من دلائل قدرة الله سبحانه على أفعال عباده

 

ومن ذلك قوله تعالى: {واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7]، فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم، وهذا لا يقدر عليه سواه، وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته، فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين: حبه وحسنه الداعي إلى حبه، وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان، وأن ذلك محض فضله ومنته عليهم، حيث لم يكلهم إلى أنفسهم، بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين، وتكريه ضده، فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة، والله عليم بمواقع فضله، ومن يصلح له ومن لا يصلح، حكيم بجعله في مواضعه.

ومن ذلك قوله تعالى: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} [الأنفال: 62 - 63]، وقال: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103]، وتأليف القلوب جعل بعضها يألف بعضا، ويميل إليه ويحبه، وهو من أفعالها الاختيارية، وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي فعل ذلك لا غيره.

ومن ذلك قوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} [المائدة: 11]، أخبر سبحانه بفعلهم وهو الهم، وبفعله وهو كفهم عما هموا به، ولا يصح أن يقال: إنه سبحانه أشل أيديهم أو أماتهم، أو أنزل عليهم عذابا حال بينهم وبين ما هموا به، بل كف قدرهم وإراداتهم مع سلامة حواسهم وبنيتهم، وصحة آلات الفعل منهم.

وعند القدرية هذا محال، بل هم الذين يكفون أنفسهم، والقرآن صريح في إبطال قولهم.

ومثله قوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24]، فهذا كف أيدي الفريقين مع سلامتها وصحتها، وهو بأن حال بينهم وبين الفعل فكف بعضهم عن بعض.

ومن ذلك قوله تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} [النحل: 53]، والإيمان والطاعة من أجل النعم، بل هما أجل النعم على الإطلاق، فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ومشيئة وخلقا، ولا يصح أن يقال: إنهما منه أمرا وبيانا فقط، فإن ذلك حاصل بالنسبة إلى الكفار والعصاة، فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان والطاعة والبر منهم، إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة، وهذا قول القدرية، وقد صرح به كثير منهم، ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته له، وخلقه فعله وتوفيقه إياه حتى فعله، وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع الرسل والكتب.

وطردوا ذلك حتى لم يجعلوا لله على العبد منة في إعطائه الجزاء، بل قالوا: ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه، واحتجوا بقوله: {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8]، قالوا: أي: غير ممنون به عليهم، إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها.

قالوا: والمنة تكدر النعمة والعطية.

ولم يدع هؤلاء للجهل بالله موضعا، وقاسوا منته على منة المخلوق، فإنهم مشبهة في الأفعال، معطلة في الصفات.

وليست المنة في الحقيقة إلا لله، فهو المان بفضله، وأهل سماواته وأهل أرضه في محض منته عليهم، قال تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: 17]، وقال تعالى لكليمه موسى: {ولقد مننا عليك مرة أخرى} [طه: 37]، وقال: {ولقد مننا على موسى وهارون} [الصافات: 114]، وقال: {ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} [القصص: 5].

ولما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " قالوا: الله ورسوله أمنّ.

وقالت الرسل لقومهم: {إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} [إبراهيم: 11].

فمنته سبحانه محض إحسانه وفضله ورحمته، وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم، ولهذا قال أهلها وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: {إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم} [الطور: 26 - 27]، فأخبروا ــ لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم ــ أن نجاتهم من عذاب السموم بمحض منته عليهم.

وقد قال أعلم الخلق بالله، وأحبهم إليه، وأقربهم منه، وأطوعهم له: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".

وقال: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم"، والأول في "الصحيح"، والثاني في "المسند" و"السنن"، وصححه الحاكم وغيره.

فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله.

وقالت القدرية: إنهم يدخلونها بأعمالهم؛ لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمنة الله، بل يكون ذلك النعيم عوضا.

وما رمى السلف ــ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ــ القدرية عن قوس واحدة إلا لعظم بدعتهم، ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله.

فلو أتى العباد بكل طاعة، وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله؛ لكانوا في محض منته وفضله، وكانت له المنة عليهم، وكلما عظمت طاعة العبد كانت منة الله عليه أعظم، فهو المان بفضله، فمن أنكر منته فقد أنكر إحسانه.

وأما قوله تعالى: {لهم أجر غير ممنون} [فصلت: 8]، فلم يختلف أهل العلم بالله ورسوله وكتابه أن معناه: غير مقطوع، ومنه: {ريب المنون}، وهو الموت؛ لأنه يقطع العمر.


شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (1/ 193 - 197)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله