ابن القيم يصور الحال قبل اتصاله بابن تيمية

*الدكتور: علي بن عبد العزيز الشبل

 

ثالثًا - تصوير ابن القيم حاله وحال الناس:

وابن القيم ذكر حال الناس، وذكر حاله هو قبل أن يتصل بشيخه بعد أن وقع في تلك الأمور المدلهمَّة والبدع، تلك الشِّباك شباك الضَّلالة، ثم ذكر آثار هذا العالِم عليه لَما قال في مجالس التحكيم على أقوال المخالفين في عقيدته الكافية الشافية، المسماة (النُّونية):

يـا قـومِ، واللهِ الـعظيم نـصيحة ... مِـن مُـشفق وأخٍ لـكم مِـعوانِ
جـرَّبتُ هـذا كـلَّه ووقـعتُ في ... تـلك الـشباك وكـنتُ ذا طيرانِ
حـتى أتـاح لـيَ الإلـهُ بـفضلِه ... مَن ليس تَجزيه يَدي ولساني

وفي بعض النسخ المخطوطة "شيخ":

حَـبرٌ أتـى مِـن أهـل حَـرَّانٍ فـيا ... أهــلاً بـمَن قـد جـاء مِـن حَـرانِ
فالله يَـجـزيه الــذي هــو أهـلُـه ... مِـن جـنة الـمأوى مـعَ الرضوانِ
أخذَت يداه يدي، وسار فلَم يَرُم ... حـتـى أرانــيَ مَـطـلعَ الإيـمـانِ
ورأيــتُ أعــلامَ الـمدينةِ حـولها ... نُــزلَ الـهـدى وعَـساكرَ الـقرآنِ
ورأيـــتُ آثــارًا عـظـيمًا شـأنُـها ... مـحـجوبةً عــن زُمــرة الـعُميانِ
وورَدتُ رأس الـماء أبـيضَ صافيًا ... قــيـعـانُـه كـــلآلــئ الـتـيـجـانِ

ثم استرسل رحمه الله بذِكْر فضلِ هذا العالم عليه، وعلى أبناء زمانه، بل وعلينا نحن بعده بمئين مِن السنين، إلى أن ذكَر مؤلفاته، ووصيتَه إلى طلاب العلم بها:

حـبرٌ أتـى مِـن أهـل حـرانٍ فـيا ... أهـلاً بـمن قـد جـاء مـن حـرَّانِ
فـاقـرأ تـصـانيفَ الإمـام حـقيقةً ... شـيـخِ الـوجود الـعالمِ الـربَّاني
أعني أبا العبَّاسِ أحمدَ ذلك ال ... بـحـرَ الـمُحيطَ بـسائرِ الـخُلجانِ
واقـرأ كتابَ العقل والنقل الذي ... مــا فـي الـوجودِ لـه نـظيرٌ ثـانِ
وكـــذاكَ مِـنـهاجٌ لــه فــي ردِّه ... قـولَ الروافض شيعةِ الشيطانِ
وكذلك التأسيس أضحى نَقضُه ... أُعــجـوبـةً لـلـعـالـم الــربَّـانـي

إلى أن قال:

وكـذا قـواعدُ الاسـتقامةِ إنها ... سِـفْران فـيما بـينَنا ضَـخمانِ
هـذا ولـو حـدَّثتُ نفسيَ أنه ... قَبلي يموتُ لكان غيرُ الشانِ

مع أن ابن القيم لازَم شيخَه ابنَ تيمية ستَّ عشرة سنة، فيقول: لو أني موقنٌ أنه سيموت قبلي لأريتُكم الهمَّةَ والظَّفَر، والحرص على الإفادة منه ومِن علومه.

رابعًا - المحنة على عقيدة الواسطية:

والمقصود أنه لما أتى رحمه الله بهذا الاعتقاد المسطور في "العقيدة الواسطية" عُوديَ، ونووِئَ أعظمَ المناوئة، وخولف، وتُكلِّم فيه وفي عقيدته، وشُكي إلى السلطان، واغتِيب، وادُّعي عليه بالدعايات الباطلة، إلى أن ورَد المرسومُ مِن مصر بجمعه مع العلماء، فعُقدَت له مجالسُ المناظرة بعد تأليفه الواسطيةَ بسبع سنين سنة 705ﻫ بدءًا من جُمادى الثانية إلى منتصف شعبان، من مجلسٍ إلى مجلس يُناظر عليها، حتى إنه قيل له: اكتب اعتقادَك فأملى اعتقاده على ابن الزَّمَلكاني، ثم قال: "إن لي اعتقادًا" فذهب إلى بيته، فجيء بـ "العقيدة الواسطية"، فقُرِئت، فلما أراد أن يَقرَأها قال الأمير: "لا، ادفَعها إلينا"؛ خشوا أنه إذا قرأها أن يحرِّف، فقرأها القارئ، حتى مضى على آخرها وهم يُباحثونه في مَواطنَ تُخالف اعتقاد الأشاعرة، وهم السائدون في ذلك الزمان.

وألَّف بعدها "المناظرة على العقيدة الواسطية" وهي مطبوعة في مجموع الفتاوى - بعد متن العقيدة الواسطية مباشرة - فلتقرأ حتى نعرف أنواعًا من الصَّبر والمصابرة الذي نال شيخَ الإسلام بسببها، وأتت إلينا باردةً رخيصةَ الأثمان.

المصدر: شبكة الألوكة

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله