله أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الجُنُبَ إذا أرادَ النوم أن يتوضّأ، وهو إمَّا واجب على أحد القولين، أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر. فإنَّ الوضوء يخفّف حدثَ الجنابة، ويجعله طاهرًا من بعض الوجوه. ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّهم إذا كان أحدُهم جنُبًا ثمَّ أراد أن يجلس في المسجد توضَّأ ثمَّ جلس فيه. وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره، مع أنَّ المساجد لا تحلّ لجنب. فدلَّ على أنَّ وضوءَه رفع حكمَ الجنابة المطلقة الكاملة التي تمنع الجسد من الجلوس في بيت اللَّه، وتمنع الروح من السجود بين يدي اللَّه.
فتأمَّلْ هذه المسألةَ وفقهَها، واعرف بها مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم. فهل ترى أحدًا من المتأخّرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذي خصَّ اللَّه به خيارَ عباده، وهم أصحاب نبيّه؟ وذلك فضل اللَّه، يؤتيه من يشاءُ، واللَّه ذو الفضل العظيم.
طريق الهجرتين وباب السعادتين (1/ 454 - 455)