الولاء والبراء: تأصيل عقدي ومنهج عملي

الله سبحانه قطع ‌الموالاة بين المسلمين والكفَّار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعضٍ، والكفَّار بعضهم من بعضٍ. زاد المعاد (6/ 39)

الولاء والبراء من أعلى العبادات وأجلّها

أنه سبحانه يحب أن يُعبد بأنواع العبودية، ومن أعلاها وأجلها عبودية ‌الموالاة فيه والمعاداة فيه، والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله، وبذْلُ مُهَج النفوس في مرضاته ومغاضبة أعدائه.

وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها، وهو أحب أنواعها إليه، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه مِنْ خَلْق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به، وتسليط بعضها على بعض؛ لتحصل بذلك محابُّه على أتم الوجوه، وتُقرِّب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومغاضبتهم فيه وإذلالهم وكبْتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها.

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (2/ 207)


امتحان الصدق: تقديم موالاة الله على حظوظ النفس

فلولا خلقُ الأضداد، وتسليط أعدائه، وامتحان أوليائه بهم لم يستخرَج خالصُ العبودية من عَبيده الذين هم عَبيدُه، لم يحصل لهم عبوديةُ ‌الموالاة فيه، والمعاداة فيهَ، والحب فيه، وَالبغض فيه، والعطاء له، والمنع له؛ ولا عبوديةُ بذلِ الأرواح والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعدائه ونصرته، ولا عبودية مفارقة الناس أحوجَ ما يكون إليهعبده لأجله وفي مرضاته. فلا يتحيز إليهم، وهو يرى محابَّ نفسه وملاذَّها بأيديهم، فيرضى بمفارقتهم، ومشاققتهم، وإيثار موالاة الحق.

طريق الهجرتين وباب السعادتين (1/ 255)


استحالة الجمع بين محبة الله وموالاة أعدائه

المحبة والطاعة لا تتمّ إلا بمعاداة أعداء المطاع وموالاة أوليائه. وأمّا أن توالي أعداءَ الملِك ثم تدّعي أنّك موالٍ له، فهذا محال. هذا لو لم يكن عدوُّ الملك عدوًّا لكم، فكيف إذا كان عدوًّا لكم على الحقيقة، والعداوةُ التي بينكم وبينه أعظمُ من العداوة التي بين الشاة والذئب؟ فكيف يليق بالعاقل أن يوالي عدوَّه وعدوَّ وليّه ومولاه الذي لا مولى له سواه؟

ونبّه سبحانه على قبح هذه ‌الموالاة بقوله: (وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) [الكهف: 50]، كما نبّه على قبحها بقوله: (فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) [الكهف: 50]. فتبيّن أنّ عداوته لربّه وعداوته لنا، كلٌّ منهما سببٌ يدعو إلى معاداته، فما هذه ‌الموالاة؟ وما هذا الاستبدال؟ بئس للظالمين بدلا!.

الداء والدواء (ص: 198)


حقيقة البراء والولاء: 

وحقيقتُه أيضًا: البراء والولاء: البراءُ من عبادة غير الله، والولاءُ لله، كما قال تعالى: ((3) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) [الممتحنة: 4]. وقال إبراهيم لأبيه وقومه: (إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) [الزخرف: 26 - 27]، وقال أيضًا: (قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا) [الأنعام: 78 - 79]. وقال الله لرسوله: (قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)) إلى آخر السورة. وهذه براءةٌ منهم ومن معبودهم، وسمَّاها براءةً من الشِّرك.

وهي حقيقة المحو والإثبات، فيمحو إلهيَّةَ ما سوى الله من قلبه علمًا وقصدًا وعبادةً، كما هي ممحوَّةٌ من الوجود، ويُثبِت فيه إلهيّتَه سبحانه وحده.

وهي حقيقة الجمع والفرق، فيفرِّق بين الإله الحقِّ ومَن ادُّعِيَتْ له الإلهيّةُ بالباطل، ويجمع تألُّهَه وعبادتَه وحبَّه وخوفَه ورجاءَه وتوكُّلَه واستعانتَه على إلهه الحقِّ الذي لا إله سواه.

وهي حقيقة التّجريد والتّفريد، فيتجرَّد عن عبادة ما سواه، ويُفرده وحده بالعبادة. فالتّجريد نفيٌ، والتّفريد إثباتٌ، ومجموعهما هو التّوحيد.

فهذا الفناء والبقاء، والولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والفرق، والتَّجريد والتَّفريد= المتعلِّقُ بتوحيد الإلهيّة: هو النّافع المثمر المُنجي الذي به تنال السّعادة والفلاح.

وأمّا تعلُّقُه بتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون عُبَّادُ الأصنام، فغايتُه فناءٌ في تحقيق توحيدٍ مشتركٍ بين المؤمنين والكفّار وأولياء الله وأعدائه، لا يصير به وحده الرّجلُ مسلمًا، فضلًا عن كونه عارفًا محقِّقًا.

مدارج السالكين (1/ 256 – 257 ط عطاءات العلم)


كلمة (لا إله إلا الله) هي الكلمة الباقية التي ورّثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة: 

وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)) [الزخرف: 26، 27]. أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمةً باقيةً في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض. وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورّثها إمامُ الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة.

الداء والدواء (ص456)


لا تصح الموالاة إلا بالمعاداة ولا ولاء إلا ببراء: 

فلا تصحّ الموالاة إلا بالمعاداة، كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين أنه قال لقومه: (قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)) [الشعراء: 75 - 77]. فلم تصحّ لخليل الله الموالاة والخلة إلا بتحقيق هذه المعاداة فإنّه لا وَلاءَ إلّا ببراء، أو، لا وَلاءَ لله إلّا بالبراءة من كل معبود سواه. قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) [الممتحنة: 4].

الداء والدواء (ص455)


موالاة أولياء الله غير اتِّخاذ الوليِّ من دون الله: 

فكثيرٌ من الناس يرضى به ربًّا فلا يبغي ربًّا سواه، لكنَّه لا يرضى به وحده وليًّا، بل يوالي من دونه أولياء ظنًّا منه أنَّهم يقرِّبونه إلى الله، وأنَّ موالاتهم كموالاة خواصِّ الملك، وهذا عين الشِّرك. بل التوحيد: أن لا يتَّخذ من دونه أولياء، والقرآن مملوءٌ من وصف المشركين بأنَّهم اتخذوا من دونه أولياء.

وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين فيه، فإنَّ هذا من تمام الإيمان وتمام موالاته، فموالاة أوليائه لونٌ واتِّخاذ الوليِّ من دونه لون. ومَن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من رأس، فإنَّ هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.

مدارج السالكين (2/ 493 ط عطاءات العلم)


الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعداوة من وجهين مختلفين: 

متَّفقون على أنَّ الشَّخصَ الواحدَ يكون فيه ولايةٌ لله وعداوةٌ من وجهين مختلفين، ويكون محبوبًا لله مبغوضًا له من وجهين أيضًا، بل يكون فيه إيمانٌ ونفاقٌ، وإيمانٌ وكفرٌ، ويكون إلى أحدهما أقربَ منه إلى الآخر فيكون من أهله، كما قال تعالى: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 167]. وقال: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]. أثبت لهم الإيمانَ به مع مقارنة الشِّرك، فإن كان مع هذا الشِّرك تكذيبٌ لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله.

وإن كان معه تصديقٌ برسله، وهم مرتكبون لأنواعٍ من الشِّرك لا تُخرجهم عن الإيمان بالرُّسل وباليوم الآخر، فهؤلاء مستحقُّون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر. وشركهم قسمان: شركٌ خفيٌّ وجليٌّ، فالخفيُّ قد يُغفَر، وأمَّا الجليُّ فلا يغفره الله إلّا بالتّوبة منه، فإنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به.

وبهذا الأصل أثبت أهلُ السُّنّة دخولَ أهل الكبائر النَّارَ ثمّ خروجَهم منها ودخولَهم الجنَّة، لما قام بهم من السَّببين.

مدارج السالكين (1/ 437 – 438 ط عطاءات العلم)


رد الخوارج النصوص الصريحة في موالاة المؤمنين وإن ارتكبوا بعض الذنوب: 

كما ردُّوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردُّوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعض الذنوب، التي تقع مكفَّرةً بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البرزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من يأذن الله له في الشفاعة، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب تمحو أثر الذنوب، فإن عجزت هذه الأسباب عنها فلا بدَّ من دخول النار، ثم يخرجون منها.

فتركوا ذلك كلَّه بالمتشابه من نصوص الوعيد، وردُّوا المحكم من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة الله فاجتهدوا فأداهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظُّ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم، وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب. فاشتركوا هم والرافضة في ردّ المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفّروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويَدَعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وبالله التوفيق.

إعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 212 ط عطاءات العلم)


التهنئة بشعائر الكفر المختصة به حرامٌ بالاتفاق: 

فصل في تهنئتهم بزوجةٍ أو ولدٍ أو قدومِ غائبٍ أو عافيةٍ أو سلامةٍ من مكروهٍ ونحو ذلك

وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرةً ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا فرقَ بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهَّال من الألفاظ التي تدلُّ على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متَّعك الله بدينك أو نيَّحَك فيه، أو يقول له: أعزَّك الله أو أكرمك، إلا أن يقول: أكرمَك الله بالإسلام وأعزَّك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.

وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرامٌ بالاتفاق، مثل أن يهنِّئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مباركٌ عليك، أو تَهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سَلِم قائلُه من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يُهنِّئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشدُّ مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثيرٌ ممن لا قدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قُبحَ ما فعل.

فمن هنَّأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ فقد تعرَّض لمقتِ الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنَّبون تهنئةَ الظَّلمَة بالولايات، وتهنئةَ الجهَّال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه. وإن بُلِي الرجل بذلك فتعاطاه دفعًا لشرٍّ يتوقَّعه منهم، فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد= فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق.

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم (1/ 293 - 394)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة