الغاية من وجود الشعر في البدن

 

فمادة "الشعر" هو البخار الدخاني الحار اليابس، وسببه هو الحرارة الطبيعية المحرقة لذلك البخار، والآلة التي بها يتم أمره هي المسام التي ارتكب فيها البخار، فتلبد هناك فصار "شعرا" بإذن الله تعالى.

والغاية التي وجد لأجلها وجد لها سببان:

أحدهما عام: وهو تنقية البدن من الفضول الدخانية الغليظة.

والآخر خاص: وهو إما للزينة، وإما للوقاية.

وإذا بان بأن "الشعر" إنما يتولد مع الحرارة واليبس المعتدل؛ بقيت ثلاثة أقسام:

أحدها: حرارة غالبة على اليبس، كالصبيان.

الثاني: عكسه، وهو يبس غالب على الحرارة، كالمشايخ.

الثالث: حرارة ضعيفة ويبس ضعيف، كأبدان النساء.

ففي هذه الأقسام يقل "الشعر"، وأما الشباب فإن حرارة أبدانهم ويبسها معتدل، فيقوى تولد "الشعر" فيهم.

وفي"شعر الرأس" منافع ومصالح:

1 - منها وقايته عن الحر والبرد والمرض.

2 - ومنها الزينة والحسن.

والسبب الذي صار به "شعر الرأس" أكثر من "شعر البدن" أن البخار شأنه أن يصعد من جميع البدن إلى "الدماغ"، ومن "الدماغ" إلى فوق، فلذلك كان هذا "الشعر" ناميا على الدوام؛ لأن البخار يتصاعد إلى "الرأس" أبدا، وهو مادة "للشعر". فبنماء "الشعر" ينمو البخار، وكان فيه تخليص للبدن من تلك المواد، وتكثير لوقايته وغطائه.

وأما شعر "الحاجبين" ففيه - مع الحسن والزينة والجمال - وقاية "العينين" مما ينحدر من "الرأس".

وجعل على هذا المقدار، فلو نقص عنه لزالت منفعة الجمال والوقاية، ولو زاد عليه لغطى "العين"، وأضر بها، وحال بينها وبين ما تدركه وقد ذكرنا منفعة شعر "الهدب".

ولما كان الأصلح والأنفع أن يكون شعر "الهدب" قائما منتصبا، وأن يكون باقيا على حال واحد في مقدار واحد = جعل منبت هذا "الشعر" في جرم صلب شبيه بالغضروف، يمتد في طول "الجفن" لئلا يطول وينمو. وهذا كما نشاهد النبات الذي ينبت في الأرض الرخوة اللينة كيف يطول ويزداد، والذي ينبت في الأرض الصخرية الصلبة لا ينمو إلا نموا يسيرا. فكذلك "الشعر" النابت في الأعضاء اللينة الرطبة، فإنه سريع النمو كشعر "الرأس" و"العانة".

وأما شعر "اللحية" ففيه منافع:

1 - منها الزينة، والجمال، والوقار، والهيبة. ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء والسناط من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى.

2 - ومنها التمييز بين الرجال والنساء.

فإن قيل: لو كان شعر "اللحية" زينة لكان النساء أولى به من الرجال، لحاجتهن إلى الزينة، وكان التمييز يحصل بخلو الرجال منه، ولكان أهل الجنة أولى به، وقد ثبت أنهم جرد مرد ؟

قيل: الجواب أن النساء لما كن محل الاستمتاع والتقبيل، كان الأحسن والأولى خلوهن عن "اللحى"، فإن محل الاستمتاع إذا خلا عن "الشعر" كان أتم.

ولهذا المعنى - والله أعلم - كان أهل الجنة مردا؛ ليكمل استمتاع نسائهم بهم ، كما يكمل استمتاعهم بهن.

وأيضا؛ فإنه أكشف لمحاسن الوجوه، فإن "الشعر" يستر ما تحته من المحاسن، فصان الله محاسن وجوههم عما يسترها.

وأيضا؛ ليكمل استمتاعهم بنسائهم؛ فإن "الشعر" يمنع ما تحته من البشرة أن يمس بشرة المرأة. والله أعلم بحكمته في خلقه.

