وقفة مع حديث: "إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثمَّ اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن..."

وفي «الصَّحيحين» عن البراء بن عازبٍ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أتيتَ مضجعك فتوضَّأ وضوءك للصَّلاة، ثمَّ اضطَجِعْ على شقِّك الأيمن، ثمَّ قل: اللَّهمَّ إنِّي أسلمتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجا ولا منجا منك إلا إليك. آمنتُ بكتابك الذي أنزلتَ، ونبيِّك الذي أرسلتَ. واجعلهنَّ آخر كلامك، فإن متَّ من ليلتك متَّ على الفطرة».

وفي «صحيح البخاريِّ» عن عائشة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلَّى ركعتي الفجر ــ يعني سنَّتها ــ اضطجع على شقِّه الأيمن.

وقد قيل: إنَّ الحكمة في النَّوم على الجانب الأيمن أن لا يستغرق النَّائم في نومه، لأنَّ القلب فيه ميلٌ إلى جهة اليسار، فإذا نام على جنبه الأيمن طلب القلبُ مستقرَّه من الجانب الأيسر. وذلك يمنع من استقرار النَّائم واستثقاله في نومه، بخلاف قراره في النَّوم على اليسار، فإنَّه في مستقرِّه، فيحصل بذلك الدَّعة التَّامَّة، فيستغرق الإنسان في نومه ويستثقل، فتفوته مصالح دينه ودنياه.

ولمَّا كان النَّائم بمنزلة الميِّت، والنَّوم أخو الموت، ولهذا يستحيل على الحيِّ الذي لا يموت، وأهلُ الجنَّة لا ينامون فيها= كان النَّائم محتاجًا إلى من يحرس نفسه ويحفظها ممَّا يعرض لها من الآفات، ويحرس بدنه أيضًا من طوارق الآفات، وكان ربُّه وفاطره تعالى هو المتولِّي لذلك وحده= علَّم النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - النَّائمَ أن يقول كلمات التَّفويض والالتجاء والرَّغبة والرَّهبة، ليستدعي بها كمالَ حفظ الله له وحراسته لنفسه وبدنه. وأرشده مع ذلك إلى أن يستذكر الإيمانَ، وينام عليه، ويجعل التَّكلُّمَ به آخر كلامه، فإنَّه ربَّما توفَّاه الله في منامه؛ فإذا كان الإيمان آخر كلامه دخل الجنَّة. فتضمَّن هذا الهديُ في المنام مصالحَ القلب والبدن والرُّوح، في النَّوم واليقظة، والدُّنيا والآخرة. فصلوات الله وسلامه على من نالت به أمَّته كلَّ خيرٍ.

وقوله: «أسلمتُ نفسي إليك» أي: جعلتها مسلَّمةً لك تسليمَ العبد المملوك نفسَه إلى سيِّده ومالكه.

وتوجيهُ وجهه إليه يتضمَّن إقباله بالكلِّيَّة على ربِّه، وإخلاصَ القصد والإرادة له، وإقرارَه بالخضوع والذُّلِّ والانقياد. قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} [آل عمران: 20].

وذكَر «الوجه»، إذ هو أشرف ما في الإنسان ومجمَعُ الحواسِّ. وأيضًا ففيه معنى التَّوجُّه والقصد من قوله:

ربَّ العباد إليه الوجهُ والعمَلُ

وتفويضُ الأمر إليه: ردُّه إلى الله سبحانه. وذلك يوجب سكون القلب وطمأنينته، والرِّضى بما يقضيه ويختاره له ممَّا يحبُّه ويرضاه. والتَّفويض من أشرف مقامات العبوديَّة، ولا علَّة فيه، وهو من مقامات الخاصَّة خلافًا لزاعمي خلاف ذلك.

وإلجاء الظَّهر إليه سبحانه يتضمَّن قوَّة الاعتماد عليه، والثِّقة به، والسُّكون إليه، والتَّوكُّل عليه؛ فإنَّ من أسند ظهرَه إلى ركنٍ وثيقٍ لم يخف السُّقوط.

ولمَّا كان للقلب قوَّتان: قوَّة الطَّلب وهي الرَّغبة، وقوَّة الهرب وهي الرَّهبة؛ وكان العبد طالبًا لمصالحه، هاربًا من مضارِّه= جمع الأمرين في هذا التَّفويض والتَّوجُّه، فقال: «رغبةً ورهبةً إليك».

ثمَّ أثنى على ربِّه بأنَّه لا ملجأ للعبد سواه، ولا منجا له منه غيره. فهو الذي يلجأ إليه العبد لينجِّيه من نفسه، كما في الحديث الآخر: «أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك». فهو سبحانه الذي يعيذ عبدَه، وينجِّيه من بأسه الذي هو بمشيئته وقدرته. فمنه البلاء، ومنه الإعانة. ومنه ما يطلب النَّجاة منه، وإليه الالتجاء في النَّجاة. فهو الذي يُلْجَأ إليه في أن ينجِّي ممَّا منه، ويستعاذ به ممَّا منه. فهو ربُّ كلِّ شيءٍ، ولا يكون شيءٌ إلا بمشيئته. {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ} [الأنعام: 17]. {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17].

ثمَّ ختم الدُّعاء بالإقرار بالإيمان بكتابه ورسوله، الذي هو ملاك النَّجاة والفوز في الدُّنيا والآخرة. فهذا هديه في نومه.

لو لم يقل إنِّي رسولٌ أما … شاهدُه في هديه ينطق


زاد المعاد في هدي خير العباد (4/ 353) - ط عطاءات العلم

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله