الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فهذه فوائد منتقاة من كتاب "الصلاة" لشيخ الإسلام الإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله، وهو كتاب غزير الفائدة، عظيم النفع في بابه، ومن فرائد الكتب المصنفة في بيان منزلة الصلاة في الإسلام، حيث فصّل في حُكمها وحِكَمها وأحكامها، وجلّى خطورة تركها والتهاون فيها، وحكم صلاة الجماعة، وحكم صلاة النقّارين الذين لا يُتمّون ركوعها وسجودها، ثم ختم كتابه بفصل جليل في صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم، بأسلوب رصين يجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول.
وقد اعتمدت على طبعة (عطاءات العلم)، وآثرتُ أن تكون هذه الفوائد مختصرةً بقدرٍ تحصل معه الفائدة، وأسأل الله عز وجل أن ينفع بها الجميع.
*نايف بن علي العوفي
خطورة ترك الصلاة
لا يختلف المسلمون أنَّ ترك الصَّلاة المفروضة عمدًا من أعظم الذُّنُوب، وأكبر الكبائر. وأنَّ إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النَّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخمر. وأنَّه متعرِّضٌ لعقوبة الله وسخطه وخِزْيه في الدُّنيا والآخرة. ثم اختلفوا في قتله، وفي كيفيَّة قتله، وفي كُفْره. فأفتى سفيان بن سعيد الثوري، وأبو عمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وحمَّاد بن زيد، ووكيع بن الجرَّاح، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأصحابهم =بأنَّه يُقْتل. (ص5 - 6)
تعظيم قدر الصلاة
قال الإمام أحمد: وقد جاء في الحديث: "لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصَّلاة".
وقد كان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: "إنَّ مِنْ أهمِّ أموركم عندي الصَّلاة؛ فمَنْ حفظها حفظ ديْنَه، ومن ضيَّعَها فهو لِما سواها أضْيع، ولاحظَّ في الإسلام لمن تَرَك الصَّلاة".
قال أحمد: فكُلُّ مستخِفٍّ بالصَّلاة مستهينٍ بها؛ فهو مستخفٌّ بالإسلام، مستهينٌ به.
وإنَّما حظُّهم من الإسلام على قدر حظِّهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة.
فاعْرف نفسك يا عبد الله، واحْذر أنْ تَلْقَى الله ولا قدر للإسلام عندك؛ فإنَّ قَدْر الإسلام في قلبك كقَدْر الصَّلاة في قلبك.
وقد جاء الحديث عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "الصَّلاة عمود الإسلام". (ص14 - 15)
من خصائص الصلاة:
قبول سائر الأعمال موقوفٌ على فعلها، فلا يقبل الله من تاركها صومًا، ولا حجًّا، ولا صَدقةً، ولا جهادًا، ولا شيئًا من الأعمال؛ كما قال عون بن عبد الله: "إنَّ العبد إذا دخل قبره سُئِل عن صلاته أول شيء يُسْأَل عنه؛ فإنْ جازت له نُظِر فيما سوى ذلك من عمله، وإنْ لم تجز له لم ينظر في شيءٍ من عمله بعد". (ص38 - 39)
فهذه سِتُّ صفاتٍ في الصَّلاة من علامات النِّفاق؛ الكَسَل عند القيام إليها، ومُراءاة النَّاس في فعلها، وتأخيرها، ونقرها، وقلَّة ذكر الله فيها، والتَّخلُّف عن جماعتها. (ص284)
حكم الصلاة في المسجد:
ومن تأمَّل السُّنَّة حقَّ التَّأمُّل تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرضٌ على الأعيان، إلَّا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة. فترك حضور المسجد لغير عذرٍ كترك أصل الجماعة لعذرٍ، وبهذا تتَّفق جميع الأحاديث والآثار.. فالذي ندين الله به أنَّه لا يجوز لأحدٍ التخلُّف عن الجماعة في المسجد، إلَّا من عذرٍ. (ص268)
لا يقبل من العبد شيءٌ من أعماله إلَّا بفعل الصلاة. فهي مفتاح ديوانه، ورأس مال ربحه. ومُحالٌ بقاء الرِّبح بلا رأس مالٍ، فإذا خسرها خسر أعماله كلَّها، وإنْ أتى بها صورةً. وقد أشار إلى هذا في قوله: "وإنْ ضيَّعها فهو لما سواها أضْيع"، وفي قوله: "إنَّ أوَّل ما يُنْظَر في أعماله الصَّلاة؛ فإنْ جازت له نُظِرَ في سائر أعماله، وإنْ لم تجز له لم يُنْظَر في شيءٍ من أعماله بعدُ". (ص104)
وقد ذَمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج بشدَّة تنطُّعهم في الدِّين، وتشدُّدهم في العبادة، بقوله: "يحقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم". ومَدَح الرِّفق وأهله، وأخبر عن محبَّة الله له، وأنَّه يعطي عليه ما لا يعطي على العُنْف، وقال: "لن يشادَّ الدِّين أحدٌ إلَّا غَلَبَه"، وقال: "إنَّ هذا الدِّين متينٌ، فأوغلوا فيه برفقٍ". (ص326)
معنى اسم الله تعالى: "الطيّب"
فهو طيِّبٌ، وكلامه طيِّبٌ، وأفعاله طيِّبةٌ، وصفاته أطيب شيءٍ، وأسماؤه أطيب الأسماء، واسمه "الطَّيِّب"، ولا يصدر عنه إلَّا طيِّبٌ، ولا يصعد إليه إلَّا طيبٌّ، ولا يقرب منه إلَّا طيِّبٌ. فكلُّه طيِّبٌ، و (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) [فاطر/10]، وفعله طيِّبٌ، والعمل الطيِّب يعرج إليه.
فالطيِّبات كلُّها له، ومضافةٌ إليه، وصادرةٌ عنه، ومنتهيةٌ إليه. قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّبًا". وفي حديث رقية المريض، الذي رواه أبوداود وغيره: "أنت ربُّ الطَّيِّبِين".
ولا يجاوِرُه من عباده إلَّا الطيِّبُون؛ كما يُقال لأهل الجنَّة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر/73]. (ص371 - 372)
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لِصَّ الصَّلاة وسارقها شرًّا من لصِّ الأموال وسارقها، ففي "المسند"، من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسوأ النَّاس سرقةً الذي يسرق من صلاته". قالوا: يا رسول الله، كيف يسرق من صلاته؟ قال: "لا يتمُّ ركوعها ولا سجودها"، أو قال: "لا يقيم صُلْبَه في الركوع والسُّجود". (ص286 - 287)
وقد اتَّفق الصَّحابة رضي الله عنهم على أنَّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معتدلةً، فكان ركوعه، ورفعه منه، وسجوده، ورفعه منه= مناسبًا لقيامه، فإذا كان يقرأ في الفجر بمائة آية إلى ستِّين آيةً فلا بُدَّ أنْ يكون ركوعُه وسجودُه مناسبًا لذلك؛ ولهذا قال البراء بن عازبٍ: "إنَّ ذلك كلَّه كان قريبًا من السَّواء".
وقال عمران بن حصين: "كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة". وكذلك كان قيامه باللَّيل وصلاة الكسوف. (ص336)
الصَّلاة في المساجد من أكبر شعائر الدِّين وأعلامه، وفي تركها بالكليَّة أوفى المفاسد، ومحو آثار الصَّلاة؛ بحيث تفضي إلى فتور هِمَم أكثر الخلق عن أصل فعلها. (ص266)
ولما كانت العبوديَّة غاية كمال الإنسان، وقُرْبُه من الله بحسب نصيبه من عبوديَّته، وكانت الصَّلاة جامعةً لمتفرِّق العبوديَّة، متضمِّنةً لأقسامها= كانت أفضل أعمال العبد، ومنزلتها من الإسلام بمنزلة عمود الفسطاط منه. (ص366)
السجود سر الصلاة وركنها الأعظم:
والسُّجُود سِرُّ الصلاة، وركنها الأعظم، وخاتمة الركعة. وما قبله من الأركان كالمقدِّمات له، فهو شِبْهُ طواف الزِّيارة في الحجِّ؛ فإنَّه مقصود الحجِّ، ومحلُّ الدُّخول على الله وزيارته، وما قبله كالمقدِّمات له؛ ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجدٌ. وأفضل أحواله حالٌ يكون فيها أقرب إلى الله؛ ولهذا كان الدُّعاء في هذا المحلِّ أقرب إلى الإجابة. (ص361)
من هدي النبي ﷺ في الصلاة:
ثم كان يرفع رأسه، قائلًا: "سمع الله لمن حمده"، ويرفع يَدَيه كما رفعهما عند الركوع.
فإذا اعتدل قائمًا قال: "ربَّنا ولك الحمد". وربَّما قال: "ربَّنا لك الحمد"، وربَّما قال: "اللَّهم ربَّنا لك الحمد، ملءَ السَّموات وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيءٍ بعد، أهلَ الثَّناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبدٌ، اللَّهم لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَّد". وربَّما زاد على ذلك: "اللَّهم طهِّرني بالثَّلج والبَرَد والماء البارِد، اللَّهم طهِّرني من الذُّنُوب والخطايا كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الوَسَخ".
وكان يُطِيْل هذا الرُّكن حتَّى يقول القائل: "قد نَسِي". وكان يقول في صلاة اللَّيل فيه: "لربِّي الحمد، لربِّي الحمد". (ص417 - 418)
فائدة مهمة في شعب الإيمان:
وهذه الشُّعَب منها ما يزول الإيمان بزوالها، كشُعْبة الشَّهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطَّريق، وبينهما شُعَبٌ متفاوتةٌ تفاوتًا عظيمًا؛ منها ما يلحق شُعْبة الشَّهادة ويكون إليها أقرب، ومنها ما يلحق شعبة إماطة الأذى، ويكون إليها أقرب. (ص85)
وبالجملة: فسِرُّ الرُّكُوع تعظيم الرَّبِّ جل جلاله بالقلب والقالب والقول؛ ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أمَّا الرُّكوع فعظِّمُوا فيه الرَّب". (ص357)
أفضل أذكار الصلاة وأفضل هيئات المصلي:
وأفضل أذكار الصَّلاة ذكر القيام، وأحسن هيئات المصلِّي هيئات القيام؛ فخُصَّت بالحمد والثَّناء والمجد، وتلاوة كلام الربِّ جل جلاله؛ ولهذا نُهِي عن قراءة القرآن في الركوع والسُّجود؛ لأنَّهما حالتا ذُلٍّ وخضوعٍ وتطامنٍ وانخفاضٍ؛ ولهذا شُرِع فيهما من الذِّكر ما يناسب هيئتهما، فشُرِع للرَّاكع أنْ يذكر عظمة ربِّه في حال انخفاضه هو وتطامنه وخضوعه، وأنَّه سبحانه يُوْصَف بوصف عظمته عمَّا يضادُّ كبرياءه وجلاله وعظمته. (ص356)
وعن أبي مسعود البدْرِيِّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تُجزئ صلاةُ الرجل حتى يقيم ظهرَه في الرُّكوع والسُّجود". رواه الإمام أحمد، وأهل "السُّنن"، وقال التِّرمذي: "حديث حسنٌ صحيحٌ".
وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ الرَّفع من الرُّكوع، وبين السَّجدتين، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه ركنٌ لا تصحُّ الصلاة إلَّا به. (ص279 - 280)
فائدة: وقد ظهر بهذا أنَّ التعمُّق والتنطُّع والتَّشديد الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخالف لهَدْيه وهَدْي أصحابه، وما كانوا عليه. وأنَّ موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإنْ أباها مَنْ أباها، وجهلها مَنْ جهلها. (ص393)
وبالجملة فلم يُنْقل عنه صلى الله عليه وسلم بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه كان يسكت بعد قراءة الفاتحة حتى يقرأها مَنْ خَلْفه، وليس في سكوته في هذا المحلِّ إلَّا هذا الحديث المختلف فيه كما رأيتَ. ولو كان يسكت هنا سكتة طويلة يدرك فيها المأموم قراءة الفاتحة لما خفي ذلك على الصَّحابة، ولكان معرفتهم به ونَقْلهم له أهم من سكتة الاستفتاح. (ص408)
التخفيف المأمور به في الصلاة لا يعني لا يعني التخفيف فيها:
لمَّا فهم بعض من نكس الله قلبه أنَّ التَّخفيف المأمور به هو ما يمكن من التَّخفيف اعتقد أنَّ الصَّلاة كلَّما خُفِّفت وأُوجِزَت كانت أفضل! فصار كثيرٌ منهم يمرُّ فيها مرَّ السَّهم، ولا يزيد على "الله أكبر" في الركوع والسُّجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربَّما ظنَّ أنَّ الاقتصار على تسبيحةٍ واحدةٍ أفضل من ثلاثٍ!
ويُحْكَى عن بعض هؤلاء أنَّه رأى غلامًا له يطمئنُّ في صلاته فضَرَبه، وقال: لو بَعَثك السُّلطان في شغلٍ أكنت تبطئُ في شغله مثل هذا الإبطاء!
وهذا كلُّه تلاعبٌ بالصَّلاة، وتعطيلٌ لها، وخداعٌ من الشيطان، وخلافٌ لأمر الله ورسوله، حيث قال تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة/43]. فأَمَرَنا بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمةً، تامَّة القيام والركوع والسجود والأذكار.
