القرآن كلُّه في التّوحيد وحقوقه وجزائه

 

فالقرآن كلُّه في التّوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشِّرك وأهله وجزائهم. فـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ} توحيدٌ، {رَبِّ الْعَالَمِينَ} توحيدٌ، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} توحيدٌ، {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} توحيدٌ، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} توحيدٌ، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} توحيدٌ، {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} توحيدٌ متضمِّنٌ لسؤال الهداية إلى طريق أهل التّوحيد الذين أُنْعِمَ عليهم {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} الذين فارقوا التّوحيد.

ولذلك شهد الله لنفسه بهذا التّوحيد، وشهدت له به ملائكتُه وأنبياؤه ورسله. قال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 18 - 19]. فتضمّنت هذه الآية الكريمة إثباتَ حقيقة التّوحيد، والرَّدَّ على جميع هذه الطَّوائف، والشّهادةَ ببطلان أقوالهم ومذاهبهم. وهذا إنّما يتبيَّن بعد فهم الآية وبيان ما تضمَّنته من المعارف الإلهيّة والحقائق الإيمانيّة.

فتضمّنت هذه الآية: أجلَّ شهادةٍ وأعظمَها وأعدلَها وأصدقَها، من أجلِّ شاهدٍ، بأجلِّ مشهودٍ به.

وعباراتُ السَّلَف في «شهد» تدور على الحكم، والقضاء، والإعلام، والبيان، والإخبار. قال مجاهدٌ: حكَمَ، وقضى. وقال الزَّجَّاج: بيَّن. وقالت طائفةٌ: أعلَمَ وأخَبَر. وهذه الأقوال كلُّها حقٌّ لا تنافي بينها، فإنَّ الشَّهادَة تتضمَّن كلامَ الشّاهد وخبرَه وقولَه، وتتضمَّن إعلامَه وإخبارَه وبيانَه. فلها أربعُ مراتب. فأوّل مراتبها: علمٌ ومعرفةٌ واعتقادٌ لصحّة المشهود به وثبوته. وثانيها: تكلُّمُه بذلك ونطقُه به، وإن لم يُعلِمْ به غيرَه، بل يتكلَّم بها مع نفسه ويذكرها وينطق بها أو يكتبها. وثالثها: أن يُعلِمَ غيرَه بما شهِد به، ويخبرَه به، ويبيِّنه له. ورابعها: أن يُلْزِمَه بمضمونها ويأمرَه به.

فشهادةُ الله سبحانه لنفسه بالوحدانيّة والقيام بالقسط تضمَّنَت هذه المراتبَ الأربعة: علمَه سبحانه بذلك، وتكلُّمَه به، وإعلامَه وإخبارَه لخلقه به، وأمرَهم وإلزامَهم به.

فأمّا مرتبة العلم، فإنَّ الشّهادةَ بالحقِّ تتضمّنها ضرورةً، وإلّا كان الشّاهدُ شاهدًا بما لا علم له به. قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]. وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «على مثلها فاشهد»، وأشار إلى الشَّمس.

وأمّا مرتبة التّكلُّم والخبر، فمَن تكلّم بشيءٍ وأخبر به فقد شهد به، وإن لم يتلفّظ بالشّهادة. قال تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ} [الأنعام: 150]. وقال تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف: 19]. فجعل ذلك منهم شهادةً، وإن لم يتلفَّظوا بلفظ الشّهادة، ولم يؤدُّوها عند غيرهم.

وقال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «عدَلت شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله». وشهادةُ الزُّور هي قول الزُّور، كما قال تعالى: {قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} [الحج: 30 - 31]. وعند هذه الآية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عدَلت شهادةُ الزُّور الإشراكَ بالله»، فسمّى قول الزُّور شهادةً.

وسمّى الله سبحانه إقرارَ العبد على نفسه شهادةً، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135]. فشهادةُ المرء على نفسه: هي إقرارُه على نفسه. وفي الحديث الصّحيح في قصّة ماعزٍ: فلمّا شهد على نفسه أربعَ مرّاتٍ رجَمَه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال تعالى: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام: 130].

