علاقة الإيمان بالرسل بتعظيم الله وتقديسه

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا) فَمَنْ قَرَأَهَا بِالْيَاءِ فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنِ الْيَهُودِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِالتَّاءِ لِلْخِطَابِ فَهُوَ خِطَابٌ لِهَذَا الْجِنْسِ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ، أَنْ تَجْعَلُونَهُ يَا مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ نُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُخْبِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا اعْتَمَدُوهُ فِي كِتَابِهِمْ، وَأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ، وَأَبْدَوْا بَعْضَهُ وَأَخْفَوْا كَثِيرًا مِنْهُ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِمْ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ) خِطَابًا لِمَنْ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَلْ هَذَا اسْتِطْرَادٌ مِنَ الشَّيْءِ إِلَى نَظِيرِهِ وَشِبْهِهِ وَلَازِمِهِ.

وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.

فَاسْتَطْرَدَ مِنَ الشَّخْصِ الْمَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ وَهُوَ آدَمُ عليه السلام إِلَى النَّوْعِ الْمَخْلُوقِ مِنَ النُّطْفَةِ وَهُمْ أَوْلَادُهُ، وَأَوْقَعَ الضَّمِيرَ عَلَى الْجَمِيعِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، وَيُشْبِهُ هَذَا قَوْلُهُ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.

وَعَلَى التَّقْدِيرِ، فَهَؤُلَاءِ لَمْ يَتِمَّ لَهُمْ إِنْكَارُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمُكَابَرَتُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الْجَحْدِ وَالتَّكْذِيبِ الْعَامِّ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ إِنْ أَقَرُّوا بِبَعْضِ النُّبُوَّاتِ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ظَهَرَ تَنَاقُضُهُمْ وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْإِيمَانُ بِنَبِيٍّ وَجَحْدِ نُبُوَّةِ مَنْ نُبُوَّتُهُ أَظْهَرُ وَآيَاتُهَا أَكْبَرُ، وَأَعْظَمُ مِمَّنْ أَقَرُّوا بِهِ.

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مَنْ جَحَدَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَأَنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، بَلْ يَتَعَالَى وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْكَارًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَحُكْمِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالظَّنِّ السَّيِّءِ بِهِ أَنَّهُ خَلَقَ خَلْقَهُ عَبَثًا بَاطِلًا، وَأَنَّهُ خَلَّاهُمْ سُدًى مُهْمَلًا، وَهَذَا يُنَافِي كَمَالَهُ الْمُقَدَّسَ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ كُلِّ مَا يُنَافِي كَمَالَهُ، فَمَنْ أَنْكَرَ كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ وَإِرْسَالَهُ الرُّسُلَ إِلَى خَلْقِهِ فَمَا قَدَرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَلَا عَرَفَهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ عَبَدَ مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ لَمْ يُقَدِّرْهُ حَقَّ قَدْرِهِ، مُعَطِّلٌ جَاحِدٌ لِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَنُعُوتِ جَلَالِهِ، وَإِرْسَالِ رُسُلِهِ، وَإِنْزَالِهِ كُتُبِهِ، وَلَا عَظَّمَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ.

وَلِذَلِكَ كَانَ جَحْدُ نُبُوَّةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، وَتَكْذِيبُهُ إِنْكَارًا لِلرَّبِّ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ وَجُحُودًا لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ الْإِقْرَارُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ، بَلْ وَلَا بِوُجُودِهِ، مَعَ تَكْذِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُنَاظَرَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَلَا يُجَامِعُ الْكُفْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْإِقْرَارَ بِالرَّبِّ تَعَالَى، وَصِفَاتِهِ أَصْلًا، كَمَا لَا يُجَامِعُ الْكُفْرَ بِالْمَعَادِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، الْإِقْرَارَ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَصْلًا، وَقَدْ ذَكَرَ سبحانه وتعالى ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ فِي كِتَابِهِ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ).

وَالثَّانِي فِي سُورَةِ الْكَهْفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ).

فَالرَّسُولُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِنَّمَا جَاءَ بِتَعْرِيفِ الرَّبِّ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَالتَّعْرِيفِ بِحُقُوقِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ أَنْكَرَ رِسَالَتَهُ فَقَدْ أَنْكَرَ الرَّبَّ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ وَحُقُوقَهُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا، بَلْ نَقُولُ: لَا يُمْكِنُ الِاعْتِرَافُ بِالْحَقَائِقِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مَعَ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم.

وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدًّا لِمَنْ تَأَمَّلَ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَدْيَانِهِمْ.


هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (2/ 582 - 584)

  • المصدر: موقع الإمام ابن القيم رحمه الله

مقالات ذات صلة

hacklink hack forum hacklink film izle hacklink บาคาร่าสล็อตเว็บตรงสล็อตsahabetdeneme bonusu veren sitelerสล็อตเว็บตรงสล็อตเว็บตรง1xbetkaçak iddaa1winสล็อตเว็บตรงสล็อตเว็บตรงz-lib-orgрейтинг онлайн казиноDeneme bonusu veren siteler 2026jojobetjojobetjojobetmarsbahisjojobetNon GamStop Casinospusulabet girişpusulabet girişmeritbetcasibomjojobetkingroyaljojobetgrandpashabetjojobetgrandpashabet