 وأما شعر "العانة" و"الإبط" و"الأنف"؛ فمنفعته تنقية البدن عن الفضلة، ولهذا إذا أزيل من هذه المواضع وجد البدن خفة ونشاطا، وإذا وفر وترك وجد البدن ثقلا وكسلا وغما.

ولهذا جاءت الشريعة بحلق "العانة"، ونتف "الإبط". وكان حلق "العانة" أولى من نتفها لصلابة "الشعر"، وتأذي صاحبه بنتفه. وكان نتف "الإبط" أولى من حلقه لضعف "الشعر" هناك، وشدته وتفحله بالحلق. فجاءت الشريعة بالأنفع في هذا وهذا.

وتأمل حكمة الرب - تعالى - في كونه أخلى "الكفين" و"الجبهة" و"الأخمصين" من "الشعر" فإن "الكفين" خلقا حاكمين على الملموسات، فلو جعل "الشعر" فيهما لأخل ذلك بالحكمة التي خلقا لها .

وخلقا للقبض، وإلصاق اللحم على المقبوض أعون على جودته من التصاق "الشعر" به.

وأيضا؛ فإنهما آلة الأخذ، والعطاء، والأكل، ووجود "الشعر" فيهما يخل بتمام هذه المنفعة.

وأما "الأخمصان" فلو نبت فيهما "الشعر" لأضر ذلك بالماشي، ولأعاقه في المشي كثيرا مما كان يعلق بشعره مما على الأرض، ويتعلق شعره بما عليها أيضا.

هذا مع أن كثرة الأوتار والأغشية في "الكفين" مانع من نفوذ الأبخرة فيها. وأما في "الأخمصين" فإن الأبخرة تتصاعد إلى علو، وكلما تصاعدت كان "الشعر" فيه أكثر.

وأيضا؛ فإن في كثرة وطء الأرض بـ "الأخمصين" تصليبهما، ويجعل سطحهما أملس لا ينبت شيئا، كما أن الأرض التي توطأ كثيرا لا تنبت شيئا.

وأما "الجبهة" فلو نبت "الشعر" عليها لستر محاسنها، وأظلم الوجه، وتدلى إلى "العينين"، فكان يحتاج إلى حلقه دائما، ومنع "العينين" من كمال الإدراك.

والسبب المؤدي لذلك أن الذي تحت عظم "الجبهة" هو مقدم "الدماغ"، وهو بارد رطب، والبخار لا يتحرك منحرفا إلى "الجبهة"، بل صاعدا إلى فوق.

فإن قيل: فلم نبت شعر الصبي على رأسه وحاجبيه وأجفانه معه في الصغر دون سائر الشعور؟

قيل: لشدة الحاجة إلى هذه الشعور الثلاثة أوجدها الله - سبحانه - معه وهو جنين في بطن أمه، فإن شعر "الرأس" كالغطاء الواقي له من الآفات، و"الأهداب" و"الأجفان" وقاية "للعين".

فإن قيل: فلم لم تنبت له "اللحية" إلا بعد بلوغه؟

قيل: لأنه عند البلوغ تجتمع الحرارة في بدنه، وتكون أقوى ما هي. ولهذا يعرض له في هذا الطور: "البثرات"، و"الدماميل"، وكثرة الاحتلام.

وإذا قويت الحرارة كثرت الأبخرة بسبب التحلل، وزادت على القدر المحتاج إليه في شعر "الرأس"، فصرفها أحكم الحاكمين إلى نبات "اللحية" و"العانة".

وأيضا؛ فإن بين أوعية "المني" وبين "اللحية" ارتباطا؛ إذ العروق والمجاري متصلة بينهما، فإذا تعطلت أوعية "المني" ويبست تعطل شعر "اللحية"، وإذا قلت الرطوبة والحرارة هناك قل شعر "اللحية"؛ ولهذا فإن الخصيان لا ينبت لهم "لحى".


التبيان في أيمان القرآن - ط عطاءات العلم (1/ 472 - 479)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله