إثبات القدر والرد على نفاته


معنى قول السلف: "من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه"

قد تقدم أن القدر لا شرّ فيه بوجه من الوجوه؛ فإنه علم الله، وقدرته، وكتابته، ومشيئته، وذلك خير محض وكمال من كل وجه.

فالشرُّ ليس إلى الربّ تعالى بوجه من الوجوه، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.

وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المَقْضِيّ المقدَّر، ويكون شرًّا بالنسبة إلى محل، وخيرًا بالنسبة إلى محل آخر، وقد يكون خيرًا بالنسبة إلى المحل القائم به من وجه، كما هو شرّ له من وجه، بل هذا هو الغالب.

وهذا كالقصاص، وإقامة الحدود، وقتل الكفار؛ فإنه شرّ بالنسبة إليهم لا من كل وجه، بل من وجه دون وجه، وخير بالنسبة إلى غيرهم؛ لما فيه من مصلحة الزجر والنّكال، ودَفْع الناس بعضهم ببعض، وكذلك الآلام والأمراض ــ وإن كانت شرورًا من وجه ــ فهي خيرات من وجوه عديدة، وقد تقدم تقرير ذلك.

فالخير والشر من جنس اللذة والألم، والنفع والضرر، وذلك في المَقْضِيّ المقدَّر لا في نفس صفة الربّ وفعله القائم به، فإنّ قطع يد السارق شرّ مؤلم ضارّ له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل وخير وحكمة ومصلحة، كما يأتي في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله.

فإن قيل: فما الفرق بين كون القدر خيرًا وشرًّا، وكونه حلوًا ومرًّا؟

قيل: الحلاوة والمرارة تعود إلى مباشرة الأسباب في العاجل، والخير والشر يرجع إلى حسن العاقبة وسوئها، فهو حلو ومرّ في مبدئه وأوله، وخير وشر في منتهاه وعاقبته.

وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أنّ حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارةَ في الآجل، ومرارتَها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مرّ الآخرة، ومرّ الدنيا حلو الآخرة.

وقد اقتضت حكمته سبحانه أنْ جعل اللذات تثمر الآلام، والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظامًا لا يخرج عنه شيء البتّة.
والشر مرجعه إلى الآلام وأسبابها، والخير مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة، والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه شرور وإن اشتملت على لذة ما، وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم، فألم تعقبه اللذةُ الدائمةُ أولى بالإيثار والتحمّل من لذة يعقبها الألم الدائم، فلذة ساعة في جنب ألم طويل كلا لذة، وألم ساعة في جنب لذة طويلة كلا ألم..

شفاء العليل (2/ 341 - 342) 


مذهب أهل السنة والجماعة في القدر

وهدى اللَّه بفضله ورثة أنبيائه ورسله لميراث نبيهم وأصحابه، فلم يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفروا ببعض، بل آمنوا بقضاء اللَّه وقدره ومشيئته العامة النافذة، وأنَّه ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّه مقلِّب القلوب ومصرّفها كيف أراد. وأنَّه هو الذي جعل المؤمن مؤمنًا، والمصلي مصلِّيًا، والمتقي متقيًا. وجعل أئمة الهدى يهدون بأمره، وأئمة الضلالة يدعون إلى النار. وأنَّه ألهمَ كلَّ نفس فجورها وتقواها، وأنَّه يهدي من يشاء بفضله ورحمته، ويضل من يشاء بعدله وحكمته. وأنَّه هو الذي وفَّق أهل الطاعة لطاعته فأطاعوه، ولو شاءَ لخذلَهم فعصَوه؛ وأنَّهُ حال بين الكفار وقلوبهم، فإنَّه يحول بين المرءِ وقلبه، فكفروا به، ولو شاءَ لوفَّقهم فآمنوا به وأطاعوه، وأنَّه من يهده اللَّه فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأنَّهُ لو شاءَ لآمن من في الأرضِ كلهم جميعًا إيمانًا يُثابون عليه، ويقبل منهم، ويرضى به عنهم. وأنَّه لو شاء ما اقتتلوا، ولكنَّ اللَّه يفعل ما يريد: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام/ 112].

والقضاء والقدر عندهم أربع مراتب جاء بها نبيهم، وأخبر بها عن ربه:

الأولى: علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم.

الثانية: كتابة ذلك في الذكر عنده قبل خلق السماوات والأرض.

الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته، كما لا خروج له عن علمه.

الرابعة: خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنَّه لا خالق إلا اللَّه، واللَّه خالق كل شيء، فالخالق عندهم واحد، وما سواه فمخلوق، ولا واسطة عندهم بين الخالق والمخلوق.

ويؤمنون مع ذلك بحكمته، وأنَّه حكيم في كل ما فعَله وخلَقه، وأن مصدر ذلك جميعه عن حكمة تامَّة هي التي اقتضت صدورَ ذلك وخلقَه، وأنَّ حكمته حكمةُ حقٍّ عائدة إليه قائمة به كسائر صفاته، وليست عبارةً عن مطابقة علمه لمعلومه وقدرته لمقدوره، كما يقوله نفاة الحكمة الذين يقرّون بلفظها دون حقيقتها، بل هي أمر وراء ذلك. وهي الغاية المحبوبة له المطلوبة التي هي متعلَّق محبته وحمدِه، ولأجلها خلَق فسوَّى، وقدَّر فهدى، وأماتَ فأحيا، وأسعد وأشقى، وأضلَّ وهدى، ومنع وأعطى.

وهذه الحكمة هي الغاية، والفعل وسيلة إليها، فإثباتُ الفعل مع نفيها إثباتٌ للوسائل ونفيٌ للغايات وهو محال، إذ نفيُ الغاية مستلزِم لنفي الوسيلة، فنفيُ الوسيلة -وهي الفعل- لازم لنفي الغاية وهي الحكمة. ونفيُ قيام الفعل والحكمة به نفيٌ لهما في الحقيقة، إذ فعلٌ لا يقوم بفاعله وحكمةٌ لا تقوم بالحكيم شيء لا يُعقل. وذلك يستلزم إنكارَ ربوبيته وإلهيته. وهذا لازمٌ لمن نفى ذلك، لا محيدَ له عنه وإن أبى التزامَه.

وأمَّا من أثبت حكمته وأفعاله على الوجه المطابق للعقل والفطرة وما جاءت به الرسل لم يلزم من قوله محذور البتة، بل قوله حقٌّ، ولازم الحق حق كائنًا ما كان.

والمقصود: أنَّ ورثة الرسل وخلفاءهم -لكمال ميراثهم لنبيهم- آمنوا بالقضاءِ والقدر والحِكَمِ والغايات المحمودة في أفعال الرب وأوامره، وقاموا مع ذلك بالأمرِ والنهي، وصدَّقوا بالوعد والوعيد. فآمنوا بالخلق الذي من تمام الإيمان به إثباتُ القدر والحكمة، وبالأمر الذي من تمام الإيمان به الإيمانُ بالوعد والوعيد وحشر الأجساد والثواب والعقاب. فصدَّقوا بالخلق والأمر، ولم ينفوهما بنفي لوازمهما -كما فعلت القدرية المجوسية والقدرية المعارضة للأمر بالقدر فكانوا أسعدَ النَّاس بالحقِّ وأقربَهم عصبةً في هذا الميراث النبوي. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

واعلم أنَّ الإيمان بحقيقة القدر والشرع والحكمة لا يجتمع إلا في قلوب خواصّ الخلق ولبّ العالم. وليس الشأن في الإيمان بألفاظ هذه المسمّيات وجحدِ حقائقها كما يفعل كثير من طوائف الضلال، فإنَّ القدرية تؤمن بلفظ القدر، ومنهم من يرده إلى العلم، ومنهم من يرده إلى الأمر الديني، ويجعل قضاءَه وقدرَه هو نفسَ أمره ونهيه، ويفسر مشيئة اللَّه لأفعال عباده بأمره لهم بها، وهذا حقيقة إنكار القضاء والقدر. وكذلك الحكمة، فإنَّ الجبرية تؤمن بلفظها وتجحد حقيقتها، فإنَّهم يجعلونها مطابقةَ علمه تعالى لمعلومه، وإرادته لمراده. فهي عندهم وقوع الكائنات على وفق علمه وإرادته. والقدرية النفاة لا يرضون بهذا، بل يرتفعون عنه طبقةً، ويثبتون حكمةً زائدةً على ذلك، لكنَّهم ينفون قيامها بالفاعل الحكيم، ويجعلونها مخلوقًا من مخلوقاته، كما قالوا في كلامه وإرادته. فهؤلاء كلهم أقرُّوا بلفظ الحكمة، وجحدوا معناها وحقيقتها.

وكذلك الأمرُ والشرع، فإنَّ من أنكر كلام اللَّه وقال: إنَّ اللَّه لم يتكلَّم ولا يتكلَّم، ولا قال ولا يقول، ولا يحبُّ شيئًا ولا يبغض شيئًا؛ وجميعُ الكائنات محبوبةٌ له، وما لم يكن فهو مكروه له، ولا يحِبّ، ولا يحَبّ، ولا يرضى، ولا يغضب؛ ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب، والبرّ والفجور، والسجود للأصنام والشمس والقمر والنجوم وبين السجود له. ولم يكلف أحدًا ما يقدر عليه، بل كلُّ تكاليفه تكليفُ ما لا يطاق، ولا قدرة للمكلَّف عليه البتة. ويجوز أن يعذِّب رجالًا إذ لم يكونوا نساء، ويعذب نساءً إذ لم يكونوا رجالًا، وسودًا حيث لم يكونوا بيضًا، وعكسه. ويجوزُ أن يُظهر المعجزةَ على أيدي الكذَّابين، ويُرسل رسولًا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان، ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور.

ولا ريبَ أنَّ هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية، ولو لا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل، ولكن مشى الحالُ بعضَ المشي بتناقضهم، وهو خير لهم من طرد أصولهم والقولِ بموجبها.

والمقصود: أنَّه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقةَ الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتُهم.

والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته، ولهذا قال الإمام أحمد: "القدر قدرة اللَّه". واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غايةَ الاستحسان، وقال: إنَّه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر.

ولهذا كان المنكرون للقدر فرقتين: فرقة كذَّبت بالعلم السابق ونفَتْه، وهم غلاتهم الذين كفِّرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة. وفرقة جحدت كمال القدرة، وأنكرت أن تكون أفعال العباد مقدورةً للَّه تعالى، وصرَّحت بأنَّ اللَّه لا يقدر عليها. فأنكر هؤلاء كمالَ قدرة الرب تعالى، وأنكرت الأخرى كمالَ علمه. وقابلتهم الجبرية، فحافظت على إثبات القدرة والعلم، وأنكرت الحكمة والرحمة.

طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم (1/ 192 - 197) 


اختلاف الطوائف في القضاء والقدر وموقف أهل السنة والجماعة

وقولُه: "عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ": يتضمَّنُ جميعَ أقضيتِه في عبدِهِ من كلِّ الوجوهِ؛ من صحةٍ وسُقْم، وغنًى وفقرٍ، ولذةٍ وألم، وحياةٍ وموتٍ، وعقوبةٍ وتجاوزٍ وغير ذلك؛ قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ) [الشورى: 30]، وقال: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ) [الشورى: 48]؛ فكلُّ ما يقضي على العبد فهو عدلٌ فيه.

فإن قيلَ: فالمعصيةُ عندكم بقضائِهِ وقدَرِهِ؛ فما وجهُ العدل في قضائِها؛ فإنَّ العدلَ في العقوبة عليها ظاهر؟!

قيلَ: هذا سؤالٌ له شأنٌ، ومن أجلِهِ:

زعمتْ طائفةٌ أنَّ العدلَ هو المقدورُ، والظلمَ ممتنعٌ لذاتِهِ. قالوا: لأن الظُّلْمَ هو التصرفُ في مُلْكِ الغير، والله له كل شيءٍ؛ فلا يكونُ تصرُّفُهُ في خلْقِهِ إلا عدلًا!

وقالتْ طائفةٌ: بل العدلُ أنه لا يُعاقِبُ على ما قضاهُ وقدَّرَهُ، فلما حَسُنَ منه العقوبة على الذنبِ عُلِمَ أنه ليس بقضائه وقدره فيكون العدلُ هو جزاؤه على الذنبِ بالعقوبَة والذَّمِّ، إما في الدُّنيا وإما في الآخرة!

وصعُبَ على هؤلاء الجمعُ بين العدل وبين القدر، فزعموا أنَّ من أثبت القدر لم يُمكِنْهُ أن يقول بالعدل، ومن قال بالعدل لم يُمكِنْهُ أن يقول بالقدر! كما صعب الجمعُ بين التوحيد وإثبات الصفات، فزعموا أنه لا يُمكِنُهم إثباتُ التوحيد إلا بإنكار الصفات! فصار توحيدهم تعطيلًا، وعدلهم تكذيبًا بالقدر!!

وأما أهلُ السُّنَّة فهم مُثبتون للأمرين، والظُّلم عندهم هو وَضْعُ الشيءِ في غير موضعه؛ كتعذَيب المطيع ومن لا ذَنْبَ لهُ، وهذا قد نزَّه الله نفسه عنه في غير موضع من كتابه.

وهو سبحانه وإن أضلَّ من شاء، وقَضَى بالمعصية والغَيِّ على من شاء؛ فذلك محضُ العدل فيه، لأنَّه وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به. كيف ومن أسمائه الحُسنى العَدْلُ، الذي كلُّ أفعاله وأحكامه سدادٌ وصوابٌ وحقٌّ؟!

وهو سبحانه قد أوضح السُّبُلَ، وأرسل الرُّسُلَ، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكَّن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول. وهذا عدلُه. ووفَّقَ من شاء بمزيد عنايةٍ، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفِّقَه. فهذا فضلُه. وخَذَلَ من ليس بأهلٍ لتوفيقه وفضله، وخلَّى بينه وبين نفسه، ولم يُرِدْ سبحانه من نفسه أن يوفِّقَهُ، فقطع عنه فضله ولم يَحرِمْه عدله. وهذا نوعان:

أحدُهما: ما يكون جزاءً منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدُوِّه في الطاعة والموافقة عليه، وتناسى ذِكره وشكره، فهو أهلٌ أن يخذُلَهُ ويتخلَّى عنه.

والثاني: أن لا يشاءَ له ذلك ابتداءً؛ لما يَعلمُ منه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية، ولا يشكره عليه، ولا يُثني عليه بها، ولا يحبُّه؛ فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محلِّهِ؛ قال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام: 53]، وقال: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ) [الأنفال: 23]؛ فإذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية؛ كان ذلك محض العدل؛ كما إذا قضى على الحيَّةِ بأنْ تُقْتَل وعلى العقرب وعلى الكلبِ العقور؛ كان ذلك عدلًا فيه، وإنْ كان مخلوقًا على هذه الصفة.

وقد استوفَينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاءِ والقدر.

والمقصودُ أنَّ قولَه صلى الله عليه وسلم: "ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ، عدلٌ فيَّ قضاؤُكَ": ردٌّ على الطائفتين: القدريَّة الذين ينكرون عموم أقضية الله في عبده، ويُخرِجون أفعال العبادِ عن كونها بقضائه وقدره، ويردُّون القضاء إلى الأمر والنَّهي! وعلى الجبْريَّة الذين يقولون: كلُّ مقدورٍ عدلٌ! فلا يبقى لقولِهِ: "عدْلٌ فيَّ قضاؤُك" فائدةٌ؛ فإنَّ العدل عندهم كلُّ ما يمكنُ فعلُه، والظلمُ هو المحالُ لذاتِهِ! فكأنَّه قال: ماضٍ ونافذٌ فيَّ قضاؤُك. وهذا هو الأولُ بعيِنهِ.

الفوائد (ص: 34 - 36)


قول ابن تيمية إن القدرية المذمومين ثلاث فرق

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تائيته:

ويُدعَى خصومُ اللَّه يومَ معادِهم … إلى النَّارِ طُرًّا فرقةُ القدريةِ

سواءٌ نفَوه أو سعَوا لِيخاصِمُوا … به اللَّهَ أو مارَوا به للشريعةِ

وسمعته يقول: القدرية المذمومون في السنة، وعلى لسان السلف هم هؤلاء الفرق الثلاثة: نفاته، وهم القدرية المجوسية. والمعارضون به للشريعة الذين قالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام/ 148] وهم القدرية المشركية. والمخاصمون به للربِّ، وهم أعداءُ اللَّه وخصومه، وهم القدرية الإبليسية، وشيخهم إبليس، وهو أوَّل من احتجَّ على اللَّه بالقدر فقال: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الأعراف/ 16] ولم يعترف بالذنب وَيُبؤْ به، كما اعترف به آدم. فمن أقرَّ بالذنب، وباءَ به، ونزِّه ربَّه، فقد أشبه أباه آدم، ومن أشبه أباه فما ظلم. ومن برَّأ نفسَه واحتجَّ على ربِّه بالقدر فقد أشبَه إبليس.

ولا ريبَ أنَّ هؤلاء القدريِّة الإبليسية والمشركية شرٌّ من القدريَّة النفاة، لأنَّ النفاة إنَّما نفوه تنزيهًا للرب تعالى وتعظيمًا له أن يقدّر الذنب ثمَّ يلوم عليه ويعاقب، ونزهوه أن يعاقِبَ العبد على ما لا صُنعَ للعبد فيه البتة، بل هو بمنزلة طوله وقصره وسواده وبياضه وحوَله ونحو ذلك. كما يحكى عن بعض الجبرية أنَّه حضرَ مجلسَ بعض الولاة فأتيَ بطرَّار أحوَل، فقال له الوالي: ما ترى فيه؟ فقال: اضربه خمسة عشر سوطًا. فقال له بعض الحاضرين ممن ينفي الجبر: بل ينبغي أن يُضْرَب ثلاثين سوطًا: خمسة عشر لِطرِّه، ومثلها لِحَوَله. فقال الجبري: كيف يُضْرَب على الحَوَل، ولا صنع له فيه؟ فقال: كما يضرب على الطرّ، ولا صنع له فيه عندك، فبُهِتَ الجبري.

وأمَّا القدرية الإبليسية والمشركية فكثيرٌ منهم منسلخ من الشرع، عدوٌّ للَّه ورسله، لا يُقِرّ بأمرٍ ولا نهي. وتلك وراثة عن شيوخه الذين قال اللَّه فيهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام/ 148].

وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النحل/ 35].

وقال تعالى: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف/ 20].

وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا في ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس/ 47].

فهذه أربعة مواضع في القرآن بيّن سبحانه فيها أنَّ الاحتجاج بالقدر من فعل المشركين المكذبين للرسل.

طريق الهجرتين وباب السعادتين (1/ 186 - 188)


إثبات القدر والرد على نفاته

عن عبد الله ــ وهو ابن مسعود: "...فإن يكُ صوابًا فمن الله، وإن يكُ خطأ فمنِّي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان".

قال ابن القيم رحمه الله: 

وفيه أن الله تعالى هو الموفِّق للصواب، المُلْهِم له بتوفيقه وإعانته، وأن الخطأ من النفس والشيطان، ولا يضاف إلى الله ولا إلى رسوله. ولا حُجَّةَ فيه للقدرية المجوسية، إذ إضافته إلى النفس والشيطان إضافة إلى محلّه ومصدره وهو النفس، وسببه، وهو الشيطان وتلبيسه الحقَّ بالباطل.

بل فيه ردٌّ على القدرية الجبريّة الذين يبرِّئون النفسَ والشيطانَ مِن الأفعال البتة، ولا يرون للمكلَّف فعلًا اختياريًّا يكون صوابًا أو خطأ.

والذي دلَّ عليه قولُ ابن مسعود، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومَن بعدهم: وهو إثبات القَدَر، الذي هو نظام التوحيد، وإثباتِ فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر والنهي، وهو متعلَّق المدح والذم، والثواب والعقاب، والله أعلم.

تهذيب سنن أبي داود - ط عطاءات العلم (1/ 444) 


إنكار القدر إنكار لقدرة الربّ على خلق أعمال العباد

وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الربّ على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها.

وسَلَفُ القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] قال: "الذين يقولون: إن الله على كلِّ شيء قدير".

وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفّون هذه الجملة حقَّها، وإن كانوا يقرون بها. فمنكرو القدر، وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الربِّ تعالى القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرِّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به.

ومَن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم في شأن يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومَن لا يقرّ بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه= لا يقر بأن الله على كل شيء قدير.

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (1/ 98)


المخاصمون في القدر

و‌‌المخاصمون في القدر نوعان:

أحدهما: مَن يبطل أمر الله ونهيه بقضائه وقدره، كالذين قالوا: (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا) [الأنعام: 148].

والثاني: مَن ينكر قضاءه وقدره السابق. والطائفتان خصماء الله.

قال عوف: من كذَّب بالقدر فقد كذَّبَ بالإسلام، إن الله تبارك وتعالى قدَّر أقدارًا، وخلق الخلق بقدر، وقسم الآجال بقدر، وقسم الأرزاق بقدر، وقسم البلاء بقدر، وقسم العافية بقدر، وأمر ونهى.

وقال الإمام أحمد: القدرُ قدرة الله.

واستحسن ابن عقيل هذا الكلام جدًّا، وقال: هذا يدل على دقة علم أحمد، وتبحره في معرفة أصول الدين.

وهو كما قال أبو الوفاء، فإن إنكار القدر إنكار لقدرة الربّ على خلق أعمال العباد وكتابتها وتقديرها.

وسَلَفُ القدرية كانوا ينكرون علمه بها، وهم الذين اتفق سلف الأمة على تكفيرهم، وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله.

وفي تفسير علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28] قال: الذين يقولون: إن الله على كلِّ شيء قدير.

وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل، ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفّون هذه الجملة حقَّها، وإن كانوا يقرون بها. فمنكرو القدر، وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الربِّ تعالى القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرِّحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به.

ومَن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم في شأن يفعل ما يشاء؛ لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومَن لا يقرّ بأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء، وأنه سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه= لا يقر بأن الله على كل شيء قدير.

ومن لا يقرّ بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: "من يسألني فأعطيه، مَن يستغفرني فأغفر له"، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كليمَه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فتضيق بأهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله، التي مَن لم يقرَّ بها= لم يقرّ بأنه على كل شيء قدير.

فيا لها كلمة من حَبْر الأمة وترجمان القرآن - رضي الله عنه -.
وقد كان ابن عباس شديدًا على القدرية، وكذلك الصحابة، كما سنذكر ذلك إن شاء الله.

شفاء العليل (1/ 97 - 98)


اتفق السلف على كفر من أنكر علمه تعالى بما سيكون قبل كونه

...أو أن يجحَدوا علمَه سبحانه بما سيكونُ قبل كونه، كما التزمه سلفُهم الخبيث الذين اتفق سلفُ الأمَّة الطيِّبُ على تكفيرهم، ولا خلاصَ لهم عن أحد هذين الإلزامَيْن إلا بالتزام مذهب أهل السُّنَّة والجماعة أنَّ أفعال الله تعالى لا تقاسُ بأفعال عباده، ولا تدخُل تحت شرائع عقولهم القاصرة، بل أفعالُه لا تُشْبِهُ أفعالَ خلقه، ولا صفاتُه صفاتِهم؛ ولا ذاتُه ذواتِهم؛ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].

مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (2/ 997)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة

hacklink hack forum hacklink film izle hacklink บาคาร่าสล็อตเว็บตรงสล็อตsahabetdeneme bonusu veren siteleronwinสล็อตเว็บตรงsahabetสล็อตเว็บตรง1xbetkaçak iddaa1winสล็อตเว็บตรงสล็อตเว็บตรงonwinsahabetbets10sahabetpadişahbetbetofficegalabetjojobetcialis fiyatjojobetjojobettürk ifşacialis 20 mg fiyatviagra fiyatcialis 5 mg fiyatviagra 100 mgorjinal viagra fiyatıjojobetjojobetmeritkingbetcio