وقد علَّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصَّلاة لم يكن من أهل الفلاح. ويستحيل حصول الخشوع مع العَجَلة والنَّقر قطعًا، بل لا يحصل الخشوع قطُّ إلَّا مع الطُّمأنينة، وكُلَّما زاد طمأنينةً ازداد خشوعًا، وكُلَّما قَلَّ خشوعُه اشتدَّت عَجَلَتُه حتى تصير حركة بدنه بمنزلة العَبَث، الذي لا يصحبُهُ خشوعٌ ولا إقبالٌ على العبوديَّة. (ص338 - 339)
الرحمة هي السَّبب المتَّصل منه بعباده، كما أنَّ العبودية هي السَّبب المتَّصل به منهم، فمِنهم إليه العبوديَّة، ومنه إليهم الرَّحمة.
ومن أخصِّ مشاهد هذا الاسم: شهود المصلِّي نصيبه من الرَّحمة، الذي أقامه بين يَدَي ربِّه، وأهَّلَه لعبوديته ومناجاته، وأعطاه ومنع غيره، وأقبل بقلبه وأعرض بقلب غيره، وذلك من رحمته به. (ص349)
فإذا قال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة /4] ففيهما سِرُّ الخلق والأمر، والدُّنيا والآخرة، وهي متضمِّنة لأَجَلِّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديَّتُه، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحقُّ العبادة إلَّا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل. (ص351)
من الأدلة على كفر تارك الصلاة:
عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلَّى صلاتنا، واستقبل قِبْلَتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المُسلم، له ما لنا، وعليه ما علينا".
ووجه الدلالة فيه من وجهين:
أحدهما: أنَّه إنَّما جعله مسلمًا بهذه الثَّلاثة، فلا يكون مسلمًا بدونها.
الثَّاني: أنَّه إذا صلَّى إلى الشَّرق لم يكن مسلمًا حتى يصلِّي إلى قبلة المسلمين، فكيف إذا ترك الصَّلاة بالكلِّيَّة!. (ص74 - 75)
هل تحبط الأعمال بترك الصلاة؟
أمَّا تركها بالكليَّة فإنَّه لا يُقْبَل معه عملٌ، كما لا يُقْبَل مع الشِّرك عملٌ؛ فإنَّ الصَّلاة عمود الإسلام كما صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وسائر الشَّرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها، وإذا لم يكن للفُسْطاط عمودٌ لم يُنْتَفع بشيءٍ من أجزائه. فقبول سائر الأعمال موقوفٌ على قبول الصلاة، فإذا رُدَّت رُدَّت عليه سائر الأعمال. (ص107 - 108)
والصَّلاة أول فُروض الإسلام، وهي آخر ما يُفْقَد من الدِّين، فهي أول الإسلام وآخره، وكُلُّ شيءٍ ذهب أوله وآخره فقد ذهب جميعه.
قال الإمام أحمد: كُلُّ شيءٍ يذهب آخره فقد ذهب جميعُه. فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينُه. (ص16 - 17)
وعن علي بن شيبان قال: خَرَجْنا حتى قَدِمْنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، وصلَّيْنَا خلفه، فلَمَحَ بمُؤْخِرِ عينه رجلًا لا يُقِيْم صلاتَه ــ يعني: صُلْبَه في الركوع والسُّجود ــ، فلمَّا قَضَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المسلمين، لا صلاة لمن لم يُقِمْ صُلْبَه في الركوع والسُّجُود". رواه الإمام أحمد، وابن ماجه.
وقوله: "لا صلاة" يعني: تجزئه؛ بدليل قوله: "لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسُّجود". ولفظ أحمد في هذا الحديث: "لا ينظر الله إلى رجلٍ لا يقيم صُلْبه بين ركوعه وسجوده". (ص280 - 281)
قال أبوعبد الله ابن نصر: سمعت إسحاق يقول: "صحَّ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ تارك الصَّلاة كافرٌ، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا؛ أنَّ تارك الصَّلاة عمْدًا من غير عذرٍ حتى يذهب وقتها كافرٌ". (ص107)
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) [الحج/18]. فالذي حقَّ عليه العذاب هو الذي لا يَسْجُد له سبحانه، وهو الذي أهانه بترك السُّجود له، وأخبر أنَّه لا مُكْرِم له، وقد هان على ربِّه، حيث لم يسجد له. (ص366)