وهذا وأضعافُه يدلُّ على أنّ الشَّاهدَ عند الحاكم وغيره لا يشترط في قبول شهادته أن يتلفَّظَ بلفظ الشّهادة، كما هو مذهب مالكٍ وأهل المدينة وظاهرُ كلام أحمد، ولا يُعرَف عن أحدٍ من الصَّحابة ولا التَّابعين اشتراطُ ذلك.

وقد قال ابن عبَّاسٍ: شهد عندي رجالٌ مرضيُّون ــ وأرضاهم عندي عمر ــ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصّلاة بعد الصُّبح حتّى تطلعَ الشَّمس، وبعد العصر حتّى تغربَ الشَّمس. ومعلومٌ أنّهم لم يتلفَّظوا بلفظ الشّهادة.

والعشرةُ الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنّة، لم يتلفَّظ في شهادته لهم بلفظ الشّهادة، بل قال: «أبو بكرٍ في الجنّة، وعمر في الجنّة، وعثمان في الجنّة، وعليٌّ في الجنّة» الحديث.

وأجمع المسلمون على أنّ الكافر إذا قال: لا إله إلّا الله، محمّدٌ رسول الله، فقد دخل في الإسلام، وشهد شهادة الحقِّ، ولم يتوقَّف إسلامُه على لفظ الشّهادة، وقد دخل في قوله: «حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله» وفي اللفظ الآخر: «حتّى يقولوا لا إله إلّا الله». فدلَّ على أنَّ مجرَّدَ قولهم: «لا إله إلّا الله» شهادةٌ منهم.

وهذا أكثر من أن تذكر شواهده في الكتاب والسُّنّة. فليس مع من اشترط لفظ الشّهادة دليلٌ يعتمد عليه، والله أعلم.

فصل

وأمّا مرتبة الإعلام والإخبار، فنوعان: إعلامٌ بالقول، وإعلامٌ بالفعل. وهذا شأنُ كلِّ مُعْلِمٍ لغيره بأمرٍ: تارةً يُعلِمه به بقوله، وتارةً بفعله. ولهذا كان من جعل داره مسجدًا، وفتَح بابها لكلِّ من دخل إليها، وأَذِن في الصّلاة فيها= مُعْلِمًا أنّها وقفٌ، وإن لم يتلفَّظ به. وكذلك من وُجِدَ متقرِّبًا إلى غيره بأنواع المَسَارِّ، مُعْلِمًا له ولغيره أنّه يحبُّه، وإن لم يتلفَّظ بقوله. وكذلك بالعكس.

وكذلك شهادةُ الرَّبِّ ــ جلَّ جلالُه ــ وبيانُه وإعلامُه يكون بقوله تارةً، وبفعله أخرى.

فالقول هو ما أرسل به رسلَه، وأنزل به كتبَه، ممّا قد عُلِمَ بالاضطرار. وإنَّ جميعَ الرُّسل أخبروا عن الله أنّه شهد لنفسه بأنّه لا إله إلّا هو، وأخبر بذلك، وأمرَ عباده أن يشهدوا به. وشهادتُه سبحانه أنه لا إله إلّا هو معلومةٌ من جهة كلِّ من بلَّغ عنه كلامَه.

وأمّا بيانُه وإعلامُه بفعله، فهو ما تضمّنه خبرُه تعالى عن الأدلّة الدّالّة على وحدانيّته التي يُعلَم دلالتها بالعقل والفطرة. وهذا أيضًا يُستعمَل فيه لفظُ الشَّهادة، كما يُستعمَل فيه لفظُ الدّلالة والإرشاد والبيان، فإنّ الدّليل يبيِّن المدلولَ عليه ويُظهره، كما يبيِّنه الشّاهد المخبر؛ بل قد يكون البيانُ بالفعل أظهر وأبلغ.

وقد يسمّى شاهدُ الحال نطقًا وقولًا وكلامًا، لقيامه مقامَه وأدائه مؤدَّاه، كما قيل:

وقالت له العينانِ سمعًا وطاعةً … وحدَّرتا كالدُّرِّ لمّا يثقَّبِ

وقال الآخر:

شكا إليَّ جملي طولَ السُّرى … صبرًا جميلًا فكلانا مبتلى

وقال الآخر:

امتلأ الحوضُ وقال قَطْني … مهلًا رويدًا قد ملأتُ بطني

ويسمّى هذا شهادةً أيضًا، كما في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة: 17]. فهذه شهادةٌ منهم على أنفسهم بما يفعلونه من أعمال الكفر وأقواله، فهي شهادةٌ بكفرهم، وهم شاهدون على أنفسهم بما شهدت به.

والمقصود: أنَّه سبحانه يشهد بما جعل آياته المخلوقةَ دالّةً عليه، فإنَّ دلالتها إنّما هي بخلقه وجعله، ويشهد بآياته القوليّة الكلاميّة المطابقة لما شهدت به آياتُه الخلقيّة، فتتطابق شهادةُ القول وشهادةُ الفعل، كما قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53]، أي أنّ القرآن حقٌّ. فأخبر أنّه يدلُّ بآياته الأفقيّة والنَّفسيّة على صدق آياته القوليّة الكلاميّة.

وهذه الشّهادة الفعليّة قد ذكرها غيرُ واحدٍ من أئمّة العربيّة والتّفسير. قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب وأموره المحكمة عند خلقه: أنّه لا إله إلّا هو.

فصل

وأمّا المرتبة الرَّابعة: وهي الأمر بذلك والإلزام به، وإن كان مجرَّدُ الشّهادة لا يستلزمه، لكن الشَّهادةَ في هذا الموضع تدلُّ عليه وتتضمّنَه، فإنّه سبحانه شهد به شهادةَ من حكمَ به وقضى وأمرَ وألزَمَ عباده به، كما قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وقال تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ} [النحل: 51] ، وقال تعالى: {أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقال تعالى: {لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الإسراء: 22]، وقال: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} [الشعراء: 213]. والقرآن كلُّه شاهدٌ بذلك.

ووجهُ استلزام شهادته سبحانه لذلك: أنّه إذا شهد أنّه لا إله إلّا هو، فقد أخبَر وبيَّن وأعلَم وحكَم وقضَى: أنّ ما سواه ليس بإلهٍ، وأنَّ إلهيّةَ ما سواه أبطَلُ الباطل وإثباتَها أظلَمُ الظُّلم، فلا يستحقُّ العبادةَ سواه، كما لا تصلح الإلهيّةُ لغيره. وذلك يستلزم الأمرَ باتِّخاذه وحده إلهًا، والنَّهيَ عن اتِّخاذ غيره معه إلهًا. وهذا يفهمه المخاطب من هذا النّفي والإثبات، كما إذا رأيتَ رجلًا يستفتي أو يستشهد أو يستطِبُّ مَن ليس أهلًا لذلك، ويدَعُ مَن هو أهلٌ له، فتقول: هذا ليس بمفتٍ ولا شاهدٍ ولا طبيبٍ، المفتي فلانٌ، والشّاهد فلانٌ، والطّبيب فلانٌ؛ فإنَّ هذا أمرٌ منه ونهيٌ.

وأيضًا فإنّ الآية قد دلّت على أنّه وحده المستحقُّ للعبادة، فإذا أخبر أنّه هو وحده المستحقُّ للعبادة تضمَّن هذا الإخبارُ: أمرَ العباد وإلزامَهم بأداء ما يستحقُّه الرَّبُّ تعالى عليهم، وأنَّ القيامَ بذلك هو خالصُ حقِّه عليهم، فإذا شهد سبحانه أنّه لا إله إلّا هو تضمّنت شهادتُه الأمرَ والإلزامَ بتوحيده.

وأيضًا، فلفظُ الحكم والقضاء يُستعمَل في الجمل الخبريّة، ويقال للجملة الخبريّة: قضيّةٌ وحكمٌ، وقد حُكِمَ فيها بكيت وكيت. قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 151 - 154]، فجعل هذا الإخبارَ المجرَّدَ منهم حكمًا. وقال في موضعٍ آخر: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ} [القلم: 35]. لكن هذا حكمٌ لا إلزام معه، والحكمُ والقضاءُ بأنّه لا إله إلّا هو: متضمِّنٌ للإلزام.


مدارج السالكين (4/ 450 – 459 ط عطاءات العلم)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله